سياسة

ما سر العداء التاريخي بين الرياض وطهران؟

سياسة

بناء على طلب سعودي، يُعقد الأحد المقبل اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة لتسليط الضوء على ما وصفته المملكة ” انتهاكات إيران في الدول العربية”. يأتي هذا الطلب بعد موجة من التصعيد الكلامي بين البلدين، خاصة من قبل الرياض التي وجهت اتهاما صريحا لإيران بشنها الحرب ضدها، بعد سقوط صاروخ باليستي شمال الرياض أطلقه الحوثيون.

كما اتهمت السلطات البحرينية إيران بالوقوف وراء تفجير أحد أنابيب النفط في البلاد منذ يومين وأدى إلى تعطّل تزويد السعودية للبحرين بالنفط.

هذه ليست المرة الأولى التي ترتفع فيها حدة التوتر بين البلدين إلى هذه الدرجة، فمنذ سنة تقريبا وتحديدا في جانفي / يناير 2016 احتدمت المواجهات الكلامية بين الرياض وطهران، بعد إعدام السلطات السعودية رجل الدين الشيعي السعودي نمر باقر النمر، بتهمة الإرهاب وإثارة الفتنة الطائفية، إثر احتجاجات في منطقة القطيف .

في المقابل، أطلقت طهران اسم ” نمر باقر النمر” على شارع قريب من القنصلية السعودية ، المغلقة حاليا، احتجاجا على اعدامه.

إعدام النمر، إلى جانب 46 شخصا آخرين، تسبب مرة أخرى في قطع العلاقات الديبلوماسية، مرة أخرى بين البلدين. وجاء ذلك بعد حرق مقر السفارة السعودية في طهران و مقر القنصلية في مشهد من قبل متظاهرين.

شهد تاريخ العلاقات السعودية الإيرانية الكثير من التوترات لأسباب مختلفة، رغم قدم الروابط بين البلدين التي تأسست حتى قبل قيام المملكة بتسميتها الحالية، وتحديدا سنة 1929، عندما كانت المملكة تسمى بـ مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، لتتوحد سنة 1932 تحت مسمى المملكة العربية السعودية.

ففي 1929، وقعت كل من إيران و السعودية معاهدة صداقة وتم تبادل السفراء، وافتتحت سنة 1930 أول سفارة إيرانية في جدة.

ولكن في كل مرة تتوتر العلاقات بين البلدين و يتطور الأمر إلى ما يشبه العداء ، و تمثل التواريخ التالية مراحل مفصلية في علاقات البلدين :

 

1943

أعدمت السلطات السعودية أحد الحجاج الإيرانيين، بتهمة إلقاء القاذورات على الحرم المكي فيما قالت السلطات الإيرانية آنذاك أن الحاج قد أصيب بدوار بسبب الطواف ولم يكن يقصد الإساءة. وقد تسببت هذه الحادثة في قطع العلاقات بين البلدين و التي لم تعد سوى سنة 1946.

1950

السبب في قطاع العلاقات تلك المرة كان اعتراف نظام الشاه محمد رضا بهلوي بإسرائيل. رغم أن الاعتراف لم يمر بالطرق الدبلوماسية المعهودة بل كان بمثابة الصفقة بين رئيس الحكومة الإيرانية رئيس الوزراء محمد سعيد وبين تاجر يهودي أمريكي كان يعمل في إيران، وبلغت قيمة الصفقة 500 ألف دولار، حيث استغل رئيس الحكومة آنذاك حالة التأزم الاجتماعي والاقتصادي للبلاد مع غياب الرقابة البرلمانية، وأسست بعثة دبلوماسية إيرانية في تل أبيب في مارس 1949 ومنحت إسرائيل اعترافًا بحكم الأمر الواقع بعد عام.

1955

عادت العلاقات بين الرياض وطهران سنة 1955 بزيارة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود، الى طهران. لكن سرعان ما تعكرت الأمور اثر تصريح للشاه الإيراني لصحيفة أمريكية بأن الملك سعود كان يعامل أحد حراسه ومرافقيه كالعبيد، مما اعتبرها الملك سعود إهانة له و قرر منع أي إيراني وبحريني من أصول إيرانية من دخول السعودية.

ولم تنته هذه القطيعة إلا بعد سنتين  بزيارة لمحمد رضا بهلوي إلى المملكة وتحديدا مكة و المدينة. وجاء هذا التقارب بعد ثورة الضباط الأحرار وصعود جمال عبد الناصر إلى الحكم في مصر،  وهو ما اعتبره النظامين السعودي و الإيراني تهديدا لحكمها الملكي.

وفي 1962، دعمت طهران الرياض في مواجهة القصف المصري لجنوب البلاد و في حربها على اليمن، حتى اعتُبر انسحاب مصر من شمال اليمن سنة 1967 انتصارا للسعودية و إيران.

1968

السبب هذه المرة هي البحرين، حيث أعلنت بريطانيا انسحابها من الإمارات الخليجية التي كانت تحت ما يعرف بـ الانتداب البريطاني، ومن بين هذه الامارات البحرين. طالبت إيران حينها بضم البحرين لأراضيها لكن السعودية في عهد الملك فيصل دعمت استقلال البحرين حتى تحقق في 1971 بعد استفتاء شعبي بحريني أجرته الأمم المتحدة في 1970.

1979

في هذا التاريخ قامت الثورة الإسلامية الإيرانية ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، لكن السلطات السعودية وعلى لسان الملك فهد ولي العهد حينها بأن المملكة تقف إلى جانب الشرعية في إشارة إلى الشاه.

وقد امتدت ارتدادات الثورة الإيرانية إلى داخل السعودية من خلال أحداث ” انتفاضة محرم” في المنطقة الشرقية التي شهدت مواجهات بين الشيعة و الأمن السعودي، واستقبلت طهران عددا من القيادات الشيعية السعودية الفارين من البلاد بعد ذلك.

1980  

دعمت السلطات السعودية العراق في حربها ضد إيران، التي استمرت 8 سنوات. وقد شهدت هذه الفترة الكثير من التوترات بين السعودية و إيران من أهمها قيام  القوات الجوية الإيرانية عن طريق 4 طائرات من نوع إف 4 باختراق المجال الجوي السعودي، إضافة إلى اشتباك شرطة مكافحة الشغب السعودية مع الحجاج الإيرانيين في مكة المكرمة، وقتل نحو 400 شخص، معظمهم من الشيعة الإيرانيين سنة 1987 (275 حاجا ايرانيا).

وأدى ذلك إلى مهاجمة المتظاهرين الإيرانيين السفارات السعودية والكويتية، ومقتل دبلوماسي سعودي.

وانقطعت العلاقات بين البلدين لأربع سنوات، لتعود في بداية التسعينات. ووفق مراقبين فإن فترة التسعينات و بداية الالفية كانت تعرف بالعصر الذهبي بين الرياض وطهران خاصة مع وصول هاشمي رفسنجاني و محمد خاتمي اللذين زار السعودية في عام 1997 في أرفع زيارة لمسؤول إيراني للسعودية منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية.

كما تم توقيع  اتفاقية أمنية بين إيران و السعودية في 2001 و زار وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبدالعزيز إيران في أرفع زيارة لمسؤول سعودي إيران بعد عقود من القطيعة.

2005

هذه القطيعة انطلقت بوادرها قبل سنتين، وتحديدا بعد الغزو الأمريكي للعراق و سقوط نظام صدام حسين، الذي مثل فرصة للأحزاب السياسية الشيعية من الظهور والتوسع، بعد فترة القمع في عهد صدام، مما أدى إلى سيطرة هذه الأحزاب ” الموالية لإيران، وبالتالي توسع النفوذ الإيراني في المنطقة. و ازداد القلق السعودي بعد صعود المحافظ  أحمدي نجاد إلى سدة الحكم في إيران وانطلاق البلاد في تطوير برنامجها النووي.

2011

في 11 أكتوبر 2011، وجهت المحكمة الاتحادية في الولايات المتحدة الأمريكية تهمة للإيرانيين بمحاولة اغتيال السفير السعودي عادل الجبير، فيما نفى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد العملية ووصفها “بالفبركة”. أما محمد خزاعي سفير إيران في الأمم المتحدة فصرح بأنه “صدم لسماع مثل هذه الكذبة الكبيرة.”

سنة 2011 شهدت ايضا توترات بين المملكة وإيران بسبب الربيع العربي وتحديدا الاحتجاجات في البحرين، إذ وجهت اصابع الاتهام الى طهران بمحاولة زعزعة الاستقرار في المنامة.

وفي نفس السنة، اختلف البلدان بخصوص ” الثورة السورية” آنذاك و التي تحولت بعد ذلك إلى حرب أهلية حيث وقفت غيران بكامل ثقلها العسكري إلى جانب نظام بشار الأسد مقابل دعم الدول الخليجية للمعارضة قبل أن تحيد الثورة عن مسارها لتتحول إلى حرب معقّدة لا زالت متواصلة إلى الآن.

2015

سجلت هذه السنة احتدام النزاع السعودي الإيراني على عدة مستويات. البداية كانت بإعلان التحالف العربي بقيادة السعودية الحرب في اليمن ضد الحوثيين، و إلى الآن لا تزال الخلافات بين البلدين بخصوص هذا الملف متواصلة، إذ توجه الرياض اتهاما صريحا إلى طهران بتسليح الجماعات الحوثية لتقويض أمن المملكة، وهو ما تنفيه طهران.

سنة 2015 شهدت اضطرابات تتعلق أساسا بموسمي الحج والعمرة، خاصة حادثة سقوط رافعة في الحرم المكي التي أودت بحياة 11 إيرانيا و حادثة التدافع في منى التي تسببت في مقتل 465 حاجا من إيران. مما دفع السلطات الإيرانية إلى إلغاء الحج لموسم 2016.

2017

مثل الملف النووي الإيراني، إلى جانب ما تعتبره السعودية ، تدخلا إيرانيا في المنطقة في اشارة الى اليمن والعراق و سوريا، أحد أهم أوجه الخلاف، إذ عّبرت السعودية و حلفائها و هي الإمارات والبحرين عن دعمها لموقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراجعة الاتفاق النووي الإيراني.

كما ترغب السعودية في القضاء على حزب الله في لبنان، المدعوم من إيران ، و إخماد نفوذه في المنطقة. و لو أن المعطيات تشير إلى عدم الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة بين الرياض و حزب الله، لكنها تعوّل على إسرائيل لخوض هذه الحرب، حسب ما صرّح به مؤخرا زعيم حزب الله حسن نصر الله.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد