مجتمع

   نساء في الصفوف الأمامية لمحاربة الإرهاب

مجتمع

هن نسوة قست عليهن الطبيعة و الحياة، يسكن في مناطق جبلية وعرة، ويصارعن القدر من أجل افتكاك لقمة العيش لكونهن  المعيلات الوحيدات للعائلة. وفي كثير من الأحيان تغمس هذه اللقمة في دماء الكادحات مناضلات الفقر والإرهاب.

تحتوي البلاد التونسية على سلاسل جبلية تزخر بثروات طبيعية كثيرة تعد المصدر الوحيد لعيش سكان تلك المناطق التي  تمتد خاصة على ولايات  القصرين والكاف وجندوبة في الشمال الغربي القريبة من الجزائر.

تغير نمط العيش لدى سكان المناطق المحاذية للجبال منذ ان اتخذت منها الجماعات الإرهابية ملاذا لها، تتحصن فيها  وتنفذ  هجماتها الإرهابية ضد المؤسستين الأمنية والعسكرية.

احتدام الحرب على الإرهاب …اعلان مناطق عسكرية مغلقة

بدأت المؤسستان الأمنية والعسكرية حربهما على الإرهاب منذ استشهاد الوكيل بالحرس الوطني أنيس الجلاصي، يوم 10 ديسمبر 2012 اثر  مواجهات بين عناصر من الجيش والأمن الوطنيين ومجموعة مسلحة، بمنطقة الشبيكة التابعة لولاية القصرين والواقعة  على الحدود الجزائرية.

كانت منذ أواخر سنة 2012 جبال ولاية القصرين مسرحا لملحمة جديدة بين القوات المسلحة التونسية و المجموعات الإرهابية التي تحصنت بمرتفعات القصرين.

وقد أصدر رئيس الجمهورية السابق محمد المنصف المرزوقي  يوم 11 أفريل 2014 قرارا جمهوريا يتعلق بإعلان جبال الشعانبي وسمامة والسلوم و مغيلة بولاية القصرين و جبل ورغة بولاية الكاف و مرتفعات جندوبة مناطق عمليات عسكرية مغلقة يحجر على المواطنين الدخول اليها الا بترخيص مسبق.

في الوقت الذي كانت تخوض فيه القوات المسلحة حربها ضد الإرهاب، اشتعلت حرب موازية في المناطق المحاذية للجبال، يمكن أن نطلق عليها “حرب البطون الخاوية” باعتبار أن هذه السلاسل الجبلية تعتبر مصدر عيش سكان هذه المناطق.

فعشرات العائلات بولايات القصرين والكاف وجندوبة تقتات من الثروات الطبيعية التي تعد مورد رزقها الوحيد.

  نسوة يقعن في فخ الألغام

حتى نفهم وضع المرأة  في المناطق المحاذية للجبال، وجب علينا ان نتحدث عن طبيعة وخصائص هذه المناطق التي تعتبر الخط الأمامي في الحرب ضد الإرهاب.

هي مناطق يعيش سكانها في تجمعات سكانية متفرقة يطلق عليه تسمية “دوار” تكون المنازل فيه منتشرة هنا وهناك، تجمعات سكنية لا يفصلها عن المرتفعات الجبلية سوى بضعة أمتار وعدد منها تحيط به الغابات من كل الاتجاهات.

ما يميز المرأة الريفية في تلك البقاع صلابتها وصبرها على الحياة القاسية، تقارع الظروف الصعبة لتطعم أفواها جائعة لا معيل لها سواها. تسعى في رزقهم كل فجر وهي تدرك أن طريقها عبر الجبل بمسالكه الوعرة محفوفة بالمخاطر.

 ” شهيدات أو مصابات، الألغام تفتك بنا، ولا خيار لنا سوى الجبل”

عديدة هي القصص عما يحدث مع نساء جبال سمامة والشعانبي وورغة وغيرهن، وخاصة تلك التي تتحدث عن ارتفاع حصيلة النسوة اللاتي كن فريسة لمصيدة الألغام التي زرعتها الجماعات الإرهابية في المرتفعات لاستهداف القوات العسكرية التي تنفذ عمليات وحملات تمشيط بالمرتفعات.

مالية هلالي فتاة  في عقدها الثالث نجت بأعجوبة من حادثة انفجار لغم ارضي معد لتفجير

مالية مبتسمة لنا حين حديثنا معها

المدرعات العسكرية.

تقطن  مالية في منطقة الوساعية  المحاذية الى جبل سمامة  رفقة والدتها المسنة.

وهي المعيل الوحيد لوالدتها، تجمع الإكليل، ثم تبيعه لتسد رمق والدتها المسنة، وتحصل على القليل من المليلمات التي لا تتجاوز الخمس دنانير في اليوم  لتشتري بها دواء والدتها وتوفر كل حاجيات المنزل.

في حوار لها مع مجلة ميم تتحدث مالية بصعوبة وهي تجمع ما تبقى لها من ذكريات  مضى عليها سنة “أسوء يوم في حياتي كان فجر  يوم الاثنين الموافق لـ 30 ماي  2016، كنا في فجر كل يوم نتجه نحو  جبل سمامة لجمع الإكليل وهو مورد رزقنا الوحيد.”.

“لم يبد لي ذلك اليوم عاديا وأنا في طريقي رفقة شريفة هلالي وخيرة هلالي الى جبل سمامة لجمع الإكليل، شعرت بالخوف الشديد، وكانت دقات قلبي تتسارع كلما اقتربنا أكثر إلى الجبل”.

وتواصل مالية حديثها بحرقة عن الجبل وما يخفيه من أسرار وما يعكسه من مشقة المرأة الريفية الكادحة و الأموال القليلة التي تجمعها بعد يوم كامل من العمل طيلة قرابة 12 ساعة “كنا نغادر المنازل مع الساعة الخامسة صباحا لنعود إليها في حدود الخامسة مساءا، نبحث عن الأعشاب الطبية، نجمعها ونبيعها لنعيل عائلاتنا فهي مورد رزقنا الوحيد. نعلم أن الجبل قد يقتلنا، لكن لا غنى لنا عنه. نعلم أن هناك ارهابيين مختفين خلف الأحراش وعمليات عسكرية، وأخطارا أخرى تهددنا، لكن ماذا نفعل؟! حين أفكر في أمي الجائعة أتغاضى عن مخاوفي وأستمر في طريقي”

“استشهدت خيرة وشريفة … فقدت البصر”

” بعد قرابة الساعة سيرا على الأقدام توغلنا داخل جبل سمامة وكنا نسير فرادى وجماعة وكنت أنا وخيرة وشريفة نتقدم المجموعة إلى أن داست الشهيدة شريفة على قطعة قماش كانت مطمورة تحت التراب، وعندما رفعت قدمها انفجر اللغم. طرت أنا في الهواء وسقطت بعيدة عن مكان الانفجار قرابة المتر أو المترين، وبعد ذلك لم أعد اشعر بما يدور حولي”.

في ذلك اليوم، اهتزت ولاية القصرين لهول الحادثة التي جدت بمنطقة الوساعية، فقد خلفت العبوة الناسفة التي أعدت لتفجير الدبابات، أشلاء جسدي شريفة وخيرة، وتسببت في اصابة مالية.

 

عندما علم أهل المنطقة بما حدث توجهوا إلى المكان البعيد، إلى المكان الذي كان شاهدا على ملحمة نسوة الأرياف الكادحات، فلم يجدوا سوى الأشلاء منتشرة في كل مكان.

نقلت مالية على متن طائرة هليكوبتر إلى المستشفى الجهوي بالقصرين ثم إلى المستشفى العسكري بتونس العاصمة حيث خضعت لسلسلة من العمليات الجراحية، إلا أنها فقدت البصر ولم تعد قادرة على العودة إلى الجبل للعمل وإعالة والدتها.

حادثة ليست الأولى ولا الأخيرة

قائمة المصابات في الجبال طويلة والاسماء كثيرة،  لكن تبقى لقمة العيش السبب الأول والأخير وراء وقوع نساء المناطق الجبلية في فخ الألغام.

فضيلة عباسي ريفية أخرى أصيبت جراء انفجار لغم في جبل سمامة، بينما كانت بصدد جمع الحطب، مما أدى إلى  بتر ساقها، وأصبحت بعد ذلك عاجزة عن الحركة و إعالة أبنائها أو حتى ايصالهم للمدرسة.

يعيش سكان  المناطق الريفية أوضاعا اجتماعية  صعبة حيث تنعدم المشاريع التنموية ومواطن الشغل ويضطر الزوج إلى مغادرة المنطقة الى المدن بحثا عن العمل خارج مسقط رأسه، في حين تلجأ الزوجة إلى الضيعات الفلاحية أو الجبال للعمل لإعالة أبنائه.

الخالة فضيلة عباسي ربة منزل، تقطن في منطقة تربخانة المحاذية لجبل سمامة، أم لخمسة أطفال وسادسهم رضيع لم يتجاوز عمره 6 أشهر “كنت برفقة زوجي بصدد جمع “الزقوقو” في جبل سمامة (الصنوبر الجبلي يباع لأهل العاصمة أساسا لصنع نوع من الحلويات تدعى العصيدة) حين انفجر  لغم أرضي تحتي تسبب في بتر ساقي. وقتها كنت حاملا بإبنتي في شهري  الثالث …  أنقذوا حياتي وحياة ابنتي بصعوبة بعد أن أصبت بنزيف حاد”.

تواصل فضيلة حديثها “لم اعد قادرة على العمل لا داخل منزلي ولا خارجه بعد الحادثة، وتفاقمت ديوني، حتى أني عجزت عن توفير الحليب لابنتي بسبب تأزم ظروفنا المالية، خاصة أن زوجي من ذوي الاحتياجات الخصوصية وغير قادر عن العمل.”

ظاهرة النزوح نحو المدن حل أم مأزق؟

“لم تعد الحياة تطاق في المناطق المحاذية للجبال فإما أن تموت جوعا أو تموت جراء الألغام أو يذبحك الإرهابيون، فعن أي حياة تتحدثون؟!”.

هكذا حدثنا “حمزة قاسمي” مستنكرا. هو كهل في عقده الخامس، أصيل منطقة سيدي حراث غير البعيدة عن جبل سمامة، موظف يقطن في مدينة القصرين، لكن عائلته الموسعة تقطن بهذه المنطقة التي يصفها بالمنطقة “المهمشة المناضلة”.

“عدد هام من العائلات غيروا مقرات سكنهم واتجهوا إلى مدينة القصرين هربا من شبح الإرهاب ومن خطر الفقر والتجويع أمام غياب المشاريع ومواطن الشغل.”

يواصل حمزة حديثه بغضب “لا مرافق. الطرقات منعدمة، نشكو من العطش، شباب المناطق الريفية يعاني من البطالة. لذلك خيرت العديد من العائلات النزوح اما الى المدينة أو مغادرة المنطقة الى ولاية اخرى بحثا عن العمل والأمن.”

مالية هلالي، فضيلة عباسي والشهيدات الكادحات شريفة وخيرة هلالي وشهيدة جبل السلوم فضيلة رحيمي وغيرهن من النسوة كافحن من أجل لقمة العيش فكانت نهايتهن اما الاستشهاد أو العيش بإعاقة حرمتهن من العمل واعالة أبنائهن.

وضعيات اجتماعية لن تتحسن إلا ببعث مشاريع تنموية في المناطق الجبلية المحاذية للمناطق العسكرية المغلقة وتوفير مواطن شغل للمرأة الريفية التي تقف اليوم في الصفوف الأمامية لمحاربة الإرهاب،  فالتجمعات السكنية المحاذية للجبال جدار عازل يحمي  المناطق الحضرية من تمدد الجماعات الارهابية اليها.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.