مدوناتدين وحياة

الحجاب بين القناعة والإجبار!

دين وحياة

تعد قضية الحجاب أو اللباس الشرعي كما نؤثر أن نسميه من أكثر المواضيع حساسية وتصدراً لعناوين النقاش في العصر الحديث. وقد أرقت المسلمين كثيراً، حتى حظيت من الجدل والتكرار ما لم تحظ به غيرها.

أعادة هو أم عبادة؟ وما الذي يترتب على ذلك من أحكام؟ وهل للفتاة الحق في خلعه أم تجبر عليه؟! وإيماناً منا بأهمية الموضوع، نكتب هذا المقال للوصول إلى إجابة أكثر اعتدالاً وإقناعاً عن مثل هذه الأسئلة.

ادعى بعض المفكرين في عصرنا الحالي أن لباس المسلمة عادة اجتماعية ليس لها أي جذور دينية. وهي دعوى لا قيمة لها عقلاً؛ فالإسلام قد اجتاز مرحلة النشأة والتطور إلى مرحلة أخرى هي مرحلة الثبات والاستقرار، اكتملت فيها أركانه وتحددت معالمه وتعاليمه “اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي”.

واستقر بهذا الكمال على ثوابت وأصول شكلت عموده الفقري، وأية دعوة لإسقاط ثابت من ثوابته إنما هي في أساس الدعوة لإسلام جديد، إذ ما الذي سيبقى للإسلام إن أُسْقِطَت ثوابته إلا الفروع المختلف فيها؟! ونحن نرى أن اللباس الساتر -باستثناء الوجه والكفين والقدمين- عبادة؛ باعتباره من ثوابت الإسلام التي اتفقت عليها طوائف المسلمين خلال أربعة عشر قرناً مضت، مع يقيننا التام بأنه أدنى منزلة من الأركان التي قام عليها الإسلام، وأن ليس له شكل أو لون محدد.

 

الإسلام يضمن للفتاة حرية اللباس باعتباره عبادة كما يضمن لها الحرية فيما هو أعلى من ذلك أي حرية الاعتقاد “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”، وهذه الحرية بطبيعة الحال لها سقف لا يمكن أن تتجاوزه (الأخلاق)

 

والعبادة في الإسلام علاقة خاصة بين الإنسان وربه، وهي قناعة قبل أن تكون فعلاً. أي أن العمل دون قناعة ليس بعبادة (إنما الأعمال بالنيات)، ومن هنا، اعتبر إيمان المقلد غير جائز عند الأشاعرة -إحدى فرق أهل السنة والجماعة- فكيف بإيمان المُجْبَر؟! ومَن منح آدم الحرية عندما خَلَقَه لن يسلبه إياها في تشريعاته وقوانينه. والإسلام يؤكد هذه الحرية في أكثر من مناسبة “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”.

وقد كان الأحناف أكثر الناس فهماً لهذه الحقيقة في كلامهم عن المرتد “أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”؟! وبهذا يَفقد الإجبار على العبادات معناه، فهو لن يزيد رصيد المُجْبَر من الحسنات أو يشفع له من العقاب. وبذلك تستحق الحرية أن تكون من مقاصد الإسلام العليا إلى جانب التوحيد والعدل والسلام والقيم والأخلاق كما نفهم. ولو كان اللباس بشروطه الشرعية عبادة ليس لها امتدادها الاجتماعي والأخلاقي لَحُسِمَ الأمر. إلا أنَ لِلّباس بُعداً أخلاقياً (الستر والعفة واتِقاء الفتنة) وهذا ما يُعَقد من عملية الحكم.

ويمكننا القول: أن الإسلام يضمن للفتاة حرية اللباس باعتباره عبادة كما يضمن لها الحرية فيما هو أعلى من ذلك أي حرية الاعتقاد “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”، وهذه الحرية بطبيعة الحال لها سقف لا يمكن أن تتجاوزه (الأخلاق). بمعنى آخر، لا تُجْبَر الفتاة على اللباس بشروطه الشرعية عملاً بمقصد الحرية. ولا يناقض ذلك فرض الاحتشام العام فَتُسْتَر مواضع الفتنه ويٌكْشَف الشعر وجزء من الذراعين والساقين -على سبيل المثال لا الحصر- من ناحية أخلاقية. وهكذا يُحَل الإشكال والتضارب بين مقصد الحرية ومقصد القيم والأخلاق.

ونحن نؤمن أن عدم القناعة باللباس الشرعي مشكلة ترجع في الغالب لطبيعة التصور عن الإيمان أو لفجوة ما بين البنات والآباء. والمشكلة تحتاج لحل فعال يُنهيها من الأساس طال أو قصر. وكما يشير د. جاسم المطوع (خبير اجتماعي وتربوي) بأن هناك طريقتين للعلاج، الأولى وقائية تكون في التربية السليمة والمبكرة للطفل.

والثانية علاجية تكون باحتواء المشكلة واستيعابها بالحوار الهادئ والنقاشات المعمقة والتواصل الفعال بين الآباء والبنات أو الزوج والزوجة. أما الضرب والتعنيف فلا يمكن اعتبارها حلولاً؛ لأنها ببساطة لم تنه وجود المشكلة الأساسية، نقصد بذلك القناعة والإيمان الداخلي، وهذه الطرق تهتم بالمظهر دون الجوهر، فتكون كالمُسكنات المؤقتة سرعان ما تفقد مفعولها، مما يجعلها غير ناجحة وغير فعالة على المدى البعيد على الأقل، وبذلك لا يمكن أن يقرها الإسلام.

ومَثَل الذين يهرعون إلى العنف دائما كمثل النعامة الساذجة التي تدس رأسها في التراب ظناً منها أن المأزق قد انتهى وأن الخطر قد زال، فيزيد بذلك الأمر تعقيداً وتتبخر فرص حل المشكلة، على الرغم من قناعتها التامة بفعالية الحل. ولتثق تماماً أيها الأب/الزوج أنك لن تحاسب عن ابنتك/زوجتك “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى” وما واجبك الذي قررته الآية “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ” إلا محاولات الإقناع والتربية، فالعمل دون قناعة لا يقي من العذاب كما أشرنا. وهكذا تكون قد أديت أمانتك وصنت رعيتك التي ستسأل عنها يوم القيامة (…والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته…).

أما حديث “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده…” فحديث مشروط بألا يؤدِي التغير لمفسدةٍ أعظم. وأي مفسدةٍ أعظم من تلك التي تبغض النفوس بدين الله بدلاً من تقريبها إليه؟! وهذا شأن الإجبار يصنع النفاق بدلاً من الإيمان والنفور بدلاً الإِلْفَة. كما أن التغيير ليس حِكراً على اليد كما يشير الحديث. وفي مِثل هذه الحالة يكون التغيير باللسان (النصيحة والإقناع) هو الخيار الأنسب والأكثر فعالية.

تم نشر هذا المقال على موقع مدونات الجزيرة

الوسوم

خطاب عبد خطاب

مدون من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد