ثقافة

الإمام النفزاوي: حين يكتب إمام عن فنون الجنس

قراءة في كتابه "الروض العاطر في نزهة الخاطر" 

This post has already been read 353 times!

لو حدثتك عن إمام يكتب عن الجنس، لذهب في ذهنك أنه إما من المشايخة المهووسين بالجنس الذين يطلقون العنان لتخيلاتهم الجنسية فيطنبون الحديث عن الحور العين قاصرات الطرف ممن لم يطمثهن انس ولا جان،  أو أنه يدرجه ضمن خانة الرذائل والموبقات..

لكن  ليست هذه حال إمامنا التونسي الشيخ محمد النفزاوي، كما سنبين من خلال القاء الضوء على مؤلفه الذي يحمل عنوان “الروض العاطر في نزهة الخاطر” وأهم خصائص خطابه الجنساني.

وقد ترجم الكتاب إلى عدة لغات أوروبية وهو معروف باللغة الإنكليزية  بthe perfumed garden.  وسنستعرض في هذا المقال  أهم مميزات الكتاب و إختلافه عن الكتب الأخرى التي تناولت المواضيع الجنسانية،  مقتطيفين مقاربات في ذلك من عدة دراسات أهمها دراسة  الباحث عبد الرزاق القلسي عن مؤمنون بلا حدود، كما سنطرح في ذيل المقالة نظرة المستشرقين لهذا النوع من المؤلفات الإسلامية.

قصة الكتاب 

هو كتاب تعليمي جنسي من تأليف أبي عبد الله محمد بن محمد النفزاوي  ألفه بين عامي 1410 و 1434، بناء على طلب من السلطان عبد العزيز الحفصي، سلطان تونس آنذاك،  بغية إثراء كتاب صغير بعنوان “تنوير الوقاع في أسرارالجماع “ للكاتب نفسه.

لذا، يخاطب الكتاب السلطان، ليس لضعف مؤلفه بل لأن السلطان هو من طلب كتابته، وذلك جلي اذ يفتتح كل باب بعبارة “إعلم يرحمك الله“. 

ويتناول المضمون أوضاع الجماع و الصفات المحمودة في النساء و الرجال في الجانب الجنسي و النفسي، وأفضل الطرق لبلوغ أعلى مراتب اللذة الجنسية و التمتع بحياة صحية جيدة.

و بعد ثلاثة أيام اجتمع بي وأخرج لي الكتاب المذكور وقال لي: هذا تأليفك؟ فخجلت منه، فقال: لا تخجل، فإن جميع ما قلته حق ولا مروغ لأ حد عما قلته.. لست أول مـن
ألف في هذا العلم، وهو واالله مما يحتاج إلى معرفته ولا يجهله ويهزأ به إلا جاهل أحمق قليل الدرايـة

يستهل هذا الكتاب بحمد الله على الأعضاء التناسلية التي خلقها الله، وجعل الرجال يستمتعون بها في أماكن فنتة النساء. ثم يحمده على المتعة التي يقدمها الرجال للنساء.

وبفضل بلاغة الشيخ و شاعريته لا تعوزه الكلمة أو تخونه العبارة للابلاغ، خاصة وأن الأدب  العربي زاخر بالإشارات واللمحات واللطائف والإستعارات والتشابيه للاحالة الى العملية الجنسية بتفاصيلها.

و بالإعتماد على الأحاديث النبوية والقصص الطريفة يعتمد المؤلف التلميح حينا والتصريحا حينا آخر في حديث  جنساني دقيق و مكشوف يندرج ضمن  ما يعرف ب”علم الباه”، أي علم الجنس. 

نجد أنفسنا أمام نص لا يحمل أي نوع من التابوهات، ويحيل الى الأعضاء الذكورية و الأنثوية بكل أريحية و حياد، فالحديث عن الشهوة وعن الجنس والجنسانيَّة في تقدير إمامنا لا يتنافى مع الإسلام، طالما أن الجنسانية تمارس في سياقها المشروع وإطارها المقنن.

هذا الكتاب ليس ماركيز دي ساد العرب أو محاكاة للكامسوترا الهندية 

فَي الدراسة التي تعرضنا إليها لعبد الرزاق القلصي تختلف نظرة الشيخ النفزاوي  عن نظرة الماركيز دو ساد في  كتبه وخاصة ّ كتاب “فلسفة غرفة النوم” وبصورة أخص كتابه “120 يوم في سدوم”،  وهو   إحياء لتقاليد الفعل الجنسي المنفلت من أيَّة رقابة، و المتمرد على  المحظورات من أجل كينونة ليبيدويَّة خالصة لم يقبل بها حتى المجتمع الغربي.

المرأة في كتاب “الروض العاطر” لاتمت بصلة للغرائبية الآسيوية و لست حورية من الحور العين، والرجل ليس كائنا خارقا بجسد عظيم خرافي، فالجنسانيَّة لدى الشيخ النفزاوي طاقة طبيعيَّة وفطريَّة لا تتخذ صور أخرويَّة  ولا تتحرك ضمن قوى ليبيدويَّة متخيَّلة، والأفعال تندرج ضمن دائرة المقدور عليه الممارس بشوق طبيعي إنساني.

لا ينظر  للمرأة في الكتاب  كطرف سلبي وإنما بوصفها فاعلا تمنح وتعطي وتحدد مبدأ الإنتصاب من عدمه بما أوتيت من فنون الإغراء والجاذبيَّة.

فالمرأة في المتخيل الجنسي لدى النفزاوي ذات حضور محوري في العمليَّة الجنسيَّة وهي التي يحق لها أن تطلب اللذة والمتعة لذاتها وليس لإرتباطها بالإنجاب والأمومة و هذه نقطة رئيسية في خطاب الإمام فالجنس هنا يطلب للجنس و ليس لمبدأ التكاثر.

مساواة الرجل بالمرأة في العملية الجنسية 

يشير عبد الرزاق القلصي أن  الجنس في مفهوم الإمام  وفي نظريته ثنائي، مثلما أن اللذة مشتركة في خطابه. يؤكد النفزاوي على ضرورة تعقب الواحد لذة الثاني، ويتكلم عن لذة الأفعال التي تفيد المشاركة على وزن تفاعل.

فكما أن المرأة تهب الرجل جسدها من أجل الإشباع والإرتواء،  فعلى الرجل أن يكون عارفا بخبايا  جسدها، وأن يسعى لفك  رموزه. وفي بعض المرويات التي يسردها، يدرس نشأة الإنفعال باللذة لدى المرأة وصفا دقيقا، ويفحص تجاوب المرأة مع جسد الرجل، ويمعن في وصف الأعضاء الجنسيَة  وفي ترصد ارتعاشاتها وحركاتها، معتمدا على صور حيوانية وطبيعية، ويصف أشكال الجماع  ووضعياته المختلفة.

 

وتجدر الإشارة الى ان الكتاب ينخرط في المصنفات الإيروسيَّة الإسلامية المتاحة أو المشروعة، فيما يطلق عليه “علم الباه”، وهو علم ينظر في مسائل النكاح والجماع بطريقة فقهيَّة لا ترى تعارضا ً  بينها وبين القرآن ومن السيرة النبويَّة.

التطيب بالعطور 

يسلط النفزاوي الضوء على على مكانة  الحواس، والعطور والأزهار  ويعطيها منزلة مهمة. كيف لا و عنوان هذا الكتاب الروض العاطر؟! فالعطر  يستثير حاسة الشم ويثير الشهوات ويرغب في القرب والتماهي. والشيخ  يشدد على أهمية تدليك الجسد بالزيوت  وعلى التطيب والتعطر، كطقوس تزيد الممارسة الجنسية متعة.

ويبني الإمام النفزاوي كلامه على الحديث النبوي “قدموا لأنفسكم …”، ويؤكد على أن هذه الطقوس مصاحبة وسابقة للفعل ذاته.

وهو لا يغفل الحديث عن الأعشاب والأدوية والأغذية التي تساعد على الإنتصاب وتقوي العمليَّة الجنسيَّة وتطيل أمدها، وهناك دعاء مستوحى من كتابه في هذا المعنى وهو:

“اللهم اجعله بطيء الإراقة سريع الإفاقة”

وهو مشغول بجماليات التقابل الجسدي بين الرجل والمرأة في الثقافة الإسلامية، لينزع أيَّة صفة حيوانية عن المشهد برمته، ويبحث عن أقصى ممكنات الإستجابة و الإرتواء و الإشباع الذي لا يطال الجسد فحسب بل الروح و الأعصاب.

ضد اللواط و الشذوذ 

إن ً الشيخ النفزاوي، وهو يسرد علينا فصولا من اللذة الجنسيَّة العارمة ومن الهيجان الليبيدوي، لا يفوته وضع الضوابط والحدود. فبحار الجنس عميقة، لذلك نراه يُعلي من شأن العلاقة الجنسيَّة بين الرجل والمرأة في إطارها المشروع، ويرتقي بها الى منزلة الفضيلة بحسب منطوق الحديث النبوي. وفي الآن  ذاته يعمد إلى تغليظ العقاب على الممارسات الجنسيَّة التي يعتبرها شاذة، مثل  إتيان الحيوان واللواط والسحاق، حتى وإن كانت برضا الطرفين وبدون إكراه.

احتفاء بالجنس و الجسد 

ورغم التشديد على تحديد المحرم فإن النفزاوي مسكون بهاجس البحث عن أقصى ممكنات الإباحة  في الحديث عن الجنس والجماع، فالكتاب يخلو  من الحياء الشرقي كما نعرفه اليوم، ويتحرك َّ ضمن قطبين كلاهما في الجنس وبالجنس:

قطب العمليات الجنسيَّة المتنوعة التي تشير إلى أننا إزاء وليمة جنسية في ذروة شبقيَّة، فاعلوها من الرجال والنساء،

وقطب التوصيف الجنساني الدقيق الذي يرتقي بالكتابة الجنسية ذاتها إلى مقام اللذة.

ولكي يؤمن الشيخ النفزاوي لنفسه ولكتابه أقصى ممكنات القبول في المجتمع َّ الإسلامي  المحافظ ، يحرص أن يتحرك ضمن نظام المعرفة الفقهي المالكي الذي تمكن من قواعده.

الجنس و الأخلاق 

ثمة بعد آخر في الخطاب الجنساني في هذا الكتاب يتناول  قيم المروءة وفضائل الخالق وسمو الشيم، والعلاقة الممكنة َ بين الفراغ الجنسي وبين اللؤم في الطباع ووضاعة الخلق وسقوط الهمة.

يقول الشيخ في هذا المعنى”وشر النساء من تكون سيئة الخلق  كثيرة الحمق والنكارة للفعل الجميل التي تهجر الفراش وكثيرة المكر والخديعة والبهتان”

هذا يدل في الحقيقة على أن الشيخ النفزاوي يدرك تأثير الجنساني على غير الجنساني، وهذا في حد ذاته توجيه للفعل الجنسي إلى أبعاد جديدة من الحياة النفسيَّة والفكريَّة للأفراد والجماعات، فيرى في الجماع قدرة في الـتأثير  على الوعي الإنساني وفي البُعد الأخلاقي. فالنفزواي يبدو كارها لكبت الجسد الذي يرى فيه كبتا للعقول وإفسادا لها.

 

المستشرقون تعاملوا مع الكتاب من منطلق فلكلوري 

ترجم الكتاب في بداية الأمر على يد شخص مغمور يدعى البارون. ويبدو أن الأدباء و القراء في فرنسا مدينون بالجميل إلى الأديب غودانسون، فهو الذي كشف للجمهور العريض عن وجود كتابنا.

فأثناء عبوره بولاية بوسعدو، مده القبطان لوي مارشال بنسخة فريدة. وقد  ترجمة الانجليز هذا الكتاب على يد المستشرق ريتشارد بيرتون الذي كان شغوفا بالجنسانية الإكزوتيكية للعالم الشرقي.

ومع ذلك، يبدو أن الأوروبيين سمعوا بالكتاب قبل أن يقرأوه  وتناهت إليهم أصداؤه مشافهة قبل أن يلتقوا به، سنة 1830م، وقد تولد عن وضع الفرنسيين أيديهم على الكتاب لهفة مضاعفة لدى المستعربين، ولدى أجيال من المستشرقين الباحثين عن سحر الشرق وعن البُعد الإكزوتيكي الكامن فيه.

لكن لم هذه اللهفة على مثل هذا النمط من الكتب؟ وما دور هذه الترجمات في ترسيخ الوعي الإستشراقي في النظر إلى الحضارة العربيَّة بوجهيها القديم والحديث على حد سواء؟

إن الرؤية التي أسست لترجمة كتاب “الروض العاطر” في الفضاء الأوروبي قد اتصفت برسوخ رؤية استشراقيَّة هدفها حصر تشكيل الصورة الشرقيَّة ضمن “أنماط القسوة، والإستبداد، والسلطة، والعنف، والحسيَّة ”

هذا ما دفع المترجم إلى طمس الوظيفة الشعريَّة الكامنة في كتاب “الروض العاطر”،  بحيث لم يعد الكتاب تعبيرا عن الجنسانية العربية في صورتها المشروعة،  بل اثباتا  لشبقية الشرقيين و شغفهم بالجنس، والطاقة الجنسيَّة الخارقة التي تمتلكها المجتمعات الشرقيَّة، سواء للرجل العربي من حيث الفعل، أو للمرأة العربية من حيث التقبل والخضوع.

رحاب الخترشي

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق