مدونات

هل أدلك على شجرة الخلد؟!

بقلم: خليدة سناء أبو زيد

يتشاكس الإخوة ويتعاركون، يأتي إلي أحدهم شاكياً  “أمي لم أكن أرغب في اللعب وقد وعدني أخي إذا لعبت معه أن يعطيني هذا القلم للأبد وقد لعبت معه ثم لم يعطني القلم!”.

أتدخل مناديه على من غيّر وعده، أناديه وأنا تنهال على رأسي أحاديث خلف الوعد. وأظل مشغولة كيف أربيهم على الوفاء بعهودهم .. وكالقاضي أصدر حكمي بين المتخاصمين “نفذا ما اتفقتما عليه”.

ثم أسير في الحياة، فيتبدى لي ما يجعلني أعيد النظر في حكمي، تستوقفني قصة متحرش يستغل حب طفل لنوع من الحلوى، يغرقه في الحلوى والسكر ثم يغرق نفسه وطفل بريء معه في وحل مزري ومرارة لا تنتهي.

تنبهني هذه القصة إلى معنى “الابتزاز” في حياتنا، أن يستغل شخص حاجة عند غيره ليجبره على فعل شيء لا يريد فعله، أو على قبول ما لا يرضى، مستغلاً ضعفه الذي يسوقه لحاجته.

على خطى الشيطان يسير وكأنه ما أراد إلا الخير وما هو إلا دليل عليه، حين قال لنبي الله آدم عليه السلام ” هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟”. السؤال الذي به بدأت الحياة على وجه البسيطة، والذي شاء الله أن ينقل به ميدان المعركة من الجنة إلى الأرض دون أن يتغير شخوصها ولا طبيعتها، إنسان له حاجات، وشيطان أقسم بعزة الله على غوايته قاعداً له على طريق الله المستقيم ينظر لحظة تزل فيها قدم بعد ثبوتها.

لعب إبليس على أوتار حب المال والتعلق بالبقاء في فطرة الإنسان ليخرج آدم وزوجه مما كانا فيه، وبدلاً من أن يسميها “شجرة العصيان” سماها “شجرة الخلد”، وهو يعلم أن ليس لآدم عليه السلام حاجة في معصية الله حتى لو كان هذا ما يبتغيه الشيطان.

على نفس النهج يُطلب أحياناً كثيرة من ذرية آدم عليه السلام أن يرضوا بالدنية من العيش وألا ينشغلوا إلا بهذا الدني، لئلا يواجهوا فوضى تتهدد أمنهم، صورة شهيرة لابتزاز عام قد يمارس على خلق الله من بعض خلق الله،  لكن هذه المرة يعزف على أوتار حاجتك ليست معزوفة المال والبقاء وإنما معزوفة الأمن والأمان.

أنكر من كل قلبي هذا الطريق واحتج بشدة على هذا الأسلوب وأظنه مارد مخيف خارج أسوار بيتي، ثم استفيق وأنا أمسك في يدي “جزرة الترويض” تلك التي يعشقها الآباء كي يستطيعوا إبقاء سيطرتهم على المنزل بمن فيه. و يا للعجب! المارد في بيتي!.

يقاوم ابناؤنا بشدة القواعد، يرفضون كثيراً الواجبات، يملّون أحياناً  كثرة الطلبات، يمل الآباء من مللهم، ينفذ صبرهم مرة فيأتي دور العصا “افعل وإلا”، أنه فروضك وإلا لن تخرج مع أصدقائك، رتب غرفتك وإلا خاصمتك. ثم إذا كان الآباء في حالة مزاجية أفضل يقومون بالتلويح بالجزرة، “افعل وسوف”، لا تؤذي أخاك وسأحضر لك حلوى، أنه طعامك وسوف تشاهد التلفاز.

على نسق مقولة أهل الأردن الشهيرة (إيش دخل طز في مرحباً) يرفض أهل التربية  الربط بين تلبية حاجات أبنائنا من ناحية وقيامهم بواجباتهم من ناحية أخرى، على اعتبار أن قيام ابناؤنا بالصحيح يجب أن يدفعه نقاش وقناعة واتفاقات ودراية بنفعه العائد عليهم هم أنفسهم وليس على أحد غيرهم.

واحد من أكبر أضرار هذا الربط هو أنه يجعل أبناءنا أشخاصاً قابلين للمساومة، يجعلهم يدركون مع الوقت أنهم إذا أرادوا أن يسعدوا وتلبى احتياجاتهم فعليهم إرضاؤنا، وإذا أرادوا ألا يتألموا بحرمانهم منها فعليهم إرضاؤنا أيضاً. فيقبلون بداخلهم أن يتلاعب أحد باحتياجاتهم ويضعون نصب أعينهم رضا الغير هدفاً ما دام فيه سعادتهم بل و يعتادونه.

لا يرغب ابني في تجميع ألعابه، فيكون ردة فعلي (زعلانة منك)، تتغير ملامحه وهو الذي تهمه جداً العاطفة ويسرع في لملمة ألعابه، ينتظر مني أن أكون فرحة في الوقت الذي أكون فيه أنا (زعلانة) لكن هذه المرة من نفسي، أو هكذا قد علمتك أن تكون منظماً في شئونك يا صغيري بقولي(زعلانة منك)؟، أم كان هذا ابتزاز عاطفي واضح؟

أعمدة متراصة نصُفُها في أعماق أبنائنا لابتزاز بدلاً من أن يواجهه أبناؤنا متعجبين من زميل دراسة أو مدير عمل أو حاكم متسلط، يصبحون أكثر تآلفاً معه من كثرة ما اعتادوه في المنزل.

نصائح   كثيرة لمتخصصين في موضوع  كالتحرش، بعضها نصائح هامة للآباء وبعضها للأطفال أنفسهم، لا تجد من بينها ما يشدد على تربية الأبناء في مناخ آمن من محاولات إرضاء الغير والاستجابة لما يفرضونه من ضغوطات على احتياجاتهم، حتى لا يقبلون يوماً ابتزاز من متحرش يستغل حاجة من حاجاتهم،  حتى تلك النصيحة التي تقدم للطفل بأن يصرخ ويقول لا في وجه من يقترب من جسده لن تخرج أبداً إذا كان طفل لا يقول لا في بيته وقد اعتاد أن يستخدم أبويه حاجاته في تهذيبه.

بعد أن أدركت هذا أصبحت لا أجيب على بعض أسئلة أولادي إلا بسؤال، لأصحح ما ترسخ في أذهانهم من أن الغاية هي إرضائي. (ماما هل يعجبك خطي؟) أسأله أنا (هل يعجبك أنت خطك؟) مرة أخرى (أمي هل أنت سعيدة بدرجتي؟) أجيبه  (وماذا عن شعورك أنت؟)

يخطئ أبنائي فأحاول أن أقيم جداراً مانعاً بين خطئهم وبين تقبلي لهم، وتوترني كثيراً كلمة (أفعل كي أحبك)، فلم يكن الأقرب لقلب المرأة الحكيمة التي سئلت عن أقرب ابنائها لها هذا الذي لا يخطئ أو ذاك الأكثر براً بها بل ذلك الضعيف طالما استمر سبب ضعفه أكان مريضاً أو مسافراً أو صغيراً. وهكذا لا يجب أن يكون حبنا لأبنائنا مشروطاً.

يتشاكس أبنائي مجدداً، ثم تأتي الشكوى أمي لم أكن أرغب، وقد وعدني ففعلت ثم لم يوف، أغير حكمي ونظرتي للأمر، أنسى الخلف بالوعد مؤقتاً وقبل كل شيء أسمي الموقف كما هو وأخبرهم أن هذا ابتزاز بادئ ذي بدء مرفوض، لا تعجب حروف هذه الكلمة أولادي كثيراً لكنهم باتوا يفهمونها جيداً ويسبقونني أحياناً بقولها. يروق لي معرفتهم لها فالفهم هو أول طريق المقاومة.

إدراك هذا ضرورة إذا كنا لا نرضى لأبنائنا الخضوع يوما لابتزاز ظالم، أو أن تصير بيوتنا يوماً بيوتاً تأخذ بيد أبنائها إلى فزاعة التحرش بدلاً من حمايتهم منه، وإذا كنا نحلم بأن تكون دوافع الاستقامة والصلاح وفعل الصواب لدى أبنائنا دوافع ذاتية.

 

خليد سناء أبو زيد

مدونة مصرية ومهتمة بالشؤون التربوية 

 

تم نشر هذه التدوينة على موقع العدسة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.