مجتمعالرئيسي

تحقيق: المهاجرات الافريقيات والهرب الى الموت

مجتمع

أكثر من 12000 شخصا قُتلوا وفُقدوا بين مطلع 2014 و غرة جوان 2017  في عرض المتوسط، و60 ألف شخص تم إنقاذهم وتحويلهم الى الشواطئ الايطالية منذ شهر جانفي 2017، أرقام مفزعة صادرة عن  منظمة “هيومن رايتس ووتش” تعكس هول ما يتعرض له المهاجرون الأفارقة.

هربوا خوفا من الموت فكان الموت مصيرهم، تكبدوا عناء السفر من بلدانهم هربا من الصراعات العرقية ومظالم الجماعات المسلحة، أناس أحاط بهم شبح الموت من كل اتجاه، الفقر والجوع والحروب والعادات والتقاليد المجحفة، فكانت الهجرة السرية سبيلهم الوحيد للنجاة.

“البحر أمامكم والعدو وراءكم” مقولة تلخص واقع المهاجرين الأفارقة، وقصصهم المروعة بتفاصيلها الأليمة، نساء عانين ويلات التعذيب بمختلف أشكاله، بعضهن عُرضن للبيع وأُجبرن على الانضمام إلى شبكات الدعارة لتبدأ مآس أخرى بضحايا جدد: أطفال رضع مجهولو النسب والمصير.

جمعيات ومنظمات دولية احتضنت المهاجرين وانقذتهم من البحر وكانت لهم سندا في البر، ومجهودات حثيثة تبذل لإنهاء مأساة المهاجرين والتخفيف منها، إلا أن أعدادهم في ارتفاع مستمر.

مجلة ميم حاولت الاقتراب من مآسي المهاجرات الافريقيات والتعرف على تفاصيل رحلاتهن من أوطانهن عبر البحار وصولا الى ضفاف شمال افريقيا، من خلال شهادات عدد منهن ممن أوصلتهن الأقدار الى تونس، حيث التقيناهن..

كنت أنوي الذهاب إلى أوروبا لكنهم باعوني ثلاث مرات

تحولنا إلى مركز إيواء للاجئين بولاية مدنين، في الجنوب الشرقي لتونس، حيث يعيش قرابة 300 مهاجر من بينهم 50 امرأة افريقية، يقيم جميعهم في مركز خصص لايوائهم وتقديم يد العون لهم، وتوفير جميع مستحقاتهم.

من بين المقيمات هناك وجدنا “بيلا” تحتضن ابنتها التي لم يتجاوز عمرها الخمسة أشهر، تقف أمام مكتب احد الاعوان، تنتظر دورها للحصول على حفاظات وأدوية لابنتها الرضيعة.

هي فتاة نيجيرية الأصل تبلغ من العمر 23 سنة، قررت الهرب من من الحرب المستعرة في نيجيريا. تقول في حوار لها مع مجلة ميم،

“باعوني أنا وفتيات أخريات ثلاث مرات، تم بيعي في مرحلة أولى في نيجيريا، ثم تحولت إلى أغاديس لاباع مرة ثانية. قام مهربون بنقلي أنا وبقية  الفتيات إلى منطقة سبها الليبية، كنا نعتقد أنه سيتم تهجيرنا إلى أوروبا عبر ليبيا، إلا أنهم أجبرونا على البقاء في احد الاماكن المهجورة وأدخلونا ضمن شبكة دعارة”.

باضطراب كبير تحدثنا بيلا وجبينها يتصفد عرقا، عن رحلتها الشاقة من نيجيريا إلى ليبيا وعن إدماجها في شبكة دعارة وتعرضها للاعتداء والعنف من قبل مجموعات مسلحة وعصابات.

تقول “بقيت قرابة 6 أشهر في ذلك المنزل، كنت أتعرض للاغتصاب والضرب، عانيت من الجوع والعطش، بعد ذلك حاولت الهرب عبر سور البناية إلا أنه تم إلقاء القبض علي وإيداعي في سجن سبها.”

 

تعرضت للاغتصاب، وحملت من السجان

رحلة “بيلا” لم تتوقف عند السجن، بعد أن ألقت الشرطة الليبية القبض عليها، بل كان لها موعد آخر مع التعذيب والاستغلال والاغتصاب من قبل السجان.

“تم سجني في “سجن سبها” 8 أشهر، تعرضت خلالها للاغتصاب من قبل السجان. كانت الشرطة الليبية تعاملنا بقسوة، يعنفوننا، ويحرموننا من الطعام والماء لأيام.. المكان كان متسخا جدا، وعانينا من الأمراض في ظروف غير صحية.. كنا نتعرض للتمييز العنصري لأننا سود، فهم لا يحبون  أصحاب البشرة السوداء.”

من الاختطاف إلى الاغتصاب

“تم إيقافي منذ وصولي إلى ليبيا واقتيادي إلى منزل مهجور  بقيت فيه ستة أشهر كاملة… في تلك الفترة عانيت الويلات: تعذيب وضرب واغتصاب “. بصعوبة كبير تحاول “مايا” أن تقص علينا بعضا من تجربتها القاسية منذ هاجرت من موكنها وهي تبلغ من العمر 22 عاما .

تجلس “مايا” على كرسي في إحدى غرف مركز إيواء اللاجئين بمحافظة مدنين، الذي يضم 300 لاجئ من دول أفريقية مختلفة، من بينهم 50 امرأة وعدد من الأطفال الرضع حديثو الولادة.

كانت نظراتها غير مستقرة ، تحرك ساقيها تارة ويديها تارة أخرى بتوتر وخوف باديين. كلماتها متقطعة، يصعب عليك فهمها.

تعود بنا “مايا” الى بداية قصتها وسبب سفرها من مدينتها الأم “غوما” قائلة ” أنا أصيلة منطقة غوما “وهي منطقة تابعة لجمهورية الكونغو الديمقراطية. مدينتي تعيش على وقع حرب عرقية خلفت آلاف الضحايا من النساء والأطفال، في حين نفذ العشرات من النساء بجلدهن خوفا من بطش الجماعات المسلحة”. 

“سافرت بطريقة شرعية من الكونغو الى تونس لأكمل دراستي وكان صديقي هو من يوفر لي جميع مستحقاتي من معلوم الكراء والدراسة والتنقل، إلا أن حياتي انقلبت رأسا على عقب بعد أن انقطعت جميع أخباره عني، وأظنه توفي.”

تواصل محدثتنا ” بعد ذلك عجزت عن توفير مستحقاتي اليومية، واستكمال دراستي ،فبدأت تراودني فكرة الهجرة، وبالفعل انتقلت إلى الجنوب التونسي ومن هناك هاجرت بطريقة غير شرعية إلى ليبيا”.

كان هدف مايا وغيرها من المهاجرين هو أوروبا، كانت تظن أن ذاك المركب سيقودها حيث العمل والاستقرار والحياة المرفهة، إلا أن الأقدار ألقت بها في أتون ليبيا.

بنظرات تملؤها الشفقة تحدق “مايا ” في رضيعتها التي لم تتجاوز الثلاثة أسابيع “هذا ما جنيته من سفري إلى ليبيا، فطيلة تلك الفترة (ستة أشهر) كان من قاموا باختطافي يتناوبون على اغتصابي الى أن حملت بابنتي، وليتخلصوا مني بعد حملي، تم إجباري على أن أستقل مركبا وأرحل تحت التهديد بالسلاح ودفع بي في البحر”.

وحسب ما أفادنا به أحد المصادر فان الجماعات المسلحة، أو الشبكات المختصة في اختطاف المهاجرين وخاصة النساء تقوم بترحيلهن بعد استغلالهن جنسيا، خاصة الحوامل منهن، قسرا، حتى تمحو آثار ما اقترفه أتباعها وتتخلص من عبء الأم والرضيع في بطنها وينجو من أي تتبع قانوني ممكن.

تواصل “مايا” صراعها مع ذكرياتها الأليمة قائلة “تم اجباري مع عدد آخر من المهاجرين، ومن بينهم أطفال ونساء، على امتطاء مركب.. إلا أننا تهنا في عرض البحر حتى عثرت علينا السلطات التونسية وتم اقتيادنا الى هنا”.

كانت مايا تصارع الموت في عرض البحر رفقة ابنتها التي لم تر النور بعد الى ان تم انقاذها من قبل السلطات التونسية ونقلها الى مركز الايواء بمدينة مدنين أين أنجبت ابنتها في بداية شهر أكتوبر. وتواصل حياتها هناك طالبة  الحصول على صفة اللجوء لها ولابنتها، لتعيشا بسلام بعيدا عن الصراعات والاعتداء والاستغلال.

عمر: الناجي الوحيد بين 120، منهم 20 امرأة 

عمر ادم حسن شاب نيجيري يبلغ من العمر 25 سنة وهو يقطن حاليا في مدينة جرجيس. لعمر حكاية أخرى مع الهجرة ومع ليبيا والبحر. يقول “هاجرت من نيجيريا إلى ليبيا للعمل  بعد وفاة أفراد عائلتي هناك. كانت الظروف صعبة جدا  في ليبيا، خاصة وأن هناك جماعات مسلحة تجبر الشبان الأفارقة  المتواجدين في الأراضي الليبية على حمل السلاح والقتال فيها.”

يواصل عمر حديثه “تعرفت على مجموعة من الشبان الأفارقة أقنعوني بالذهاب إلى أوروبا. جمعت مبلغ 1500 دينار ليبي  واتجهنا الى مدينة زوارة الليبية لإعطاء المبلغ المالي للمهرب الذي سهل لنا الامور ونسق مع صاحب مركب في مدينة صبراتة، الذي قام بدوره  بتحديد  تاريخ وساعة المغادرة. اجتمعنا في منزل  فيه خمس شبان من نيجيريا وآخرون من الكوت ديفوار  وجنسيات إفريقية مختلفة. كان عددنا 120 شخصا بينهم 20 امرأة وأطفال عدة. دفع كل فرد فينا 1500 دينار للمهرب.”

“على الساعة الحادية عشرة ليلا  من ثاني أيام عيد الأضحى، انطلق المركب. كل واحد فينا كان يحلم بالاستقرار والحياة المرفهة. قال لنا قائد المركب اننا سنقطع مسافة  350 كلم حتى نصل إلى لامبيدوزا. بعد ساعات من السير تعمقنا في البحر.. كان البحر مضطربا والأمواج عالية. بقينا يومين كاملين تائهين في عرض البحر. بدأت كمية البنزين تنفذ، فلا يوجد سوى 3 خزانات وقود صغيرة الحجم، وهي لا تكفي لمواصلة رحلتنا، وهو ما أثار غضب الركاب الذي احتجوا على الوضع.”

يواصل عمر حديثه عن رحلته الخطرة في عرض البحر رفقة 119 مهاجرا، والموت يحدق بهم من كل جانب. “احتج أحد المهاجرين وضرب المركب برجله، فانكسر و بدأ الماء يتسرب الى الداخل، وسط صياح المهاجرين. أخذ المركب يغرق شيئا فشيئا والناس يتساقطون في البحر يحاولون التشبث ببعضهم  البعض وفي حطام المركب، إلا أنهم لم يقدروا وغرقوا.. كنت أصارع الأمواج صحبة رفاقي.”

سترة النجاة أنقذتني، ومن يدفع أكثر يعيش أطول

“دفعت  100 دينار إضافية للحصول على سترة جديدة وفعالة و 25 دينار أخرى للحصول على طوق النجاة المطاطي، وهي التي انقذتني من موت محدق.. شاهدت الناس يغرقون وتطفو جثثهم فوق سطح البحر.. صياح النساء والأطفال لا زال في اذني. أحدهم حاول التشبث بي وكنت أدفعه عني حتى لا يغرقني. أغلب  الركاب لم يكن لديهم سترات إنقاذ مما تسبب في غرقهم. كنت ابتعد شيئا فشيئا عن المركب، وكلما التفت ورائي رأيت الجثث تطفو فوق سطح البحر.. توفي جميع من كان معي، وبقيت وحيدا أصارع أمواج البحر العاتية”.

بحسرة وأسف يحدثنا عمر  الناجي الوحيد في حادثة المركب وهلاك 119 شخص من بينهم 20 امرأة.

ويضيف عمر  ” كنت اردد سورة الإخلاص وأنا أصارع أمواج البحر. الله من أنقذني. أنهكتني قوة الأمواج، وسلمت أمري إلى الله ولها.. بقيت يومين في البحر دون ماء ولا طعام.. كانت أمواج البحر تقذفني نحو الشاطئ الى ان وصلت الى ضفاف مدينة جرجيس.. عندها أنقذني أحد البحارة وتم نقلي إلى المستشفى.”

 

ليبيا المنفذ رغم خطر الحرب

تستقطب ليبيا يوميا عشرات المهاجرين الأفارقة وذلك لقربها من من الحدود الإيطالية، حيث تبعد 300 كلم عن جزيرة لامبيدوزا الإيطالية التي تستقبل سنويا آلاف المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء الإفريقية، مثل نيجيريا والصومال والسودان واريتريا واثيوبيا وغانا.

يقول الحقوقي مصطفى عبد الكبير المنسق الجهوي للمعهد العربي لحقوق الإنسان بمدنين في تصريح خص به مجلة “ميم”، “ان القذافي كان يستخدم مسألة الهجرة غير الشرعية ورقة ضغط على الدول الأوروبية ويهددهم باغراقهم بالمهاجرين الغير شرعيين  وقد عُرف بمقولته الشهيرة  “سيصلكم الافريقيون لاسترجاع ثرواتهم التي نهبتُموها زمن الاستعمار”. وكانت الدول الاوروبية  تمنح سنويا القذافي خمس مليارات يورو  من أجل مراقبة الحدود الليبية لمكافحة الهجرة غير الشرعية.

أما بعد الثورة الليبية فقد تشكلت ميليشيات وعصابات مختصة في تجارة تهريب البشر  نحو أوروبا وهي مصدر دخل هام بالنسبة لها يغدق عليها ملايين الدولارات. وقد قدرت نسبة هذه التجارة في ليبيا ب10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الميليشيات والجماعات المسلحة، على حد تعبير عبد الكبير.

وحسب المنسق الجهوي للمعهد العربي لحقوق الإنسان بمدنين، فإن الهجرة غير الشرعية تضاعفت منذ سنة 2011 إلى الآن، وتضاعف عدد المهاجرين خاصة في صفوف النساء من دول جنوب الصحراء اللاتي يقطعن خط سير صحراوي  يربط بين الحدود النيجيرية والتشادية والسودانية باتجاه الجنوب الصحراوي الليبي، ثم الاتجاه نحو المنطقة  الغربية أين توجد المدن التي تنطلق منها الرحلة، وهي تحديدا  زوارة صبراتة ومصراتة والخمس طرابلس. وتعتبر صبراتة المنفذ الأساسي لوجود مليشيات ليبية مسيطرة على الميناء ومختصة في الهجرة غير الشرعية.

 

منظمات ترعى المهاجرين الأفارقة في تونس

يقول السيد عبد الكبير “كل الأفارقة الذين يردون على البلاد التونسية يفدون اليها لان تونس منطقة عبور وليست وجهتهم لذلك نجدهم يرفضون البقاء هنا لأنهم يعتبرون تونس بلد وسيط.. الأقدار هي من قذفت بهم   في السواحل التونسية التي تربط السواحل الليبية والإيطالية لذلك في أغلب الأحيان يجد المهاجرين أنفسهم في المياه الإقليمية وتلقي عليهم الوحدات الأمنية أو العسكرية القبض وايداعهم في مراكز الإيواء”.

وتلعب منظمة الهلال الأحمر والمنظمة الدولية للهجرة دورا هاما في توفير كل المستلزمات الأساسية للاجئين الأفارقة بعد انقاذهم أو إيقافهم في عرض المتوسط، حيث يتم ايداعهم في مراكز إيواء ومن بينها مركز إيواء اللاجئين في ولاية مدنين.

وفي هذا الإطار، أكد منجي سليم رئيس الهيئة الجهوية للهلال التونسي عن ولاية مدنين أن المنظمة تقوم بتقديم  جملة من الخدمات كالمسكن والملبس والصحة والأكل وتوفير الحماية من إمكانية الاستغلال أثناء العمل.

كما تقوم بمساعدة البعض ممن يريد العودة الى البلد الأم من خلال تحضير وثائق السفر وترحيلهه، في حين يُخير البعض الآخر البقاء في تونس ويرفض العودة إلى بلده خاصة ان كانت تشهد صراعات عرقية أو حروب، “حينها نعمل على تحضير وثائق اللجوء لهم ودراسة وضعياتهم حالة بحالة لامكانية إسناد صفة اللجوء لهم” .

مبيت مخصص للمهاجرين 300 شخص من بينهم 50 امرأة

وأنت تتجول في مركز الإيواء للمهاجرين بمدينة مدنين يعترض سبيلك مهاجرون أفارقة صغار وكبار، نساء وأطفال رُضع، بوجوه كئيبة، جميعهم ينتظرون لحظة المغادرة اما الى بلدانهم، أو البقاء في تونس، وبعضهم مصر على اعادة تجربة الهجرة في قوارب الموت.

يقول منجي سليم وهو المقرب من المهاجرين من ضمن الفريق العامل في مركز الإيواء

“غرف هذه العمارة كانت شاهدة على العديد من قصص النساء الأفريقيات اللائي مررن من هنا، ولجأن لفترات مختلفة في هذا المركز.

ومن بين القصص التي بقيت عالقة في مخيلتي قصة “أم بحر “وهي مهاجرة إفريقية  من أريتريا قدمت إلى تونس سنة 2014. بقيت تصارع الموت لمدة تسعة أيام في عرض البحر وهي حامل في ذلك الوقت بعد أن غرق المركب الذي كان على متنه عدد من المهاجرين، مات جميعهم وبقيت أم بحر لوحدها.

بقيت تصارع الأمواج تسعة أيام بلياليها  في عرض البحر إلى أن داهمها المخاض وأنجبت ابنتها التي أطلقت عليها اسم “بحر” الى ان عثرت عليها وحدات الأمن وتم انقاذها واحضارها الينا هنا.

وبقيت “أم بحر” وابنتها سنة كاملة في مركز الإيواء، تعلمت خلالها مهنة الحلاقة. وقد سافرت مرة أخرى إلى ليبيا ثم إلى ألمانيا، وهي اللآن تعمل هناك وتتصل بي من حين لآخر وتناديني “أبي” “.

ومن الحالات الأخرى التي حدثنا عنها السيد سليم، حالة إحدى الفتيات وهي مسلمة هربت من إحدى أرياف جمهورية سيراليون الواقعة غرب القارة الأفريقية بسبب انتشار عادة ختان النساء في تلك المدينة. قررت الهجرة عبر مسالك صحراوية خطيرة، ومرت بمدينة كوناكري ثم إلى مالي ثم إلى المنطقة الصحراوية بالجزائر ثم تحولت إلى الزنتان وبعدها الى مدينة صبراتة، الا انه تم القاء القبض عليها وسجنها، وقد تعرضت للاغتصاب وتهجيرها قسرا بعد أن حملت لتلقي بها أمواج البحر في تونس. وهي موجودة الآن في مركز الإيواء بمدنين.

واكد رئيس الهيئة الجهوية للهلال التونسي عن ولاية مدنين منجي سليم  ان الهجرة السرية بدأت وتيرتها ترتفع بعد الثورة الليبية، قيقول

“بدأت تونس تستقبل المهاجرين عبر كل من ميناء الكتف    ببن قردان أو ميناء جرجيس وايداعهم في مراكز إيواء تابعة لمنظمة الهلال الأحمر، حيث تم انقاذ 1200 شخص  سنة 2015.

إلا أن تونس لم تستقبل سنة 2016 مهاجرين أفارقة بسبب الدور الذي لعبته المنظمات الدولية المختصة في إنقاذ المهاجرين في عرض البحر ونقلهم بصفة مباشرة الى  الدول الاوربية، لتعود الظاهرة من جديد  سنة 2017 وتوافد علينا حوالي 200 من بينهم 50 امرأة”.

وأضاف منجي سليم “أنه قد تم ترحيل 68 امرأة إلى نيجيريا في شهر جوان ووافقت المنظمة الدولية للهجرة على تمكين هؤلاء النسوة من مشاريع  ودعمهن ماديا  في بلدانهن حتى لا يفكرن مرة ثانية في الهجرة أو الانضمام إلى شبكات الدعارة في أوروبا. كما تم ترحيل 38 شخصا للسنغال و30 شخصا مازالوا ينتظرون تسوية وثائقهم للعودة إلى أوطانهم.

 

 اغتصاب، تهريب البشر وتجارة الأعضاء

17 اتفاقية دولية تم تشريعها ونصها لحماية حقوق المهاجرين أطفالا ونساءا وشبابا وصادقت عليها جميع دول العالم، من بينها البروتوكول الدولي لمناهضة التمييز ضد المرأة واتفاقيات متعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لكن هل يتم تطبيق هذه الترسانة من القوانين لحماية المهاجرين الأفارقة في مختلف أصقاع العالم؟

“جميع الاتفاقيات غير مطبقة، والشيء الوحيد المطبق هو انتهاكات متواصلة يقابلها افلات من العقاب”.

هذا ما أكده الحقوقي والمنسق الجهوي للمعهد العربي لحقوق الإنسان بمدنين في حوار له مع مجلة ميم، مضيفا أن الافريقيات تعرضن لشتى أنواع التعذيب في ليبيا

“وجدتُ افريقيات تتراوح أعمارهن بين 14 و16 سنة محتجزات في السجون الليبية، وقد تم بيع عدد منهن على مستوى الحدود ثم بيعها في مرحلة ثانية على مستوى الجنوب  ثم بيعت في المنطقة الوسطى، لتجد نفسها في البحر. وفي أغلب الأحيان يتم إلقاء القبض عليهن أو يتم العثور عليهن جثثا هامدة في السواحل التونسية”.

ويضيف السيد عبد الكبير أنه وبالإضافة إلى الرحلة الشاقة التي تقطعها الافريقيات وتعرضهن لعمليات البيع والشراء، فإنهن يتعرضن لمختلف أشكال العنف والاغتصاب من قبل المجموعات المسلحة والميليشيات الليبية

“الكثيرات منهن يتعرضن الى عمليات اغتصاب جماعية ومنهن من يعشن في ظروف صحية قاسية ويعانين من سوء التغذية وسوء المعاملة في السجون.”

وطرق التعذيب مختلفة، وأغلب النساء يمتن جراء تعرضهن لعمليات الاغتصاب، في حين تجبر الميليشيات  الليبية الافريقيات على مغادرة أراضيها  عندما تظهر عليها بوادر الحمل حتى لا يتعرضوا للتتبعات القانونية من قبل المنظمات والمحاكم الدولية، فيتم إجبارهن على ركوب قوارب الموت.”

وأشار المنسق الجهوي للمعهد العربي لحقوق الإنسان إلى أن هناك انتهاكات أخرى يتعرض لها الأفارقة، خاصة بعد ظهور مافيا مختصة في المتاجرة في الأعضاء.

المنظمات الدولية تعمل على إنقاذ المهاجرين

تعمل العديد من المنظمات غير الحكومية على إنقاذ المهاجرين في عرض البحر، ومن بين هذه المنظمات المجموعة المالطية، التي بدأت في مهمتها  منذ سنة 2014، وتمكنت من إنقاذ 30 ألف مهاجر من عر المتوسط.

كما نجد كلا المنظمات الألمانية “سي واتش” Sea Watch و”سي إي” Sea Eye و”يوغند ريتيت” Jugend Rettet ،بالإضافة إلى المنظمات غير الحكومية الإسبانية” برو-أكتيفا أوبين أرمز”Pro-Activa Open Arms ، وغيرها من المجموعات مثل “إنقاذ الطفولة”Save the Children وإس أو إس مديتراني”SOS Mediterranee”.

وقد توقفت العديد من المنظمات عن النشاط بسبب تهديد السلطات الليبية لسفنهم، في حين عاد البعض الاخر الى النشاط مثل منظمة الإغاثة الألمانية Sea Eye  يوم 9 سبتمبر الماضي، بعد انقطاع دام شهرا.

وينتظر أن تجري عمليات انقاذ بعيداَ عن الساحل الليبي في منطقة من 70 الى 90 ميلاً بحرياَ ، حتى تتجنب تهديد الحرس الليبي.

“قطعنا  اليوم 23 أكتوبر 2017  رحلتنا في عرض البحر المتوسط  لسوء الأحوال الجوية، في البحر هائج والأمواج يصل علوها في بعض الاحيان الى 10 أمتار. لذلك قررنا أن نرسي بمركبنا في ميناء جرجيس الى حين تحسن أحوال الطقس”

حدثتنا “كورا” الألمانية المتطوعة في  منظمة “Sea-Eye”  (عين البحر) وهي منظمة إغاثة تعمل على إنقاذ اللاجئين من الغرق في عرض البحر المتوسط  منذ سنة 2016.

“بحكم صغر قاربنا  الذي يستوعب ما بين 100 الى 150 شخصا، نقوم بتقديم الإسعافات الأولية للحالات الحرجة ومد يد العون للاجئين الاخرين الى حين وصول مركب أكبر الحجم لنقل جميع الأشخاص الناجين خلال رحلتهم”.

“قمنا ب 16 تدخلا سنة 2017 وتمكنا من إنقاذ حوالي 8000 شخص وأغلبهم من دول أفريقية،  ومن بين المهاجرين الكثير من  النساء والأطفال.. في الأسبوعين الأخيرين أنقذنا مركب على متنه 26 شخصا من بينهم ثلاثة نساء إحداهن كانت حاملا، وطفلين.”          

وعن ذكرياتها مع عمليات الإنقاذ، تقول “كورا” إن العمليات متعددة والقصص مختلفة. ففي اليوم يمكن أن ننقذ 600 شخص من نساء وأطفال وشباب، “وجميع المهاجرين يتعرضون للموت ألف مرة، ففي ليبيا يعاملون بقسوة ويجبرون على ركوب مراكب من الخشب البالي أو من المطاط، ويجبرونهم على شرب البنزين.. نتمنى أن ننقذ جميع المهاجرين وألا نسجل المزيد من الموتى الابرياء”.

من جهته، أكد “مارتن انس” وهو منقذ يعمل في مكتب البريد في ألمانيا، ومساعد ربان متطوع في منظمة “Sea Eye”  ،أكد أن مهمتهم تدوم 14 يوم ينفذون فيها عمليات إنقاذ متعددة ثم يعودون إلى مالطا، “عمليات الإنقاذ تختلف من يوم الى اخر  ويمكن ان ننقذ 900 شخص في اليوم الواحد”، وأضاف أن المنظمة أنقذت أكثر من 12 ألف مهاجر افريقي منذ سنة 2016 إلى اليوم.

“من أبشع المشاهد في البحر هي عثورنا على جثث متحللة في البحر وهم أطفال ونساء  وشباب ، غرقوا في البحر وتحللت جثثهم ونحن  لا نستطيع انتشالهم لأن الجثث متحللة ، ومن المشاهد المأساوية الأخرى هو عثورنا على عشرات الجثث الطافية فوق الماء ومنتفخة كذلك لا يمكننا انتشالها لعدم توفر الإمكانيات والتجهيزات الضرورية في المركب ، فنحن ننتشل فقط الجثث التي لم تتحلل”.

إنقاذ المهاجرين … وتقديم الإسعافات الطبية لهم

جوزيبينا برنكا” ممرضة إيطالية متطوعة في منظمة Sea-Eye” قضت حوالي 30 سنة من عمرها تقدم في الاسعافات الاولية للمهاجرين” تقول جوزيبينا قضيت عمري في مساعدة النساء في مختلف بلدان العالم  كأمريكا اللاتينية وأفريقيا، ألتقي يوميا بالنساء والفتيات أقدم لهن المساعدة والنصائح.”

وتواصل محدثتنا كلامها

“أتذكر أننا  أنقذنا في احدى الايام مهاجرين من بوركينا فاسو وبنغلادش والمغرب، كان المركب قد غرق، وجميع من عليه سقطوا في الماء،  وكان عددهم حينها 300 شخصا، وفيهم 60 امراة  والكثير من الأطفال.. جميعهم  غرقوا.. قدمنا الاسعافات للأشخاص الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة”.

وتضيف محدثتنا “مهمتي تتمثل في إنقاذ المهاجرين حيث أقدم لهم الإسعافات الأولية و التنفس الاصطناعي للأشخاص الذين فقدوا القدرة على التنفس، كما نقوم بإعادة النبض للبعض منهم، مهمتي تقتصر على انقاذ حياة الابرياء.”

 

مقابر لدفن جثث الأفارقة في تونس

تطوع عدد من المواطنين، ومن بينهم شمس الدين مرزوق ممثل عن الهلال الأحمر بمدينة جرجيس التابعة لولاية مدنين، لدفن جثث المهاجرين الأفارقة الذين لقوا حتفهم في البحر اثناء تسللهم بطرق غير شرعية من ليبيا إلى أوروبا “قمنا سنة 2017 بدفن 73 جثة في مدينة جرجيس نصفهم نساء و جثتي طفلين.. حقيقة شيء مؤسف، نحن نعثر يوميا على جثث متحللة قذفتها أمواج البحر إلى شواطئ المدينة، وتكون عادة مشوهة، ندفنها في منطقة مخصصة لذلك”.

ويشير مرزوق إلى أن الظاهرة ارتفعت في السنوات الأخيرة، ليتزايد معها عدد الضحايا والمفقودين. ومنذ 2012، تقوم منظمة الهلال الأحمر بدفن الجثث “الأفارقة يهاجرون يوميا ، وكسروا حاجز الخوف من الموت غرقا، بسبب ما يتعرضون له من معاملات سيئة سواء في بلدانها أو في ليبيا”.

 

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.