الرئيسيغير مصنف

” العبودية ” نقطة التقاء اليابان والصين في أمريكا

ثقافة

شهدت أمريكا منذ القرن التاسع عشر هجرات واسعة من مختلف أنحاء العالم، بعد أن تخلصوا من سكانها الأصليين، جاء الكلّ يبحث في الأرض العذراء عن كنوز وأموال، أصيبوا بحمّى الذهب والمعادن المكتشفة بولاية كاليفورنيا حينها.

كاليفورنيا التي تحولت إلى حمّى ولكنّها ليست بالمرضية، إنّها غريزة الإنسان في البحث عن الجاه والمال، عمالا ومستثمرين، رجالا ونساء، كلهم يلهثون وراء ثراء فاحش قبل العودة إلى أوطانهم الأصلية، لم يدركوا لحظتها أنّهم سيصبحون فيما بعد جزءا من هذه الأرض التي جمعت فسيفساء بشرية غريبة ومتنوعة.

كان سكان آسيا من ضمن المصابين بحمّى الذهب والثراء، طموحهم جاء بهم إلى قارّة جديدة لم يعرف عنها تاريخ وحضارات كحضاراتهم الضاربة في القدم، لم يفكروا كثيرا في اختلاف المسيح عن بوذا، المهمّ أن تملأ الجيوب ذهبا كما القلوب ممتلئة بمحبّة بوذا.

حطّ الصينيون رحالهم بأمريكا سنة 1850 بعد أن انتشرت الأخبار قبل سنة عن مناجم الذهب بكاليفورنيا، وكانت بوابّة العبور إلى الذهب ميناء سان فرانسيسكو الذي جمع آنذاك ركاب السفن الشراعية والبخارية من قارّات مختلفة، قضوا أشهرا طويلة في البحر لم يعقهم الدوار والجوع والمرض والموت عن التصميم في تحقيق حلمهم بالثروة.

 

حول حياة الصيينين بأمريكا قبل الحرب العالمية الأولى، كتبت الروائية التشيلية “إيزابيل الليندي” رواية تعتبر من أجمل الروايات العالمية بعنوان “ابنة الحظّ”، تعرّضت فيها إلى قصة حبّ مختلفة وإنسانية حتّى العظم بين رجل صيني وامرأة تشيلية جاء بها الحبّ إلى كاليفورنيا بحثا عن حبيبها الذي حلم بالذهب من أجل إلغاء الفروق الطبقية بينهما. أمّا الصيني، فقد رحل إلى كاليفورنيا  بسبب المعرفة والهرب من ماضيه الحزين بعد فقدانه لزوجته، لعله يجد السلوى في البحث عن تطوير معارفه في الطبّ الصيني.

نقلت إيزابيل الليندي مأساة الأعراق المختلفة في أمريكا مع الرجل الأبيض، سود وصينيون وهنود لم تشفع لهم آدميتهم في النجاة من الاضطهاد والاحتقار، في فصل من الرواية بعنوان “فتيات سينغ سونغ” كتبت الليندي “لم تكن الحكومة الأمريكية تتحكم بشيء بين الصينيين الذين يعيشون في عالمهم الخاص بلغتهم وعاداتهم وقوانينهم المغرقة في القدم”.

نحن نعلم جيّدا أنّ عقدة الاضطهاد تخلق بين المضطهدين لحمة كبيرة ممّا يجعلهم يحسون بأنهم منبوذون وغير مرحب بهم، فيطورون مهاراتهم في ابتداع عالم خاص بهم له قوانينه الخاصة. انطلاقا من هذه الفرضية، كتبت إيزابيل الليندي عن ثقافة أهل الصين في أمريكا، عن عبودية الفتيات الصغيرات وتشغيلهن بالبغاء “أكثر العاهرات فقرا بين الفقيرات يبدأن باكرا جدا ونادرا ما يدركن الثامنة عشر، وفي العشرين إذا حالفهن الحظ السيّء وبقين على قيد الحياة يصبحن عجائز”.

قبل أن يصبحن عجائز، كان مجيئهن إلى أمريكا بغاية الزواج الشائع بين زوجات يأتين من مدن صينية وأبناء الجالية الصينية، وهناك من باعها والدها من أجل تدبير لقمة العيش لباقي العائلة في وطن تنهشه عصابات دموية تعمل لصالح امبراطور ظالم أغرق البلد وأهله في فقر شديد دفع الآباء آنذاك إلى بيع أبنائهم.

ذابت وشاخت أجساد الصغيرات بين شهوات المتدينين طلاب المتعة، وأصحاب المواخير الذين كان لديهم خلط فترجموا شعار الحبّ المسيح وبوذا إلى الجنس الذي كان غريزتهم وهاجسهم الأوّل للنيل من أجساد الفتيات الصغيرات والبائسات، في جرم يرتقي إلى مرتبة الخطيئة التي ترفضها أديانهم.

لم تختلف مأساة اليابانيين عن الصينيين في أمريكا بعد أكثر من قرن على تواجدهم بالقارّة الأمريكية، كتبت الروائية الأمريكية من أصل ياباني “جولي أوتسوكا”  والحائزة عن جائزة فوكنر للرواية “بوذا في العالم السفلي”، كتبت أوتسوكا عن حلقة منسية يحاول البعض طمسها لما عاشه اليابانيون من ظلم تعرّضوا إليه هناك في بلاد العمّ سام.

بضمير نحن خاضت “أوتسوكا” في جراحات الجالية اليابانية التي عاشت آلاما شديدة من مهانة واحتقار، نساء وضعن أقدامهن في القارّة الأمريكية من أجل الزواج، زواج دفعت مهوره لآبائهن، فزورت صور الأزواج مقابل صور صادقة للنساء، كانت الصور هي الطريقة المعتمدة لاختيار نساء من قبل رجال الجالية اليابانية المقيمة هناك، رجال كذبوا على نسائهم وأغدقوا عليهن في الرسائل بوعود العيش الرغيد وهم لم يكونوا سوى عمّالا في حقول القطن والخضروات.

نساء قطعن آلاف الأميال من أجل جنّة موعودة رغم مخاوفهن “قلنا لأنفسنا لا ينبغي أن نقلق وكنّا مخطئات”، نساء عملن في الحقول والمصانع والمنازل، غسلن الثياب وقطفن الطماطم وكن مثابرات صابرات في عملهن لم تشك إحداهن من شيء، كل واحدة منهن كانت مثل نملة تمضي في الأرض بعيدا من أجل تحصيل لقمة العيش ولم تشك من ثقل الهمّ أو الأيّام.

 

كانت الحرب العالمية الثانية وباء على الجالية اليابانية، عاشوا الرعب والخوف من الموت بتهمة الخيانة، مكثوا في ديارهم ولم يخرجوا “محونا أسماءنا عن صناديق البريد، سحبنا أحذيتنا الموضوعة أمام أبوابنا”. ما تعرض له اليابانيون يشبه إلى حدّ بعيد محاكم التفتيش في الأندلس، فقد مارست الحكومة الأمريكية جرائم كثيرة  في حقّ الجالية اليابانية وهجرّت الرجال إلى الصحاري الأمريكية. لقد تمّ وصمهم بالخونة وانتهى الأمر.

أجبر اليابانيون على الرحيل من أرض عمرّوها وخدموها، لم تشفع لهم نظافتهم وجديتهم وأخلاقهم في البقاء. لقد أخليت مساكنهم وعمرّت من طرف سكان من الصين والفلبين في توازنات دولية قائمة على السياسة، ارتكب ساسة اليابان مجازر كثيرة في الحرب العالمية الثانية، فدفع ثمنها الإنسان الياباني  كثيرا على الأرض الأمريكية.

إنّ أمريكا الدولة القوية التي خاضت حروبا كثيرة من أجل نشر قيم الحرية والديمقراطية، والتي تدعو إلى قيم التسامح، مارست في ماضيها الكثير من التفرقة العنصرية والدينية في حقّ الأقليات، لم يكن بعض مواطنيها خارج العرق الأبيض سوى مجرّد يد عاملة، دون أن تلتزم بمواثيق المواطنة. وإن تناسى ساسة اليوم جرائم أمريكا، لم ينس الأدب أن يكون ذاكرة في وجه النسيان والجحود.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد