رأي التحرير

هل بقي للمنظمات النسوية دور اليوم في تونس؟

رأي التحرير

لاشك أن السؤال يبدو للوهلة الأولى غريبا وربما صادما خاصة بالنسبة إلى من تنتمي إلى مثل هذه المنظمات النسوية او من تحمل الفكر النسوي … غير ان التمحيص في هذا السؤال الإنكاري وتأمله بالعمق والجدية يمكن ان يفتح لنا مجالات  للنظر في واقع وآفاق المنظمات النسوية الموجودة في عالمنا العربي.

لاشك ان المتأمل في خارطة العمل الأهلي،  بالتعبير المشرقي او الجمعياتي كما يسمى في تونس، يدرك دون بالغ عناء الكم الكبير للمنظمات النسوية في العالم العربي.

وقد عاش المشهد التونسي مؤخرا على وقع مؤتمر المنظمة النسوية الأعرق في تونس وهي الاتحاد  الوطني للمرأة التونسية وأسفر عن إعادة تجديد الثقة في الرئيسة راضية الجربي.  وفي هذا المؤتمر، طرحت عديد القضايا المتصلة بالشأن النسوي وبالأدوار الموكولة الى هذا الاتحاد وغيره وإمكانات التأثير في واقع المرأة.

ارتبط الاتحاد الوطني للمرأة ارتباطا وثيقا وعضويا بالاستقلال وبتأسيس الدولة الوطنية، باعتباره احد ابرز المعالم الدالة عليها، لاسيما من خلال قطيعته مع الماضي ومحاولة التأسيس لبناء جديد يتسق مع المشروع الحداثي الذي تنادت إليه النخب السياسية في عام 1956، تاريخ الإعلان عن هذا الاتحاد الذي أسندت رئاسته الشرفية لوسيلة بن عمار، اما الفاعلات فيه فكن من النساء الدستوريات، وأبرزهن راضية الحداد وفتحية مزالي وشادلية وسعيدة بوزقرو.

وقد كانت احد اكبر أهدافه القطع مع  المنظمات النسوية التي ولدت وترعرعت في بيئة محافظة وظلت وفية لمعالمها، ومن بينها الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي الذي اختفى بعد ذلك أمام المد النسوي الرافع لشعارات الحداثة والرافع لمقومات الدور التقليدي للنساء.

 

المناضلة بشيرة بن مراد التي ترأست الإتحاد النسائي الإسلامي التونسي منذ نشأته إلى حله في 1956

 

صورة تجمع بن مراد وفرحات حشاد رائدي الحركة الوطنية

 

وعلى هذا الأساس يمكن القول ان الاتحاد النسائي وغيره من المنظمات النسوية التي نشأت في تونس ما بعد الاستقلال كان الهدف منها نشر سياسة الدولة والمساعدة في إرساء مقومات مجتمع جديد خدمة للمشروع التحديثي الذي راهنت عليه دولة الاستقلال ورفضت كل من تحفظ عليه او نقده.

لعب الاتحاد دورا دعائيا أحيانا وتثقيفيا  أحيانا أخرى، وكانت النساء الرائدات ينتقلن الى الأرياف والمناطق النائية للتعريف بعديد القوانين والمواضيع المتصلة بكل ما يريده الفاعل السياسي في المجتمع، على غرار سياسة تحديد النسل ومنع تعدد الزوجات وتعليم البنات وغيرها.

وعلى هذا الأساس يمكن القول ان المنظمات النسوية التونسية وتحديدا الاتحادات النسائية كانت في علاقة متماهية  مع السلطة السياسية الحاكمة، وكانت حاملة لواءها بأكبر قدر ممكن،  ولو على حساب الحاجيات والاستحقاقات الحقيقة لنساء تونس. 

كما أصدرت الاتحاد مجلة باسم المرأة تدور في فلك الحزب الحاكم وتعبر عن رؤاه واستراتيجياته في المجال المرأة والأسرة عموما.

ولعل هذا ما يفسر في فترة ما جمع السيدة فتحية مزالي بين رئاسة الاتحاد وتولي شؤون وزارة المرأة، وهو أمر قد يبدو نظريا غريبا، ولكنه حصل.

ومن دلائل ذلك ابتعاد السيدة راضية حداد عن العمل في المنظمة عندما حدث جفاء بينها وبين بورقيبة الذي اختلفت معه في الرأي.

وظل الدور، نظريا، تثمين المنجز الحداثي والإعلاء من قدره، تماشيا مع ما كانت السلطة تروج له في ما يتصل خاصة بريادتها في مجال التشريعات التي تمس مكاسب المرأة وحقوقها.

ان المنظمات النسوية التونسية وتحديدا الاتحادات النسائية كانت في علاقة متماهية  مع السلطة السياسية الحاكمة، وكانت حاملة لواءها بأكبر قدر ممكن،  ولو على حساب الحاجيات والاستحقاقات الحقيقة لنساء تونس.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن دوره كان نخبويا، رغم الجهود  الميدانية   التي بذلت في بداية ظهور الاتحاد، خاصة بهدف نشر ثقافة الحداثة لدى عموم التونسيات اللواتي كنا يرزحن تحت وطأة الجهل والفقر والأمية والتخلف بكل تمظهراته. إذ انحسرت وظيفة المنظمة تدريجيا، وأصبحت سياسية صرفة حتى جانفي 2011.

وهنا يمكن أن نتحدث عن الرجة التي عاشها المجتمع التونسي بأكمله والتي عصفت بكثير مما كان يعتقد انه من الثوابت، إذ سمحت الحرية المتاحة بطرح الأسئلة الحقيقة وإعادة النظر في كثير من المسلمات في جميع المجالات، بما فيها تلك المتعقلة بقضايا المرأة.

وكادت هذه التحولات ان تعصف بوجود الاتحاد الوطني للمرأة التونسية نفسه، نظرا لارتباطه بمنظومة سياسية كان في الحقيقة احد الأذرع التي تعبر عن سياستها وتروج لها أكثر من خدمة قضايا المرأة ومشاكلها الحقيقة.

والآن يبدو أن هذا الاتحاد الذي يرمز في الحقيقة، او يحيل على كثير من المنظمات النسوية التي كان دورها محتشما بالمقارنة مع حضوره الطاغي، وهو الآن يعيش مرحلة البحث عن الذات من جديد ويحاول إيجاد توازن في المشهد التونسي عموما.

هو بذلك يريد ان يعود إلى منابعه الأولى والى منطلقاته، ليؤكد من خلال أنشطته المعلنة وتصريحات عديد من النساء اللاتي ينضوين تحت لوائه ان هدفه حماية حقوق المرأة ومكتسباتها ضد كل مظاهر الردة او النكوص، مهملا دورا مركزيا كان يمكن ان يلعبه، وهو الالتصاق بقضايا الكادحات في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية.

والحقيقة ان المنظمات النسوية المستقلة في تونس التي جعلت احد أهدافها مقاومة الاستبداد في ظرف تاريخي ما، لم تكن فاعلة بالقدر الكافي. كما ان المنخرطات فيها لم يكن عددهن كبيرا ولا لهن تأثير يذكر، لاسيما وقد طغى عليها الطابع النخبوي، او بالأحرى بالغن في نسويتهن وجعلن من بعض قضايا الحرية الفردية مسألة مركزية بالنسبة إليهن على حساب الواقع الموجع لفئات كثيرة من نساء تونس.

فالحقيقة أن تأثير الاتحاد يبقى محدودا جدا، رغم عراقته وتاريخه والأدوار التي أراد له الفاعل السياسي القيام بها، لذا لعله من المهم ان يشرع في مراجعة أدائه   طوال العقود الماضية.

فبالرغم أن المنظمة منذ ستين عاما وهي تبشر بالارتقاء بأوضاع المرأة، إلا أننا لازلنا نعاين معاناة النساء من الفقر والتهميش والعزلة والاستغلال بمختلف أنواعه والعنف بكل أشكاله، وهذا ما يعني فشل المنظومة التي دافع الاتحاد النسائي عنها في النهوض بالمرأة، فظلت آلاف النساء مقصيات منبوذات، مما يمكن ان نسميه على سبيل الطرافة ” جنة الحداثة “.

شهد سلامة

عن هيئة تحرير مجلة ميم

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد