مجتمعالرئيسي

خوصصة التعليم والصحة بالمغرب باب للتمييز واللامساواة

مجتمع

يعتبر التعليم المدرسي الخصوصي امتدادا للتعليم الحر الذي ظهر بالمغرب إبان فترة الحماية، اقتداء بالتعليم العصري المنظم من طرف السلطات الاستعمارية والمخصص للأجانب. 

وابتداء من ثلاثينيات القرن الماضي، عرف التعليم الحر تطورا نوعيا وانتشارا واسعا انتقل معه عدد المؤسسات من 23 مؤسسة سنة 1933 إلى 105 مؤسسة سنة 1955. ما تم تحت إشراف الحركة الوطنية.

وعرفت فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ميلاد أنواع جديدة من المؤسسات التعليمية الخصوصية ذات طابع تجاري، في ظل تساهل كبير من قبل الإدارة.

ومع بداية الثمانينات، عرف التعليم المدرسي الخصوصي ظهور مؤسسات التعليم الأولى ورياض الأطفال بشكلها العصري، حيث ازداد الإقبال عليها، نتيجة تغير نمط الأسرة المغربية وخروج المرأة إلى سوق الشغل.

الانطلاقة الحقيقية لقطاع التعليم المدرسي الخصوصي كانت أساسا مع سلك التعليم الابتدائي، وعلى الخصوص بعد انتباه أصحاب المؤسسات التعليمية الخصوصية لأهمية الرهان على اللغات الأجنبية. 

تتعالى في كل مرة الأصوات بالمغرب منددة بالمساس بما تبقى من مجانية قطاعي الصحة والتعليم، على الرغم من تصريحات المسؤوليين المتتالية بأن إلغاء المجانية والتوجه نحو الخوصصة الكلية  مستبعد وضرب من خيال.

ويعرف الحديث عن الموضوع حساسية مفرطة وسط الأوساط المجتمعية كلما تعلق الأمر بتوصية حول تنويع مصادر التمويل، أو إجراء قانوني يفسح  المجال أكثر أمام القطاع الخاص للاستثمار.

وحسب مراقبين، يظل قطاع التعليم والصحة بالمغرب من بين القطاعات التي تُظهر تخبط الحكومات المتتالية رغم المخططات والبرامج الإصلاحية التي تعاقبت على المنظومة التربوية.

ومع تأكيد جميع المعنيين على أهمية دور الدولة في المجالات الاجتماعية لحماية الطبقات الهشة وتوفير الخدمات الأساسية، واعتبار هذا من صلب التزاماتها تجاه المواطن، يلاحظ تنامي الاستثمار الخاص وانتشاره خصوصا بالمدن الكبرى.

التنامي المتواصل للقطاع الخصوصي وانكماش القطاع العام يستدعي  نقاش الأثر والمآل، ويطرح تحدي ديموقراطية الولوج للخدمات الأساسية، ويجدد السؤال “الصحة والتعليم  بالمغرب إلى أين؟”

 

خوصصة خدمات اجتماعية .. مصدر قلق متواصل

اعتبر الخبير الاقتصادي عبد النبي أبو العرب أن  موضوع خوصصة التعليم والصحة موضوع حساس اجتماعيا. وقال في حديث مع مجلة ميم، إن هذه الإشكالية تطرح مجموعة من التحديات وشكلت  دائما مصدر قلق لمجموعة من الفئات الشعبية ومجموعة من الملاحظين والمهتمين بالقطاعين على خلفية الدفاع عن القطاع العمومي كقطاع يستوجب الاهتمام ويستوجب الحماية خاصة في الصحة والتعليم .

وشدد الخبير أن الصحة والتعليم لا يمكن أن يكونا مجالين للربح المتوحش والجري وراء المال.

عبد النبي أبو العرب

ونبه أبو العرب  إلى كون القطاعين  يستفيدان من مجهودات جبارة من طرف الدولة، وأن قطاع التعليم يبتلع أكبر ميزانية والتي تقترب من حوالي 60 مليار درهم، وقطاع الصحة يحصل على ميزانية تفوق 13  مليار درهم، لكن النتائج المتحصل عليها نتائج هزيلة جدا.

وتأسف أبو العرب لوجود إجماع حول انهيار منظومة التعليم العمومي، وكون مختلف المؤشرات سلبية سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية المتوفرة أو بالنتائج المتحصل عليها من طرف التلاميذ والطلبة وقدرتهم على التحصيل العلمي خاصة في سلم المقارنات الدولية، والتي يحصل فيها المغرب على مواقع متدنية. وأشار إلى أن قطاع الصحة بالمثل يعرف إشكالات معقدة جدا.

وشدد السيد عبد النبي أبو العرب على كون الاستثمار الخصوصي في المجالين لا يمكن أن ينجح ويطور المؤشرات في غياب الرقابة العمومية وخارج الهيكلة القانونية والصرامة المطلوبة. معتبرا أن الصحة والتعليم مجالات حساسة ومرتبطة بالجانب الاجتماعي للمواطنين ولا يمكن السماح فيها بأي عبث.

التعليم  الخصوصي يتغذى من فشل التعليم العمومي

وتعليقا على تنامي القطاع الخاص في مجال التعليم، أوضح الخبير في التربية والتكوين عبد الرحمان لحلو، في تصريح لمجلة ميم، أن المغرب يشهد تناميا متباينا للمدارس الخصوصية (روض، أساسي، مهني، جامعي)مشيرا أن القطاع المدرسي الخصوصي يشهد دينامية خاصة في العشر سنوات الأخيرة.

ويرى الخبير أن  التنامي يرجع إلى وعي الحكومات بعدم قدرتها على تغطية حاجيات التعليم. واعتبر عبد الرحمان لحلو أن القطاع الخصوصي يتغذى من فشل القطاع العمومي. وقال “هذا واقع، لا أحد ينشرح لتردي المؤسسات العمومية، لكن للأسف الهيكلة التدبيرية للمدرسة العمومية فاشلة”.

عبد الرحمان لحلو

وعن الآثار الاجتماعية لانكماش التعليم العمومي، قال لحلو “الآثار سيئة، وأصحاب الدخل المحدود لا يستطعون الولوج للتعليم الخصوصي، ما يزيد من الفوارق الاجتماعية في غياب دعم موجه للأسر”.

وأضاف لحلو أن نسبة التعليم الخصوصي بلغت 15 بالمائة من مجموع المتمدرسين، و40  بالمائة بالمدن الكبرى. وأضاف أن الدخول المدرسي للموسم الحالي عرف تسجيل 50   بالمائة من التلاميذ الجدد في إطار المؤسسات الخاصة.

ويرى لحلو أن التعليم الخصوصي، نسبيا، يقدم جودة أعلى. ونادى بضرورة تشجيع القطاع الخاص مع مراقبته.

و يعد التعليم المدرسي الخصوصي جزءا لا يتجزأ من النظام التعليمي المغربي، يخضع مبدئيا، لنفس البنيات التربوية المعمول بها في التعليم العمومي. وتقدم المدارس الخاصة نفسها بديلا عن الحكومية التي توجد في وضع متدهور، ويقبل على الأولى شرائح واسعة من الأسر التي نقلت أبناءها إليها أملا في مستقبل تعليمي أفضل لهم.

ويعتبر قطاع التعليم الخصوصي شريكا أساسيا وطرفا رئيسيا، إلى جانب الدولة، من أجل النهوض بمنظومة التربية والتكوين، وهو الموقع الذي بوأه إياه الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

 

الاتجاه نحو خوصصة الخدمات الصحية ضرب لحق دستوري

منذ 2010، أعدت وزارة الصحة مشروع قانون يهدف إلى تحرير قطاع الصحة وفتحه، ليس فقط في وجه الأطباء، وإنما أيضًا أمام التجار وأصحاب الأموال وجعله منفتحا على المضاربة، وهي الخطوة التي رفضت من جميع النقابات المهنية لقطاع الصحة، واعتبرته ضربا مباشرا لحق المريض في الصحة.

ويشكل  القطاع الصحي أهمية بالغة لحساسية و قداسة ما يقدمه من خدمة تعكس أدوارا اجتماعية كبرى ومسؤولية تنموية

سعد الدين العمراني

جسيمة، ففي هذا الإطار ظهرت معطيات تؤكد تراجع دور المستشفيات العمومية ونجاعة السياسة الاستشفائية، وتنامت في نفس السياق ظاهرة استثمارية تهم الميدان الصحي من خلال المصحات الخاصة، تتخذ غالبا شكل شركات تجارية تمارس مهام تقديم الخدمات الصحية لفائدة زبائنها وفق شروط إذعانية لا تقبل المساومة مقابل العناية الطبية.

 

في هذا السياق يؤكد الدكتور سعد الدين العمراني  (طبيب) أن الصحة  حق يكفله الدستور وجميع المواثيق الدولية، والإقدام على مشروع فتح الاستثمار للرأسمال سيجعل من صحة المواطن وآلامه سلعة تباع وتشترى كما سيعرض أخلاقيات مهنة الطب إلى الضياع.

وتساءل العمراني في حديث مع مجلة ميم قائلا “ما الذي يدفع المستثمرين إلى ضخ أموالهم في قطاع الصحة سوى الربح؟” وأضاف  أن الأمر يزيد من تفاقم بعض الممارسات التي تثقل كاهل المريض، كأن يطلب من مريض مثلا إجراء تحليلات مخبرية لا فائدة منها وهو بحاجة إلى تحليلات محددة. ويشير العمراني إلى وجود قانون أخلاقيات المهنة الذي يحكمه “le code de déontologie”. أما عندما يصبح القرار عند “الرأسمال”، فسيكون مضطرا لتشغيل جميع الأجهزة بسبب أو بدون سبب، وقال العمراني أن مثل هذه الممارسات موجودة في بعض ما يسمى الآن مستشفيات جامعية شبه خاصة.

 

المطلوب توسيع التغطية الصحية

من جانبه، يرى عبد الرحيم الشعيبي، خبير وفاعل مهني في مجال الصحة العمومية، أنه بعد المصادقة على القانون الذي

عبد الرحيم الشعيبي

يسمح بفتح رأسمال المصحات الخاصة للممستثمرين من غير الأطباء، كان هناك تخوف من طرف العديد من الهيئات النقابية والجمعوية التي انتقدت الخطوة. ويؤكد عبد الرحيم الشعيبي أن هذا الإجراء لا يمكن أن يعد خوصصة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، على اعتبار أن الخوصصة تعني أن يتم استبدال  القطاع العام  بالقطاع الخاص بصفة نهائية  ومطلقة. في حين أن الموجود حاليا بالمغرب هو القطاعان معا، بحيث يبقى للمريض أن يختار ما يناسبه حسب ظروفه المادية والصحية وحسب استفادته من التغطية الصحية من عدمها.

ويقترح الشعيبي لتخفيف مظاهر التقاطب بين القطاعين توسيع التغطية الصحية لتشمل كل المواطنين حتى يمكن لأي مريض أن يختار العلاج في أي  قطاع شاء دون أن يكون دخله محددا رئيسيا  في اختياره.

ويشدد الخبير المهني في قطاع الصحة أن من مسؤولية الدولة أن لا تدع   المواطن عرضة للمضاربة أو الابتزاز من طرف القطاع الخاص، وذلك عن طريق تقنين الأثمنة، والتفاوض مع القطاع الخاص من أجل فرض أثمنة معقولة بالنسبة للخدمات والأدوية. وأوضح أن هذا ما يفترض أن تقوم به الوكالة الوطنية للتأمين الصحي.

 احتجاج يتجدد

اعتبرت هيئات مدنية وحقوقية اعتماد المغرب لنظام التعاقد مع المدرسين والأطباء خطوة جديدة في اتجاه مزيد الخوصصة للقطاعين، وشهدت سنة 2016

احتجاجات متواصلة سميت بـ “احتجاجات الوزرة البيضاء”.

 

ولازالت الاحتجاجات المرتبطة بقطاع الصحة متواصلة، حيث يعرف القطاع غليانا يرتبط بالتدبير والتوظيف والتعاقد.

 

ويخوض المهنيون بقطاع الصحة إضرابات واحتجاجات تباعا، ممرضون وأطباء عموميون، حتى المصحات الخاصة شهدت إضرابات في الآونة الأخيرة.

وفيما يخص قطاع التعليم، كانت أكثر من 40 هيئة سياسية وحقوقية ونقابية بالمغرب، قد أعلنت في وقت سابق رفضها لخوصصة التعليم العمومي.

 

 

وكانت  جمعيات مغربية قد دقت ناقوس الخطر إثر إغلاق 191 مؤسسة تعليمية عمومية بالمغرب مابين 2008 و 2013، وهو ما اعتبر تطورا غير متحكم به فيما يخص التعليم الخصوصي، ما أدى إلى توسيع مظاهر الاختلال في ضمان حق الأطفال المغاربة في التمدرس.

وقالت الجمعيات المغربية إن عدد التلاميذ المسجلين بالقطاع العمومي انخفض بشكل واضح عام 2014 مقارنة مع العام 2000، وإن نسبة التعليم الخصوصي تصل بمنطقة القنيطرة – الدار البيضاء إلى مابين 35 بالمائة إلى 50  بالمائة”.

 

تحذير أممي

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت المغرب من تنامي القطاع الخاص، مؤكدة أن الخوصصة المتزايدة ودفع واجبات التمدرس لتُحقق المؤسسات التعليمية غير الحكومية مكاسب مالية، يؤدي إلى التمييز وعدم المساواة في تعليم الأطفال المحرومين، من خلال خلق “نظام تفاضلي” بين التلاميذ الذين تتوفر لديهم الوسائل المادية للدراسة وبين من لا يملكونها.

اتفاقية حقوق الطفل – الملاحظات الختامية بشأن التقرير الجامع للتقريرين الدوريين الثالث والرابع للمغرب

وقالت الأمم المتحدة إن التنامي المتزايد للتعليم الخصوصي “سيجعلنا أمام نظامين تعليميين يسيران بسرعتين مختلفتين، خاصة أنَّ الأبحاث أظهرت أنَّ “نظام المساعدات” الذي يهدف إلى تزويد الآباء المحرومين اقتصاديًا بالوسائل الضرورية لاختيار مدرسة خاصة، يكرِّس واقع التمايز الاجتماعي”.

الوسوم

مريم التايدي

كاتبة صحفية من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.