دين وحياة

ابن حزم الأندلسي وحرمة تزويج الأب ابنته بمن لا تحب

سلسلة ابن حزم الأندلسي والمرأة (الحلقة 3)

تنشر مجلة ميم حلقاتٍ متواصلة عن موقف الإمام ابن حزم الأندلسي الظاهري (384 هـ – 456 هـ) من المرأة بتسلسلها الطبيعي، بدءًا من علاقتها بالرجل، ثم مكانة كلٍّ منهما من خلال المدوَّنة الشرعية “الحقوق والواجبات” في النظام الأُسَري، حسب آراء ابن حزم الفقهية التي سيتَّضح أنها محل خلاف شديد بينه وبين الفقهاء التقليديِّين، ووصولا إلى وظيفة المرأة في المجتمع والسياسة.

 

عرف ابن حزم الأندلسي بدفاعه عن المرأة في مسائل كثيرة، وقد قلتُ سابقا إن ذلك مبنيٌّ على مرجعية مجتمعية وفقهية مميزة -انظر الحلقتين السابقتين-، فالفقيه الذي نشأ في مجتمع أندلسي متفتِّحٍ على كل الثقافات الشرقية والغربية، ليس كالفقيه الذي نشأ في مجتمع منغلِقٍ أو ترعرع في بيئة بدويَّة أحاديَّة النمط، وكذلك فإن عقل ابن حزم مصقولٌ بالتفكير المنطقي، فهو الفيلسوف الذي كان أوَّلَ من مزج بين المنطق والفقه الإسلامي من خلال كتابه الرائع “التقريب لحدِّ المنطق بالألفاظ العامِّيَّة والأمثلة الشرعية”.

ومن ناحية أخرى، هو الفقيه الذي رفض أي تقليدٍ فقهيٍّ دون الرجوع إلى نصوص القرآن والسُّنَّة، فقد كان لا يبني أحكامه اعتمادًا على مَسالك الرأي المجرَّد من الدليل الشرعي كمَسالك القياس والاستحسان ونحوهما، لأنه يرى أنها تُضيِّقُ على الناس ما سمحت بالشريعة الإسلامية، وهذا راجعٌ إلى المدرسة الفكرية التي تبنَّى آراءها وأصولها، وهي مدرسة “أهل الظاهر” التي كان من بين رموزها الإمام داود بن علي الأصفهاني (ت: 270 هـ) والإمام منذر بن سعيد البَلُّوطي القرطبي (ت: 355 هـ) وغيرهما، وهذه المدرسة قدَّمتُ لبيان منهجها وأصولها ورقة بحثية بعنوان: “المسلم الحضاري: ابن حزم الأندلسي نموذجًا”.

 

قضايا متعلقة بالزواج

يرفض ابن حزم الظاهريُّ أن يُزوِّجَ الأبُ ابنته إذا دخلت سنَّ البلوغ سواء كانت بِكْرًا -أي: التي لم يسبق لها الزواج- أمْ ثَّيِّبًا -أي: التي تزوجت من قبلُ وتطلَّقت أو مات عنها زوجُها- إلا بإذنها، فإن زوَّجها بغير إذنها فهو عَقد باطل لا يصِحُّ. قال الإمام أبو محمد ابن حزم الأندلسي في موسوعته الفقهية “المحلى بالآثار” : “وَإِذَا بَلَغَتْ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا إلَّا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ وَقَعَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا”. (المسألة رقم: 1826).

وهذا النصُّ الحزميُّ يؤكد أن ما نشهده اليومَ من إجبار الأولياء بناتِهِنَّ على الزواج هو أمرٌ مخالف للشريعة الإسلامية، وهؤلاء يُسوِّغون تصرُّفهم هذا بأن المرأة ضعيفة في العقل وقد يكون اختيارُها وقرارها في غير مصلحتها هي، ويَدَّعون أن رأي الأب خيرٌ من رأي ابنته في مسألة الزواج سواء تعلق الأمر بالشريك الذي تقدَّم لخطبتها أو بوقت الزواج.

 

محرَّم على الوليِّ إنكاح مُوليته برجل هي لا تحبُّه لأي سببٍ من الأسباب حتى وإن كان هذا الرجل مقبولًا من الناحيتين الخُلقية والمادية

هذه المنظومة العُرفية تكاد تكون شائعةً في غالب المجتمعات العربية والإسلامية التي تُظهِر الالتزام الدِّينيَّ، لذا سيقع الدَّارسون لعقلية هذه المجتمعات في خطإ جسيم وهو الاعتقاد بأن تعاليم الدِّين الإسلامي هي التي فرضت على الأولياء التصرُّف مع بناتِهنَّ بهذه الطريقة المُجْحفة، وهذا الاعتقاد يمثل النظرة الغربية الخاطئة لأحكام الشريعة الإسلامية من خلال التركيز على الأحكام العاديَّة والعُرفية وجَعلها هي معيار التقييم لمدى تطابق الإسلام مع حقوق الإنسان عمومًا وحقوق المرأة بصورة خاصة.

ولمزيدٍ من التوضيح؛ يؤكد ابن حزم على أن تزويج الأب لابنته البِكر دون أخذ رأيها وإِذْنها باطلٌ في الشريعة، ومصيره التفريق

كتاب “التقريب لحدِّ المنطق بالألفاظ العامِّيَّة والأمثلة الشرعية”

بينها وبين الرجل الذي فُرِض عليها، ويستدل هنا بآية قرآنية عامَّة هي قوله -تعالى-: “ولا تكسٍب كلُّ نفسٍ إلا عليها” (الأنعام: 164) فيقول ابن حزم معلِّقًا على هذا النصِّ القرآني أنه: “مُوجِبٌ أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَى الْبَالِغَةِ الْبِكْرِ إنْكَاحُ أَبِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا”، أي أنه محرَّم على الوليِّ إنكاح مُوليته برجل هي لا تحبُّه لأي سببٍ من الأسباب حتى وإن كان هذا الرجل مقبولًا من الناحيتين الخُلقية والمادية، ثم يسرُد لنا نصًّا نبويًّا يرويه بإسناده عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ : “أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهَا، فَأَتَتْ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا”.

أي: أن النبي -عليه السلام- اعتبر هذا العَقد الذي هو “تزويج الرجل ابنته البِكر دون إذنها” عقدًا باطلا لا يترتَّبُ عليه أي أثر من الآثار الشرعية كإباحة الاستمتاع ووجوب النفقة وغيرهما. ويجب أن ألفِت الانتباه إلى أن الراوي استعمل مصطلح “التفريق” ولم يستعمل مصطلح “الطلاق” الذي يوحي بوجود عقد نكاح صحيح سابق له، فدلَّ هذا على أن مذهب ابن حزم في هذه القضية تشهد له النصوص الشرعية.

بل يسرُدُ لنا كثيرًا من النصوص الواردة عن فقهاء من طبقة الصحابة والتابعين كانوا يأخذون بهذا الرأي نفسِهِ حتى يُعزِّزَ من موقفه أمام الفقهاء التقليديِّين الذين يزعمون أنهم يتَّبعون “السلف الصالح”، فمن تلك النصوص ما رواه ابن حزم عن نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَأْمِرُ بَنَاتِهِ فِي نِكَاحِهِنَّ، وعن عامر بن شراحيل الشعبي قال: يستأمر الأبُ البِكر والثيِّب.

يؤكد ابن حزم على أن تزويج الأب لابنته البِكر دون أخذ رأيها وإِذْنها باطلٌ في الشريعة، ومصيره التفريق بينها وبين الرجل الذي فُرِض عليها،

وفي المسألة نفسِها التي تحمل رقم (1826) من كتاب “المحلى” يواصل ابن حزم رفعَه لسقف الحُرِّيَّة لدى المرأة، وهنا يدافع عن الثيِّب -المطلَّقة أو الأرملة- وهل يجوز للأب أن يُجبرها على أن تتزوج أم لا؟ يقول ابن حزم: “فَأَمَّا الثَّيِّبُ فَتَنْكِحُ مَنْ شَاءَتْ، وَإِنْ كَرِهَ الْأَبُ”، وهذا يعني أن لها أن تتزوج بمن شاءت متى شاءت حتى وإن لم يوافِقْ الأب، وما عليه إلا إمضاء هذا العقد، ويستدِلُّ فقيهنا الثائر بنصٍّ نبويٍّ هو قوله -صلى الله عليه وسلم-: “الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا”.

وفي خلال كلِّ ذلك؛ يرُدُّ ابن حزم على بعض المذاهب الفقهية التي تشترط شروطًا لم تُذكَرْ في أي نص من النصوص الشرعية، ويناقش بالخصوص مذهب المالكية الذين فرَّقوا في هذه المسألة بين المرأة الشريفة والدنيئة والسوداء والنبطية والفقيرة وغيرها.

 

ويتبيَّن من هذا العَرض السريع لعلاقة الأب بابنته في قضية التزويج أن ابن حزم يُولي أهمية كبيرة جدًّا لرأي المرأة في أهمِّ شيء يتعلَّق بحياتها وهو الشراكة، وجدير بالتنويه أن النصوص العامة التي يستدل بها على إعطاء المرأة الحقَّ في القرار هي تلك النصوص التي نكاد نسمع من الفقهاء التقليديين وكأنها خاصة وموجهة للرجال فقط، وأن المرأة مجرد تابعٍ لا اختيار لها في تحديد ما يصلح وما لا يصلح لها.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد