دين وحياة

الإعلام الديني منبر للتنوير أم أداة للتحريض والفتنة  ؟

دين وحياة

لاشك ان الأدوار الموكولة  للإعلام تغيرت  كثيرا في ظل ما يعرف بثورة الانفوميديا.

فوسائل  الإعلام لم تعد معرفة ومخبرة  بما يحدث وعما يحدث  فحسب   وليست اليوم  معبرة  عن مواقف  ورؤى بخصوص الوقائع التي تحدث فقط،  وإنما تحولت  الى  منابرة محرضة  على خيارات بعينها في مختلف مجالات الحياة وفي شتى الحقول المعرفية.

وقد نمضي بعيدا لنقول ان الإعلام اليوم  بات موجها للرأي العام  وهو  بالتالي لا يعكس الآراء والأفكار بل يسهم في تكوينها وتوجيهها.

كما ا ن الأهم من كل هذا  ان الإعلام لم يعد يشرح او يعرف بالاديان والقناعات الإيمانية بل هو يصنعها. وهو تبعا لهذا صار ينحت البنية الذهنية للشعوب والأمم.

وللإعلام كما هو معلوم  ادوار ثقافية وتربوية لا يمكن إغفالها وهو يسهم في صناعة الشخصية وبلورة الهوية.

كما أن  تطور أشكال التواصل الإعلامي وتعدد الوسائط الإعلامية اثر بشكل واضح على التنشئة الاجتماعية التي اتخذت أبعادا جديدة عميقة ومؤثرة  في ظل الثورة الإعلامية.

ولأن للدين مكانة مركزية وله اثر سحري على الذات البشرية وموقع أساسي سواء  بالنسبة إلى الفرد والمجتمع وموقعه الجوهري هذا يجعله عنصرا من عناصر تشكيل الشخصية الجماعية  فإنه على هذا الأساس يتبوأ ا الإعلام الديني مركزا مهما ويحتل موقعا متقدما لاسيما في مجتمعاتنا العربية الإسلامية بشكل مخصوص و هو بالتالي يلعب دورا مؤثرا في بلورة ثقافتنا  وهو احد مرتكزات  هويتنا.

وقد بلغت  الثورة الإعلامية  مدى بعيدا في التأثير العميق على العقول وفي تحديد الخيارات وسلم أوليات الأفراد الفكرية والثقافية.

وبعيدا عن القداسة التي تحف بالشأن الديني فإن توظيفه في المجال الإعلامي قد يجعله أداة في يد مجموعة بعينها في صلب المجتمع الواحد وقد يتخذ هذا الأمر خطورة بالغة اذا وظف لأغراض سياسية او طائفية او عرقية.

وغالبا ما تلتبس شخصية رجل الدين او ما يصطلح عليه الإمام بالنص الديني ذاته ذاك الذي يرتبط في أذهاننا جميعا بالحق المطلق المطلق والعدل المطبق ويختزل الحقيقة السرمدية المطلقة وهنا يتخذ كلام رجل الدين بعدا مقدسا في ذاته وكل ما يقوله او يأتيه صوابا لا يعرف الخطأ طريقا له.

ويتجاوز مكانته  كشخصية اعتبارية  إلى شخصية رمزية مجسدة للمعاني الدينية السامية وبذلك يمتلك أدوات هيمنة على المتلقي الذي يصبح في حالة استلاب أمام هذا الذي يختزل كل القيم النبيلة.

وغالبا ما يحرض ويحرض الناس وفق أهوائه  وباسمه أيضا.

ولتبرير سلوك ما او موقف ما او لتمرير وجهة نظر ما يوظف الخطاب الديني وتبلغ الخطورة ذروتها عندما يتوفر المنبر الإعلامي او الوسيلة الإعلامية التي يمكن ان تكون أفضل أداة للتوظيف خاصة اذا كانت جماهيريتها كبيرة أي تستقطب عددا هاما من المتلقين .

وهنا قد يتم تجاوز كل الضوابط الأخلاقية والفكرية والقيمية بنوايا سيئة.

والمنبر الإعلامي الذي يتاح لرجل الدين والذي يوظف لتوجيه الرأي العام عادة ما يلغي حرية الآخرين باسم الاحتكام الى الدين وهذا ما يمكن ان نسميه مصادرة الدين واستغلاله لخدمة مصالح فردية او فئوية.

ومن المفارقات العجيبة حقا ان منابر الإعلام الديني تستغل مبدأ حرية التعبير والحرية العقائدية بهدف التعبير عن الرؤى والافكار لتوجيه الرأي العام ومصادرة رأي الآخر وحريته تحت لافتة المقدس الذي يبرر امتلاك الحقيقة المطلقة ويتم في ذلك  استغلال الحالة الإيمانية الميتافيزيقية القائمة على التسليم لغايات مصلحية ونفعية مادية.

ومن هنا، يأتي منزلق الغلو والتشدد اذ توظف المنابر  الإعلامية الدينية لخلق عصبيات عبر استدراج بعض البسطاء من ذوي التكوين العلمي والفكري المحدودين  والإيمان السطحي بغية استغلالهم  وجرهم جرا الى التزمت الذي يقود الى رفض الآخر في درجة أولى ثم الصراع معه وقد يبلغ الأمر ذروته بالتكفير الذي يقود إلى العنف اذ يبلغ الأمر ذروته  عندما يقود الغلو الى مشهد دموي تتعدد تفاصيله وتتنوع من خلال هجمات إرهابية تقف خلفها تبريرات دينية في فكر يروج له عبر هذه المنابر التي كانت منطلقا لحديثنا.

وتزداد الخطورة مع الانفجار الكبير في عدد الفضائيات الدينية ومواقع الحاملة لهذا الفكر على شبكات الانترنات حتى بتنا نتحدث اليوم عن جماعات  توظف هذه المنابر لتجنيد الشباب وغسل دماغه للالتحاق ببئر التوتر مثلا تحت لافتة تبدأ عادة بالبحث على معرفة أصول الدين والتفقه فيه وبأشراف شيوخ ممن يحتكرون المعرفة الدينية.

ورغم ان احد ادوار الاعلام عموما والاعلام الديني خصوصا احترام مبدأ التعايش في مجتمعات متعددة ثقافيا واثنيا وطائفيا الا انه غالبا ما يقوم  بالتحريض على الانقسام والتفرقة واشعال الفتن.

ووهو يستغل مجال الحرية المتاحة له لبث ما يريد وقول ما يريد واقصاء الرأي الاخر المخالف وغالبا ما تقوم عديد منابر الاعلام الديني على مبدأ احتكار الحقيقة المطلقة وتسفيه الاخر المختلف دينيا وعرقيا ومذهبيا وحتى سياسيا.

وما يدعو الى الاستغراب حقا هو ان الفوضى الاعلامية والدينية غيبت الدور الحقيقي الذي يمكن ان يلعبه الاعلام الديني  و هو ان يقوم بتجسير الفجوة بين الاديان والثقافات من خلال تشييد امكانات حوار على اساس الندية والتثاقف والاعتراف بمبدأ الاختلاف في إطار من الثقة والاحترام المتبادل وهذا لا يتم سوى بدحض ثقافة الاحتكار المعرفي في المجال الديني وتسفيهها وإرساء دعائم ثقافة الاعتراف بالآخر واحترام اختلافه.

وقبل هذا كله يمكن أن يؤصل الإعلام الديني الثقافة الدينية ذات المنابع الصافية المستمدة من جوهر الدين وروحه والقائمة على نشر ثقافة التنوير والتسامح والاعتدال.

وفي هذا السياق يمكن ان تقوم المنابر الإعلامية المهتمة بالشأن الديني أيضا بالاعتراف بأهمية الاختلاف وحتميته وتقدير وجوده وعدم تبخيس مكانته وفعله وهذا من شانه ان يساعد على التواصل الاجتماعي المجدي والمثمر

إذن يمكن أن ييسر الإعلام الديني إذا ما انبنى على مرتكزات داعمة ومؤثرة إيجابا في دعم التعايش والقبول بالتنوع والاختلاف والإسهام في إدارة آلياته باعتماد منهج عقلاني وموضوعي  ويقوم على مبدا الإنصاف.

ولعل الفائدة القصوى التي يمكن ان تحصل من هذه المنابر الاعلامية المعنية بالظاهرة الدينية هي دعم الاندماج الاجتماعي في صلب الوطن الواحد دعما للسلم الاهلي ودرءا للمخاطر التي يمكن ان تحيق به اذا ما انكفات ثقافة الاختلاف دور المؤسسات المنتجة لمنابر الاعلام الديني عندما يرتبط النص المقدس بالقائم على تقديمه

لاشك انه من الضروري التساؤل عن المؤسسات الاعلامية المنتجة للبرامج الدينية سواء تلك الفضائيات المتخصصة او تلك التي تقوم على برامج جامعة وتحتل البرامج الدينية فيها حيزا معلوما.

ولابد من الاشارة الى تناسل وتنامي عدد الفضائيات المتخصصة في الشأن الديني واذا كانت هناك فضائيات متخصصة في بث القران الكريم وتفسيره فإن عددها يعد قليلا بالمقارنة مع الفضائيات التي تقوم على برامج الفتوى والتي يقدمها شيوخ روجوا لفكر يقوم في مجمله على الغلو وعلى التطرف فهم يروجون الى تعظيم بعض  الاديان  على حساب الاخرى وتقزيم بعض المذاهب في صلب الدين الواحد.

من خلال   الالحاح على مقارنات من شانها ان تشعل الضغائن والاحقاد في صلب المجتمع الواحد في سياق باتت فيه جل المجتمعة سريعة الالتهاب وجاهزة للانفجار.

حدث هذا في سياق عصفت تغييرات كثيرة بالحالة الايمانية للافراد والمجتمعات وتغير مكونات فطرية كثيرة بعد عقود من التحولات ادت الى تشويه الدين وتوظيفه يخدم اغراضا طائفية وسياسية.

ولأن الوسائط الاعلامية الحديثة سريعة التأثير وناجعة في الوصول الى العقول والنفاذ الى القلوب وهي تتجاوز بذلك اثر الكتاب او الدراسة والبحث العلمي الرصين او حتى الصحيفة او المجلة باعتبارها تتطلب مجهودات مضنية سواء في الانتاج او التقبل فإنه تم توظيفها من اجل  تأسيس أركان تجارة مربحة جدا وتأثيرها مضمون على العقول.

ولتحقيق الغرض ولضمان اعلى درجات الاثارة تقوم هذه البرامج مواضيع جدالية وخلافية و على اختيار شيوخ مخصوصين عرفوا بغلوهم وتزمتهم  للفتوى ولمحاورتهم كما ان اسلوبهم الخاص الذي يقوم على الصوت المرتفع وعلى اعتماد الشتائم وهذه ميزة ما يمكن ان يسمى خطابا شعبويا بامتياز يمتلك امكانات استقطاب اكبر عدد ممكن من الجماهير العريضة او عموم التونسيين.

وتكمن ذروة الخطورة في ربط النص المقدس بمن يتولى تقديمه وهنا يمكن تقويل هذا النص الديني ما لم يقله  وهو ما يجعله مالكا للحقيقة المطلقة ومنزها عن النقد وهنا يتم استغلال الدين كأسوأ استغلال ومن خلال الخطاب الديني يتم تمرير افكار ورؤى معينة تنتصر لتوجه سياسي وثقافي واجتماعي غالبا ما يلتبس بغايات مشبوهة.

وهنا تتخلى البرامج الدينية لاسيما في الفضائيات المختصة عن دورها الروحي الأساسي كما يغيب الفكر التنويري عنها.

وهنا من المهم ان تتولى المؤسسات الاعلامية الجامعة بالاعتماد على المؤسسات الدينية الرسمية على غرار جامعة الزيتونة في تونس والازهر في مصر مثلا وكذلك كليات الاعلام بدور مركزي في تحجيم اثار بعض الدكاكين المتاجرة بالدين  تحت مسميات اعلامية حفاظا نصاعة صورة النص الديني من التشويه وتحفيزا للاجتهاد والتجديد في مجال الفكر الديني  بهدف اغنائه واثرائه من ناحية وايضا سعيا الى حسن ادارة التنوع والاختلاف من اجل صون السلم الاهلي  ودرء الفتن والطائفية البغيضة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق