دين وحياة

رفيدة الحبش: سيرة داعية متميزة

دين وحياة

 

أهلتها نتائجها العلمية لدراسة الصيدلة، ولكنها اختارت الهندسة التي شغفت بها منذ طفولتها. لكن تشاء الأقدار أن  تتوجه إلى جامعة الدراسات الإسلامية، لتصبح داعية إسلامية في بيئة حماة السورية، التي عرفت بالتشدد والمحافظة آنذاك.

كانت أول امرأة تقود السيارة، رغم الرفض الشديد من مجتمع رجولي يحرم ويحلل وفقا أهوائه.. تعرضت للمطاردات والاعتقالات الأمنية والانتقادات اللاذعة من المتشددين، بتهمة إفساد النساء.

أولادها الثلاثة، نسجوا على منوالها، ليكونوا متفوقين في العلوم الهندسية والعلوم الشرعية، وكانت ابنتها سيرين حمشو، خير مثال على ذلك.

 

فتاة تنشأ في بيت دعوي

رفيدة واخوتها العشرة

ولدت الدكتورة رفيدة الحبش في دمشق، في 25 كانون الأول 1957 و نشأت في أسرة متدينة، كان والدها شيخا عالما متدينا وداعيا لله وقد اتصفت والدتها بالحكمة وكانت مؤمنة بالعلم وتشجع عليه.

كانت خامس اخوتها، العشرة، الذين تربوا وترعرعوا جميعا، في أسرة متماسكة، و ملتزمة ومحافظة على الدين والعبادة. فقد كان والدهم بعد كل صلاة صبح ومغرب، يعلمهم الأذكار والتسابيح وحتى عند كبرهم، لم يتوقف الوالد على تربية أولاده على المحافظة على صلاة الفجر، فكان  يوقظهم الواحد تلو الآخر وهو يتلو سورة ياسين و ينتظرهم واحدا واحدا لإتمام وضوءهم استعدادا للصلاة، حتى لا تفوتهم أجرها.

 

التميز العلمي والمعرفي والجرأة

رفيدة حبش

إلى جانب محافظتها على إقامة الصلوات والتسابيح، كانت رفيدة، تلميذة متميزة، منذ المرحلة الابتدائية، وقد أتمت تعليمها الثانوي، في المدرسة الثانوية بدمشق زكي الأرسوزي.

عرفت بجرأتها بين زميلاتها، حيث بادرت إلى تنظيم مظاهرة طلابية، أمام مديرية التربية،  لطرد المعلمة، “الآنسة”، وحين لم يسمع لهذه حركة الصغيرة صوتا، أقدمت رفيدة، التي كانت حينذاك، في مرحلة البكالوريا، إلى كتابة رسالة موجهة لمدير التربية، قدمت فيها شكوى عن وضعيات الطالبات وسوء الدروس التي تقدمها الآنسة وفعلا كان لهذه الرسالة صدى، حيث تم تغييرها بعد عملية مراقبة فجائية.

الزواج والتوجه للدراسات الإسلامية

حين تزوجت رفيدة، أجبرت على الانتقال إلى مدينة حماه، التي تبعد عن الشام حوالي200 كم، وبما أنه، لا يوجد كليات هندسة في منطقة سكناها الجديدة بحماة، قررت أن تتجه لدراسة مجال جديد، فما كان منها الا ان تخلت عن حلم الهندسة وتوجهت لمجال جديد هو “مجال الشريعة والدراسات الإسلامية” وقامت بإعادة الباكالوريا، لتحصل على باكالوريا آداب، مكنتها من الدخول إلى طريق اختاره لها المولى عز وجل، كما عبرت عن ذلك.

التشبيه بمصعب بن عمير

لم تكن رفيدة مقتنعة بفكرة انتقالها إلى مدينة حماة، بعد زواجها من المهندس عمر حمشو، وقد وجدت حرجا في ذلك، غير أن تشبيهها من أحد أساتذتها في المجال الديني والفقهي بالصحابي الجليل مصعب بن عمير، من خلال تكليفها بالدعوة، دفعها للانطلاق نحو عالمها الجديد، عالم الدعوة الإسلامية، ” انت حتطلعي على حماه مهاجرة، تشتغلي بالدعوة، مثل ما مصعب بن عمير بعثه النبي صلى الله عليه وسلم من مكة على المدينة.”

التفوق في المجال علوم الشريعة الإسلامية

تحصلت رفيدة حبش على  شهادة الإجازة من كلية الشريعة في جامعة دمشق سنة 1984، لتنال عام 1989، الإجازة من جامعة الدعوة في مجمع أبي النور الإسلامي.

سنة 1992،  حصدت درجة الماجستير من جامعة  كراتشي الباكستانية، لتواصل نجاحها في مجال رفعة الدين الإسلامي، حيث نالت، سنة 2001،  الدكتوراه في الدعوة والإعلام من جامعة القراّن الكريم  في أم درمان السودانية.

أول امرأة تقود السيارة في حماة

الدكتورة رفيدة، أول امرأة تقود السيارة في حماة

كانت بيئة حماة السورية، بيئة مغلقة وتتميز بالتشدد وإقصاء المرأة و تغييبها وتمنعها من الخروج سافرة الوجه أو قيادة السيارة.

آنذاك كانت رفيدة متحصلة على رخصة القيادة من فرنسا، حيث أقامت في بداية زواجها، وقد وجدت حرجا كبيرا في قيادتها في مدينة حماة السورية، وتعرضت للاستهجان والانتقادات.

و رغم الرفض الشديد، فقد عدت الدكتورة رفيدة أول امرأة تقود السيارة في مدينة حماة.

 

دعوة من البيت، مقابل مضايقات الأمنيين والمتشددين

انطلقت الدكتورة رفيدة، في مجال الحقل الدعوي، حيث كانت تجتمع مع فتيات في بيتها أو في بيوت أحد الأصدقاء، لتحفظهن القرآن الكريم و تعلمهن الحديث الشريف والسيرة النبوية. مما عرضها للمضايقات والملاحقات الأمنية، من ناحية والاتهامات اللاذعة من بعض المتشددين، الذين اتهموها بإفساد المرأة وتشجيعها على التمرد على زوجها وبيتها وأسرتها.

 

أول معهد لتحفيظ القراّن الكريم للإناث

رغم المضايقات الشديدة والانتقادات اللاذعة، تمكنت الدكتورة رفيدة، من مواصلة مجالها الدعوي، فبادرت سنة 1992، إلى تأسيس أول معهد لتحفيظ القراّن الكريم للإناث في مدينة حماه، أين يدرس القرآن الكريم وسيرة رسول الله وأحكام الفقه وأصول التربية الأخلاقية الإسلامية وبعض الأحاديث وفنون الدعوة إلى الله تعالى.

 

وقد كانت هذه المبادرة، بداية المشعل، لتأسيس معاهد أخرى على منوال هذا المعهد، الى أن وصلت إلى قرابة 20 معهدا.

 

الاهتمام بالمرأة المسلمة من خلال شاشة قناة اقرأ

في كل موسم، تطل الدكتورة الداعية رفيدة الحبش، عبر باقة من البرامج الهادفة، في قناة اقرأ الفضائية، لتوعية النساء المسلمات وتنوير عقولهن وتصحيح مفاهيم اجتماعية سائدة في المجتمع العربي، تحدثت عنها الداعية، كما يلي”أهم تلك المفاهيم خضوع المرأة للرجل، خروج المرأة من بيتها، سفر المرأة بلا محرم، لباس المرأة، عمل المرأة داخل البيت وخارجه، وأهم من كل ذلك أن تتكلم المرأة في أمور الدين.. وتصبح مرجعا للفقه والعلم.”

 

علاوة على اهتمامها بالأسرة العربية المسلمة، وقضاياها كتأخر الزواج وعدم التكافؤ بين الأزواج والملل الزوجي والخيانة وغيرها من التحديات التي تواجه أسرا اسلامية.

“أيام مع الحبيب”، إبراز دور المرأة في الدعوة

هو برنامج هادف، يذاع يوميا على قناة اقرأ الفضائية، يطرح مسألة السيرة النبوية العطرة، لكن هذه المرة، عبر تسليط الضوء على دور المرأة، التي كانت سباقة إلى الإيمان وفي كثير من مواقف الخير تسبق الرجال، باعتبار أن أول من أسلم امرأة و أول من تعلم امرأة وأول من صلى امرأة وأول من أنفق ماله في سبيل نشر الدعوة امرأة، وأول من استشهد امرأة.

 

ومن خلال برنامجها، تهدف الدكتورة رفيدة الى أن تتعلم المرأة المسلمة المعاصرة، من الصحابيات الجليلات اللواتي صاحبن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، من أول يوم في الدعوة الى آخر أيام حياته، ماهية الإيمان الحقيقي والقدرة على التحمل  في سبيل دينها، فضلا على كيفية الدعوة إلى المولى عز وجل ومعرفة حقوقها التي بينها لها الرسول صلى الله عليه وسلم و واجباتها تجاه دينها ومجتمعها وأسرتها وزوجها وأولادها.

غرس حب الدعوة في ابنتها سيرين حمشو

مع ابنتها سيرين حمشو

عملت الدكتورة رفيدة على تنشئة أولادها الثلاثة، غياث وبراء وسيرين، تنشئة دينية، فربتهم اضافة الى التميز العلمي والتفوق، على حب الله والمحافظة على العبادات.

 

وقد غرست، حب الدعوة في ابنتها سيرين حمشو، التي تميزت في مجال الهندسة واستطاعت أن تحقق نجاحا باهرا في الاختراع العلمي والكميائي، كما أصبحت بدورها داعية شابة، حيث تذكر سيرين حمشو أن والدتها، لم تشترط على زوجها، المال أو القرب في السكن، ولكن أن تصير “داعية باللغة الانجليزية” حيث تقيم في أمريكا.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد