ثقافة

أيام قرطاج السينمائية، “حتى انت سينما”!…

ثقافة

يمشي العشرات على السجاد الأحمر في الافتتاح ويمشون في الاختتام في مشهد سينمائي أمام فلاشات المصورين، يبتسمون، يتنقلون هنا وهناك،  توزع الجوائز ويعودون. أيام ننتظر منها الكثير في كل دورة  ولا تفاجئنا حقيقة الا اذا تمكنت من تخطي بعض الإشكاليات القديمة المتكررة .

ولم يخف نجيب عياد مدير الدورة ال28 لأيام قرطاج السينمائية خلال كلمة ألقاها يوم أمس في الحفل الختامي بعضا من المساوئ التي رافقت برنامجها منذ يوم انطلاقها.

اخلال باتت تقليدا عاديا مضجرا لمهرجان عريق أسس للارتقاء بالسينما والحركة الثقافية بالبلاد وترويج صورة تونس خارجيا، الا أنه عاجز الى حد الآن على فك شيفرته وحل مشاكله التي تتعاظم من دورة الى أخرى.

فهل يمكن أن يتحسن المهرجان رغم التحديات التي يواجهها؟

سؤال نطرحه بعد اسدال الستار عن دورة جادت بما فيها من اخلالات تنظيمية ولوجستية، وهوة بين عدد الأفلام المعروضة والبالغ عددها 280 فيلما من جهة، وعدد القاعات المخصصة لها والتي لا تتجاوز ال20 قاعة، من الاخرى، الى جانب الانسحابات لأفلام واحتجاجات رافقت أخرى، لم يرد عليها مدير المهرجان.

في انتظار صك التوبة

ان الحصول على تذكرة للدخول الى أحد العروض أشبه بمشهد انتظار “صك التوبة” الذي صوره المعري في مؤلفه الشهير “رسالة الغفران”، حيث حاول ابن القارح دخول الجنة بكل الطرق..  ولئن حصل عليها الأخير في النهاية ودخلها، فإن الكثير من الجماهير التي تحدت الأمطار والبرد ومشقة الوقوف في صف طويل لساعات لم تنجح في اقتناء تذكرة للدخول الى قاعات العروض!

وقد قال مدير أيام قرطاج السينمائية إن مجموعة من الصعوبات والهنات رافقت التظاهرة، كصعوبة الحصول على التذاكر والدخول الى أغلب القاعات، الى جانب الاكتظاظ وتأخير بعض العروض، متسائلا: “هل سنتمكن يوما من تجاوزها أم أنها سمة من سمات المهرجان أو ربما هي نقطة من نقاط قوتها؟”

سارة الطرابلسي صحفية ومتابعة للشأن الثقافي وايام قرطاج السينمائية خاصة، قامت بمواكبة المهرجان وحاولت مشاهدة جميع الأفلام، الا أنها لم تنجح في ذلك لعدة أسباب أهمها سوء التنظيم. 

فقد بينت لمجلة ميم أن “اقتناء التذاكر من الخيمة المركزية في شارع الحبيب بورقيبة فكرة جيدة تتيح للمتابعين شراء تذاكر لجميع الأفلام ولجميع الصالات، ولكن للأسف غير فاعلة.  فاذا ما انتهت تذاكر فيلم معين لا يتم الاعلام بذلك ونشره للعموم، الى أن يصل المشاهد الى الشباك بعد ثلاث أو أربع ساعات من الانتظار ليتم اخباره بذلك..وهو ما أثار غضب الكثيرين”.

كما أن” إدارة المهرجان اختارت التعامل مع شركة فرنسية ((OVH التي قامت بقطع الأنترنت يوم الخميس الماضي عن شبابيك التذاكر من التاسعة صباحا الى الرابعة بعد الزوال، وهو ما حال أمام فرصة الحصول على تذكرة للدخول الى قاعة العرض و تسبب في فوضى لعدم توفير المعلومة للجمهور.

الطرابلسي أوضحت في ذات السياق أنه “رغم ادخال البريد التونسي كشريك في هذه الدورة، وهو ما استبشرنا به خيرا لتسهيل عملية شراء التذاكر عن بعد، الا أن إدارة المهرجان لم توضح كيفية الحصول عليها، وان تمكنا من الحجز سيكون علينا الوقوف لساعات من أجل الحصول على التذكرة من القاعات، نفس الاشكال بالنسبة لأصحاب الاشتراكات وجميع الحجوزات”.

مهرجان السينما يتزامن مع فترات الدراسة وأوقات العمل بالنسبة للتونسيين، وساعات الانتظار الطويلة لا تناسب وضعية طالب أو تلميذ أو موظف ينهي عمله آخر النهار. فأنّا لنا أن نتجاوز هذه الاخلالات بعد كل هذه الدورات التي مرت؟! فمهرجان في قيمة قرطاج لا نجد فيه اعلانا رسميا لجميع الأفلام قبل عرضها أمر غير مقبول!

يشهد لهذه الدورة اننا تجاوزنا الاشكال المتعلق بالحفر التي أسقطت العديد من الممثلات، أرجو في الدورة القادمة أن نتجاوز اخلال الأربع ساعات من الانتظار أمام الشبابيك!”

“ديقاج” لمخرجة فيلم الجايدة سلمى بكار

شهدت قاعة الكوليزي بالعاصمة حالة من الفوضى بالتزامن مع عرض فيلم “الجايدة” للمخرجة التونسية سلمى بكار ولم تتمكن المخرجة من تهدئتهم بعد صعودها على الركح . ورفع الجمهور شعار “ديقاج” في وجه بعض الممثلين الذين حاولوا انقاذ الموقف، من أبرزهم فريال يوسف.

وتعود أسباب الاحتجاج الى التأخير الحاصل في موعد الفيلم دون اعلام الجمهور الذي وقف خارجا ساعات قبل الدخول.

تأخير تجاوز الساعتين من الوقت المحدد، حيث كان من المبرمج عرض الفيلم على الساعة التاسعة ليلا، ولكن تأجل إلى حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا.

تصعيد من الجمهور بلغ أقصاه عندما منع أغلبه من الدخول رغم استظهاره بالتذاكر، بعد طول انتظار، بسبب امتلاء القاعة بضيوف مخرجة الفيلم وأصحاب الدعاوي الخاصة، منهم أبناء الحزب التي تنتمي اليه.

كما تسبب التدافع بعد رفض ادخالهم من قبل الأمن في تعرض البعض الى الضرب وحالات إغماء واختناق واستعمال الغاز المسيل للدموع لتفريقهم.

وقالت سلمى بكار في تجاهل لأسباب الاكتظاظ الحقيقية، “لو علمت حجم الاقبال الغفير على فيلمي لقررت عرضه في ملعب لكرة القدم”، تصريح أثار غضب الكثيرين وطالبوا بمقاطعة أفلامها.

“القضية رقم 23”

فيلم أثار ضجة قبل عرضه في الأوساط التونسية والفلسطينية حيث نظم مجموعة من الشباب التونسي، يتخللهم بعض الشباب الفلسطيني، وقفة احتجاجية أمام القاعة المخصصة لعرضه للتعبير عن رفضهم لعرض الفيلم متهمين القائمين عليه بالتطبيع بسبب تصويره في تل أبيب.

وقفة دعت اليها “الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني” وطالبت بمنع عرض الفيلم، هذا وأكد الناطق الرسمي باسم الحملة غسان الخليفي في تصريح اعلامي” أن الحملة لديها تحفظات كبيرة على الفيلم و “أن المخرج معترف بإسرائيل وتعامل مع المنتجين والإعلاميين خلال التصوير”.

من جانبه، قال زياد الدويري مخرج الفيلم في ندوة صحفية ابان المهرجان “لن أجيب الصحفيين والناس الذين شنوا حملة اتهموني فيها بالتطبيع ولن أجيبهم لأنني لا أقبل أن يزايد علي أحد بخصوص القضية الفلسطينية التي رضعتها في حليب أمي، والتصوير في فلسطين قرار فني، وهناك فلسطينيون يصورون في فلسطين وبتمويل إسرائيلي، لكن فيلمي ليس ممولا من إسرائيل، واختياري للمكان، لإضفاء مصداقية مع المشاهد العالمي..”.

تحت مسمى البروباغندا الأسدية مخرج سوري ينسحب

انسحب المخرج السوري سامر العجوري صاحب فيلم التحريك القصير “الولد والبحر”، من “أيّام قرطاج السينمائيّة” احتجاجًا على مشاركة الفيلم الروائيّ الطويل “مطر حمص” للمخرج جود سعيد في المهرجان.

واتهم العجوري في بيان له أن الفيلم “هو بروباغندا مخابراتيّة أسديّة منتجة من قبل النظام السوريّ تروّج عن طريقه لفكرة المؤامرة الخارجيّة وتتهمّ جهات إسلاميّة مختلفة أو غيرها بقتل أبناء حمص وتشريدهم وتدمير بيوتهم وحرقها.

وأضاف “إنّ وجود الفيلم على قائمة أفلام المهرجان هو تصريح من إدارة مهرجان قرطاج بدعمهم لرواية النظام السوريّ المجرم وعرض الفيلم في صالات المهرجان هو مشاركة حقيقيّة في ترويج تلك البروباغندا”.

من جهتها، أكدت ادارة المهرجان أنها “تتعامل مع الأفلام كمنتوج سينمائي لا كأداة للتوجيه السياسي”.

مهرجان لا يخلو من النقائص رغم اجماع أغلب المتابعين  على التنظيم المحكم لهذه الدورة، مقارنة بسابقاتها.

ولكن تكرار نفس الأخطاء أصبح مسألة غير مقبولة اليوم، في مهرجان دولي ينتظر منه الكثير داخليا وخارجيا، خاصة أن نسبة اقبال الشباب عليه بلغت أرقاما قياسية أدهشت ضيوف تونس، وعلى إدارة عياد العمل على إصلاحها، لأن سوء التنظيم يصرف الأنظار عن الإنجازات التي يحققها الحدث، والمجهودات المبذولة من اجلها، كما انه يصيب الجمهور بخيبة أمل، وهو المتحمس للمهرجان الحريص على نجاحه الذي طالما غفر له هناته وأخطاءه العديدة.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد