مدوناتثقافة

الحب في زمن الواي فاي يا غابرييل

ليت شعري ماذا لو رضيت يا قلب بحبّ قروي أو بحبّ محليّ لا يتعدّى حدود حيّ شعبي ضيّق الأزقة وتقليديّ الحارات؟ ماذا لو فتحت عينيك على شرفة تجاور بيتهم أو شبّاك يقابل بابهم؟ ماذا لو تجسّست على أقدام عابرة تفتح باب بيتها وتحمل قفّة قادمة من السوق ضحى، أو محفظة راجعة من المدرسة مساء، أو حقيبة عائدة ليلا من سفر أحدثته الجامعة، ماذا لو فتحت الباب لتلقي تحيّة العيون على أبناء الجيران؟

ماذا لو بقيت في مكانك وماذا خسرت لو عشت حبّا تقليديا يقطع تذكرته بين الأهل والجيران؟ ماذا لو مكثتّ في شارع وحيّ وزقاق ومدينة؟ هل كنت لتشقى أيّها القلب؟ هل كنت لترتدي لباسا عصريا؟

هذا ما تُتمتم به فتاة أضاع الواي فاي قلبها وتلاشت شرايين الحبّ اللاسلكية لديها بين الواقع والخيال، وبين نقاط الخذلان الساخنة وعطش الحبّ اليتيم. هذا ما تتمتم به فتاة تشبه الواي فاي، فتاة لا تخترق جدران الجيران بالثقب وتكتفي بالغوص لاسلكيا في عالم يهوى التجوال على متن أمواج راديوية لتعدّ لفؤادها شبكة للحبّ.

شابة أتعبتها دقّات قلب “بيغ بن” وطال انتظارها لجاك فالانتاين الذي لم يقطع تذكرة للقدوم إليها ليلا من “نورفك”، هو انتظار بنكهة الانتحار وانتحار كذاك الذي جَنَته ذكرى حبّ “أغنيس” على “همينغواي”، فتاة حظّها من زمرة “سنتياغو” في رواية العجوز والبحر ولا زالت تعيش عصر “عبد الحليم” في عصر الواي فاي.

فتاة تجلس غير بعيد عن تلك الساعة ولا تختلف عن قصر “وستمنستر” بالجوار، معقّدة لحدّ الدمّار، مِحنها كجارها كثيرة الغرف والشراشف والأسرار، فتاة تعود إلى القرن التاسع عشر وتتصدّق بقلبها ليغدو كمليون قلب قبله قاعة للاحتفالات العامة وأرضا للذكريات الخاصة.

 

 

فتاة على عكس نساء فرنسيات عشية عيد الحبّ تتصفّح صورا الكترونية وقد كان عليها أن تقتدي بهنّ وتجعل عود الكبريت يتصفح ملامح صور رجال كسروا قلوبهنّ ذات شبه حبّ، فتاة كهذه ستكون يوما ما مزارا للتاريخ ككاتدرائية “كانتربري”، سوى أنه تاريخ قصصي لا أكثر.

ارنست همينغواي وحبيبته أغنيس

وراء كلّ حبّ قصّة، وخلف الحبّ مفهوم واحد واضح صاف قلّما يصل إليه الناس، لهذا تشوبه المجازر وتعلق عند عتبته المشاكل وتتعفنّ من حوله الألسن، ولا يسمّى الحبّ حبّا ما لم يبلغ القائمون عليه نضجا انفعاليا، فالحبّ ليس مجرّد مشاعر وأحاسيس وليس مجرد انجذاب سطحي، الحبّ جبل طبيعيّ التكوّن، فإن هو تكوّن صعب على عوامل الطبيعة القاسية أن تؤذيه. والحبّ في نظري مادة عقلية يفرزها القلب فتسود روحه، كوني ممّن يناصرون حقيقة أن القلب هو مركز العقل وعلينا أن ننضج لنحبّ علّنا ننضج في الحبّ وينضج فينا، فهل حقّا استطاع الحب اللاسلكي أن يفرض نفسه في عالم البقاء؟

 

وما لي أرى كلّ ذلك العدد من الضحايا في العيادات النفسية يلتمسون منّا الدواء؟ ما لي أرى الناس من حولي مقطوعين من وطن مشيّد تارة بالحجارة، وتارة بالذكريات، وتارة بالمعالم وأخرى بالبشر؟ لم أكن أحسب أنّي سأكون يوما في مقام يجعلني أرتدي مئزرا أبيض وأستقبل لاجئ حبّ لاسلكي لم أطالع أعراضه في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وأبذل جهدا عقليا حصريّا وذكاء إضافيا لأخرجه من جرح اللاسلكي إلى واقع السلام النفسي.

 

خطير هو حبّ الفاتورة والأرصدة والبطارية والشاحن هذا، فما أكثر مرضى العاطفة من حولنا يا مئزري وما أقصر خيط علاجاتي الذي لا يمتدّ إلى جرح لاجئ آثر الخيال على الواقع فسقط الزمن في نفسه إلّا بمجهود شخصيّ يكاد يكون خارقا.

الروائي المخضرم ماركيز وزوجته ميرثيديس

 

ما كان سيفعل الواي فاي بنهر “مجدولينا” يا “غابرييل”؟ لو أنّ “فلورينتينو” و”فيرمينا دازا” عايشا عصر الواي فاي لما ادّعى ذلك الحبّ السبعيني على الكوليرا ولما اضطر لاستكمال ما تبقّى من شيخوخته في سفينة، لكان له من الحبّ ما لعشاق القرن الواحد والعشرين: ماسنجر بمثابة المنطقة الجوفية السقيفية التي ينشّطها الحب فتوفّر اللذّة، وتلك النقاط الشرسة في شريط الكتابة بمثابة العصبونات، تتولّى الربط بين ضفتي قلبيهما وتطمئن أحدهما أنّ الآخر متصّل، ولوحة مفاتيح بمثابة مادة الدوبامين تنشر السلام فيهما، ولزاد الفيسبوك -صانع العطور الشهير- تطبيقاته بما يحفّز الانجذاب، لتتحوّل الجرعات شيئا فشيئا إلى إدمان لاسلكي، فما أخطره من حبّ ذكيّ اصطناعيا يا “غابرييل” لا ينصاع لسياسة ملء الفراغ ويسدّ على الآخرين الفرص، فيلجأ إلى مختص في الأمراض النفسية بمجرّد الفشل الخلوي.

 

لكلّ حبّ لاسلكي نسيان لاسلكي صعب أن يكون، ولكل كبسة عشق كبسة ألم صعب أن تزول، ولكل انتظار الكتروني صعقة اكتئابية لا تكاد تترك لصاحبها نفَسا صالحا للاستعمال القادم دون الخوف من النكوص للذكرى

 

ما من شيء أصعب من الندم وما أقساه من ندم ذاك الذي تعدّه الذاكرة، فالوظيفة الوحيدة للذاكرة تكمن في مساعدتنا على الندم، هكذا قال “سيوران” ذات يوم وإن كنت أختلف معه في كلمة الوحيدة لأنها مجرّد وظيفة من بين عدّة وظائف، وما أقساه من ندم ذاك الناتج عن حبّ لاسلكي يصعب الإقلاع عنه، إذ لا فرار من متلازمة الانسحاب العشقي.

كم صورة حملها على متنه الواي فاي وكم من صورة أحرقها الفالنتاين، كم قصّة اخترعها الواي فاي واحتار في حلّ شفرتها الأخصائيون النفسانيون، كم فرحة أشعلها الواي فاي وكم حزنا، كم أملا وكم وعدا وكم ألما وكم سرّا لاسلكيا تحرّش بالقلوب الإنسانية، كم طقوسا أنشأها الواي فاي واحتار في أمرها الحبّ، وكم ظُلم الحبّ وكم قُتل.

ستستقلّ جميع البلدان المحتلّة ويعود جميع اللاجئين إلى ديارهم وتعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها الأولى ويعود عصر الخيل، ويبقى ذلك القلب كالطحلب عالقا في قاع تاريخ لاسلكي تمارس عليه هواية الدهس التي انتشرت، يعاني جرّاء كسوف الهمس وخسوف البصر.

لكلّ حبّ لاسلكي نسيان لاسلكي صعب أن يكون، ولكل كبسة عشق كبسة ألم صعب أن تزول، ولكل انتظار الكتروني صعقة اكتئابية لا تكاد تترك لصاحبها نفَسا صالحا للاستعمال القادم دون الخوف من النكوص للذكرى، بعض النسيان مضرّ بالصحة وبعض الندم مفيد، ففنجان الاستمرار بحاجة إلى أن تذوب فيه أحيانا مكعّبات التذكّر وأكياس الندم.

ليت العلم اخترع حقّا كبسولة الزمن تلك التي أقلّت “سيلفر” و”نادين” وحلمنا بها عندما كنّا أطفالا، لكنت وصفت في كل مرّة يطرق فيها بابي مريض عاطفة حماما زاجلا وقارورة زجاجية وورقة جلدية وريشة، وقنّينة حبر وصبرا قديما وأمرته أن يعود إلى الماضي ويمارس الحبّ بعيدا عن الشاشات والأزرار واللمسات الافتراضية، ربّما أعفوني من وصفة النسيان اللاسلكي المطلوبة منّي.

 

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد