مدونات

سيناء .. نهر العناء

مدونات

لم يكن اهتمامي بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في سيناء بدافع مهني فقط، ولكنها مسألة إنسانية ومعاناة أبعد من تلك التي يتقاسم مرارتها المصريون.

فسيناء التي مثلت بسكانها خط الدفاع الأول للأمن القومي المصري منذ اتفاقية العار (كامب ديفيد)، خارج إطار التنمية والاهتمام في أبسط صوره. فلا مرافق ولا خدمات صحية ولا تنمية ولا اعتراف من قبل الدولة بملكية أهالي سيناء أراضيهم ومنازلهم التي ورثوها عن الأجداد القدامى. الأبعد من ذلك هو حرمانهم من تقلد المناصب السيادية والوظائف ذات أهمية، وكأن انتماءهم لمصر مشكوك فيه ! منهم كُثر محرومون من حمل بطاقات الرقم القومي (بدون جنسية) وأخرون تُصنفهم الدولة بـ (رعايا الدولة المصرية).

 

أمثلة على ذلك من الواقع، والواضح لكل من تشرف بزيارة مدينة رفح التاريخية وجود مقر مهجور وقد كُتب عليه “الإدارة الصحية”، ومركز للشباب لا تحيطه جدران، أرضية ملعبه مليئة بالنباتات الصحراوية وكأنها حواجز سباق خيول ! أما مقره الإداري، فلم يكن بحال أفضل من الإدارة الصحية، والعاملون فيه يذهبون لمنزل رئيس المركز للتوقيع صباحاً ثم يعودون ليوقعوا وقت الانصراف !

إهمال صيانة المرافق الحيوية في سيناء

أما من صلى في مساجد  سيناء فسيتأذى بالتأكيد من المياه التي فاقت في قسوتها مياه البحر إلخ إلخ…

 

شبه جزيرة سيناء ليست كباقي المحافظات المصرية في ما يمكن أن يوصف بحرية التنقل، فمن أراد من سكان شبه الجزيرة، خاصة قاطني الشمال، التوجه إلى أية محافظة مصرية أخرى، سيتعرض لعمليات تفتيش وتدقيق تصل إلى ساعات على طول الطريق المؤدي إلى حيث يريد أن يذهب ! إجراءات تتجاوز مثيلاتها على معابر الحدود بين الدول وكأنه ليس مصرياً .. على العكس تماماً مما يخضع له الصهاينة من إجراءات عند دخولهم سيناء للتنزه، فيكفيهم إبراز هوياتهم المحلية !

 

لم تكتف السلطات بإهمال التنمية في سيناء وتركها صحراء جرداء، بل وانطلاقاً من اتفاقية العار (كامب ديفيد)، والتي انتقصت من سيادة مصر على سيناء المقدسة، فإن سياسة التعامل مع سكان سيناء تُمثل بالنسبة لي حربا بالوكالة تنفذها السلطات المصرية للتخلص مما يشكل عائقاً لعودة المحتل المغتصب لها، وذلك بقتل انتماء سكانها لمصر وإجبارهم على التوجه للصهاينة المتشوقين لهذه اللحظة (فهم دائماً بانتظار استدعاء سكان سيناء لهم كمنقذ).

مع الثورة وحتى الانقلاب، تنفس سكان سيناء قليلاً من الحرية وبدأ يلوح في الأفق أن هناك محافظات تجرعت الظلم أضعافاً وحان الوقت لإصلاح ما أفسدته الأنظمة.

ثم أتى الانقلاب، وأعلن معه عبدالفتاح السيسي في كثير من المناسبات أن حربه على سكان سيناء وتهجيرهم من أجل حماية الأمن القومي الصهيوني.

حصار أحياء سكنية وتهجير قسري بعمليات هدم

بدأت العمليات العسكرية الوحشية في حق سكان سيناء 2014 ولم تهدأ يوماً حتى الآن صعوداً وهبوطاً، فقد فُتحت بورصة دماء ومعاناة مستمرة لا نعلم عن مداها مدى !

أتذكر دائماً مع بدإ العملية العسكرية تصريحات اللواء أحمد وصفي (عضو المجلس العسكري وقائد العمليات العسكرية في سيناء وقتها) بالعامية المصرية (إسبوع ونسلمكم سينا متوضية من الإرهاب ياشعب مصر) ! وهاهو العام الرابع قد قارب على الانتهاء والمحصلة دماء مدنيين وأطفال ونساء وترويع وترهيب تمارسه السلطات من جهة والمسلحون من جهة أخرى.

اللواء أحمد وصفي

معاناة نرصدها بشكل شهري تتجدد معها مشاعر الحزن على حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات وفقدان المواطن الشعور بالأمان، فالرصاص لا يطال المارة في الشوارع فقط، ولكنه يخترق نوافذ المنازل والقصف يهدمها على أصحابها.

 

وفق تقريرنا (الرابطة العالمية للحقوق والحريات) الصادر عن أوضاع حقوق الإنسان عن شهر أكتوبر في سيناء، فإن 216 مواطنا تعرضوا للاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي على يد قوات الجيش والشرطة، فيما قام المسلحون باختطاف 13 مواطنا. كما أنهى إطلاق النار العشوائي وقصف الأحياء السكنية من قبل قوات الجيش حياة 14 مواطنا بينهم 3 أطفال، وتسبب في إصابة 20 بينهم امرأة و3 أطفال، فيما قتل المسلحون 8 مواطنين بينهم موظف بالبنك الأهلي قُتل أثناء اقتحام المسلحين البنك، فيما قضى الآخرون لأسباب (انفجار عبوة ناسفة عشوائياً – تعاون مع الجيش والشرطة) وأصيب 18 مواطنا.

موظف البنك الأهلي، مسعد أبو مليح، الذي قتل أثناء اقتحام البنك

كما فقد 4 مواطنين حياتهم وأُصيب 47 نتيجة حوادث السير على طرق سيناء المتهالكة التي يطلق على بعضها طرق الموت مع بدإ تهجير سكان المرحلة الثالثة من المنطقة العازلة واستمرار ممارسة السلطات الانتهاكات الاقتصادية والاجتماعية وإهانة المارة وتعطيل حركة المواطنين في التمركزات الأمنية  لساعات طويلة.

فيما رصدنا قيام عناصر تابعة لتنظيم “داعش” بنصب تمركز مسلح على الطريق وتوقيف المارة والسيارات، كما أطلقوا تحذيرات لسائقي سيارات نقل الركاب بعدم نقل السيدات اللاتي لا ترتدين النقاب، بل وهددوا عددا من النساء (حادثة متكررة) بتشويه وجوههن بماء النار (مادة حارقة) في حالة عدم انصياعهم لأوامر التنظيم وارتداء النقاب.

تقرير الرابطة العالمية للحقوق والحريات عن شهر أكتوبر 2017

كل هذا ولا زالت المعاناة مستمرة، يتجرع مرارتها سكان سيناء فتزيد عليهم تارة وتنقص تارة بحيث لا يميز كل تقرير عن سابقيه سوى تغير أسماء الضحايا.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد