منوعاتثقافة

ودارت الأيام…. واختفى دوران الرحى

الرحى القديمة، تراث، يلخص هموم المرأة

 

 

تسافر مجلة ميم اليوم بقرائها إلى زمن جميل، من تاريخ مضى، لتروي لهم حكاية الرحى الحجرية، تلك الأداة، التي عدت لسنوات طويلة، وسيلة أساسية، في بيوت العرب، فهي أداة لتحضير عُدّة الشتاء والصيف. كما أنها رفيقة المرأة العربية الأصيلة، في المغرب العربي والشرق والشام.

حتى صارت حديث الكتاب والشعراء.

 

الرحى والمرأة

تعرف بالجاروشة، كما تسمى بالرحى، في مختلف أقطار العالم العربي، لم يذكر تاريخ ظهورها ولكنها ارتبطت بوجود المرأة، حتى باتت في فترة ما، ملازمة لها ورفيقة درب وحياة تمتد من بيت الأهل إلى بيت الزوج.

 

 

عبر الزمن، نشأت علاقة روحية، بين المرأة والرحى، التي تجلس عليها من الصباح حتى المساء لرحي القمح والشعير وتحويله إلى سميد، يصنع منه أصناف من الخبز والكسرة والملاوي. وقد كانت النسوة قديما يعتمدنها في تحضير مؤونة الأسرة، من قمح وشعير وذرة وفلفل وتوابل وبسيسة وعدس، وكل ما يمكن إعداده للأكل في فصل الصيف وفصل الشتاء.

 

مكونات الرحى

تتكون الرحى الحجرية، من عدة مكونات أساسية، تسهل عملية الرحي، رغم أنه لا يبان للرائي غير مجسم حجري واحد:

 

 

  • الحجر السفلي للرحى و هو جزء ثابت غير متحرك، يحوي ثقب صغير في الوسط، يمر عبره “قطب الرحى” وهو قطعة تكون خشبية أو معدنية.

 

  • الحجر العلوي، وهو الجزء المتحرك، الذي يساهم دورانه في  طحن الحبوب، في وسطه  ثقبا كبيرا، يوضع فيه حبات القمح أو الشعير، المراد طحنها وفي طرفه، ثقب آخر صغيرا،  يوضع فيه المقبض  الخشبي لتحريك حجر الرحى.

 

  • الفراشة وهي  قطعة خشبية مستطيلة، تثبت في فتحة الحجر العلوي من الرحى في وسطها ثقب،  تستعمل لامساك المحور الخشبي أو المعدني و تقوم بتثبيته حتى لا يتزحزح.‏

 

  • الهاوي وهو عبارة عن  خشبة على شكل عصا صغيرة تحدد وتدخل وتثبت في الثقب الجانبي لتكون المقبض الذي يدار به حجر الرحى العلوي.

وتقوم المرأة بلف قطعة من القماش حتى لا تؤذي يدها،  لأنها تسبب ظهور ثآليل ماء صغيرة، جراء الاحتكاك.  

 

الرحى في كتب العرب

نظرا لدورها الكبير في حياة أجيال مضت، فقد صارت الرحى مبحثا لجمهور من الكتاب اليافعين، الذين تحدثوا عن ارتباطها الوثيق بالعائلة والأسرة وإعداد الطعام، لسد أفواه الجائعين.

 

 

في كتابه “ومضات من التراث”، تحدث الكاتب الليبي  أحمد بوزيد قائلا: ” للرحى أهمية بالغة لدى أجدادنا فكانت تمثل لهم ركناً هاماً من أركان الحياة حيث يعتمد عليها بشكل يومي وذلك في إعداد الدقيق وكذلك في إعداد وجبة (الدشيشة ) وهي إحدى الوجبات الشعبية الشهيرة ولعل المثل الشعبي الذي يقول (نرجوه وهو في سبله يا بال في الرحى) أي ننتظر الطعام وهو مازال في سنابله لأن المراحل التي تلي ذلك سهلة حيث يتم حصد المحصول ثم فرك السنابل واستخراج البذور ويتم طحنها ومن ثم تصبح وجبة جاهزة.”

 

وتحدث عنها الباحث أنطوان سابا في كتابه ” حمصنة- حمص الشام كما عرفتها”، أن  “الرحى” أو “الجاروشة” المستخدَم للمطاحن بأنواعها قبل ظهور الآليات، كانت تُستخدَم لطحن القمح وغيره من الحبوب و”الأجران” بمختلف استعمالاتها من أجران الاستحمام التي تكون على شكل كتل مربَّعة أو مستديرة بقمة مسطَّحة تنحت في مركزها الوسط حفرة تتسع لحوالي خمسة ليترات من المياه ليختلط فيها الماء الساخن بالبارد “جرن الكبة” ويُدعَى “جرن دقّ الحنطة” لصنع البرغل وهو عبارة عن حجر منحوت بمختلف الأشكال وله ذراع من الحجر على شكل مغزلي الرأس ويتم هرس المواد بواسطتها في حفرة الجرن ومن تلك الأحجار ما له مكانة في تاريخ الشعب الحمصي وهو حجر “القيمي-القيمة” ومن أسمائه “شيلي-الرفعة-شيلة المرجلي والمراجل”.

 

ويقول الباحث أحمد يوسف عقيلة عن الرحى”إن الرّحَىَ ليست مُجرَّد آلة خشنة ثقيلة.. إنها أحد مُتنفّسات المرأة في البادية.. فالمرأة اللِّيبية البدوية “تَفْزَع” في كثيرٍ من الأحيان إلى ضجيج الرّحَىَ..! خاصة في هَدْأَة اللِّيل.. على ضوء الفنار.. حيث يتماهَى الصوت البَشَري.. الأَنِيْن الأُنثَوي الحزين مع صوت الحَجَر.. وصوت القمح المَجْرُوش”.

 

أشعار من التراث الليبي

ارتبطت الأشعار، التي قيلت عن الرحى وذكرت فيها، بالتراث الليبي، رغم أنها تعد رمزا للتراث العربي الأصيل، إلا أنه لم يحفظ في ذاكرة عالم النات غير الأبيات والقصائد الليبية. نستعرض جزءا منها

 

زِيْن النّخَل في العَرَاجِيْن    وزِيْن المْرَا في السّوالِف

وزِيْن الذّهَب في الموازِيْن اِن كان طاح في ايْدَيْن عارِف

علي كمل الدقيق           ذبلت يارحىيانا اللِّي

يا رَيتْنا ما ضنَيْنا           وَقتاً نوَيْنا الفْراقي

واللِّي ضنَى ما تهَنَّا واللِّي ما ضنَى بات شاقي

لَولاد ما يعملوا خَيْر            ورَبَّيتّم نَيْن صارَوا

وانْهَفِّت عَلَيْهم كما الطَّيْر ووَيْن نَبّتَوا الرِّيْش طارَوا

ناري عَلَى اللِّي غَرِيْب في بلاد ما هي بلاده

والفَم فاعل الخَيْر هَنِّيْه      وبالفَرْح تَزْهَىَ ايّامه

وفاعل الشَّرّ عَزِّيْه      توَلِّي عَلَيْه النّدامة

يَضْحَك ويَلْعَب      والقَلْب صابِغ سوَاده

حتى وإن خمننْ اليدين   عزمي شديد وإنجي للرحي

 

المهاجاه: المحاكاة بين المرأة والرحى

تستمر عملية الطحن، لساعات طويلة، تطلب من المرأة جهدا كبيرا ويحيي في داخلها، الرغبة في إلقاء الأهازيج والأشعار والقصائد، التي تقصر الزمن وتخفف عن المرأة صعوبة وشقاوة العمل. وتختلف الأهازيج منها مايشبه غناوة العلم  ومنها ما يقتصر على الأبيات والقصائد، التي تردد فردا كما تردد جماعة.

وتعرف هذه الأهازيج في التراث الشعبي،  “بالمهاجاه” و المحاكاة بين المرأة والرحى. لذلك، كانت الرحى القديمة، تراثا، يلخص هموم المرأة.

 

 

 

ومن أشهر الأهازيج الليبية، المحفوظة في التراث الشعبي، هي تلك التي تدور بين الأم وابنتها، خلال عملية الجرش:

  • تقول البنت:

يا حمامات لبراج    تعالـن عطنـي نباكن

خوي اللِّي مضحكه عاج   قالن بـرم من حذاكن

حنيِ تشيـع نظرها        وعيونهـا شاباتي

تهايالها زول خويا        وأن المغيرب يأتي

  • فتردُّ الأمُّ :

يـــا بنت جوك خطّار    عرب شرق ما تعرفيهم

حطي حطب واكبري النار كنيب راه خــوك فيهم

  • وتجيب البنت:

خلِّيت عيني تشارف   وحطِّيت نفسـي رقيبه

على ضي عيني الغالي      أي مسارب تْجيبه

 

الرحى ترمز إلى الصبر عند المرأة والقوة عند الرجل

لا يكفي أن نقلب أعيننا وننظر باستعلاء للرحى، التي اندثرت حتى من الأرياف والبادية وما عاد يسمع لها صدى، فالرحى فضلا على أنها كانت وسيلة لإعداد الطعام، رمز لصبر المرأة، التي تجلس الساعات الطوال تجهز قوت زوجها وعيالها، تحرك يدها، في حركة مستمرة لا تكاد تتوقف، بعد أن جهدت في الحصاد.

ومن رموز الرحى الحجرية، أنها ارتبطت ب”اثبات الرجولة”، في الشام قديما. وهي عادة طريفة،  تتجسد  في التحدي على الرجولة بين شباب الحي أو القرية في ليلة زفاف أحدهم، كما ذكر الباحث أنطوان سابا، ” فالحجر هو المحكّ وفي زفة العريس عندما تُزف له عروسه يشترط أهلها ألا يحصل على عروسه ما لم يرفع “القيمة” لإثبات رجولته أمامهم وأمام عروسه، ومَنْ لم يكن في قدرته رفعها يقوم بتكليف أحد القادرين لقاء هدية تُدعَى بـ “خلعة العريس” لكن تلك العادة وغيرها من العادات الجميلة اختفت من قاموس ممارساتنا الاجتماعية بداعي أنها غدت بالية في الوقت الذي يعود فيه العالم العربي إلى الفولكلور بقوة”.

 

ودارت الأيام واختفى عبر الزمن، دوران الرحى من كافة بيوت العرب. حتى أن مشهد الرحى، التي لعبت دورا أساسيا في إطعام أجيال وتوطدت علاقتها بالمرأة، لم نعد نراها إلا من خلال المهرجانات المحلية التي تحتفي بالتراث العربي، أو تعترضنا بين الفينة والأخرى في صفحات التواصل الاجتماعي، المخصصة للتراث.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

اترك رد