ثقافة

حنة آرندت: اليهودية التي بررت الهولوكوست بتفاهة الشر

ثقافة

مفكرة وسياسية ألمانية من أصل يهودي ترفض تلقيبها بالفيلسوفة بقدر ما تفضل تسميتها بالمنظرة السياسية، قدمت للعالم نموذجا جديدا، عن المرأة المتمردة والثائرة، كتبت عن السياسة والعنف، أصول الشمولية، إضافة الى الثورة والسلطة …وعملت كمراسلة لصحيفة النيويوركر البريطانية خلال محاكمة القائد الألماني أدولف آيخمان، مقالات جمعتها فيما بعد ضمن كتاب “آيخمان في القدس”

ولدت في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 1906 وتوفيت في ديسمبر/كانون الأول من سنة 1975 تعد من الشخصيات النسوية المؤثرة في العالم بحضورها القوي وفكرها النقدي الحر ساهمت في تطويره من خلال “محاولة الفهم” التي تعتبر أنها الطريق الوحيد للتفكير والوعي وتلخص حياتها حقبة تاريخية مفصلية في تاريخ العالم ثقافيا واقتصاديا وايديولوجيا حيث يقول إرنست جيلنر إن “حياة هذه الناقدة اللاذعة تجسد أيضا جملة الحياة الفكرية والسياسية في عدة قرون أوروبية”

هي ابنة لعائلة علمانية من يهود ألمانيا وتحديدا بمنطقة هانوفر ودرست الفلسفة في الجامعة حيث جمعتها علاقة عاطفية بأستاذها الفيلسوف “مارتن هايدغر”.

وتوجهت فيما بعد للنظرية السياسية، هدفها الرئيسي الوصول الى الفكرة وفهم الناس لها بما ينطبق مع فهمها وفعل الكتابة هو تعميق لهذا الوعي ولكنها تقول “لو كنت أملك ذاكرة ممتازة قادرة على الاحتفاظ بأفكاري أشك بأني سأكتب حينها أي شيء على الاطلاق” لأنها لا تسعى أن تكون مؤثرة ” فالرجال يريدون أن يكونوا مؤثرين بالعادة في كتاباتهم” في حين أن المهمة بالنسبة لها “الفهم”.

من الفلسفة الى السياسة

بدء اهتمامها بالحقل السياسي بعد سن السادسة والعشرين مع وصول النازيين والايديولوجية الشمولية إلى الحكم في ألمانيا في عام 1933

حدث شكل نقطة تحول في حياة آرندت الفكرية مما دفعها إلى الابتعاد عن الفلسفة والتوجه إلى العمل السياسي فهاجرت من ألمانيا الى فرنسا بطريقة غير شرعية بعد اعتقالها لمدة أربعة أيام بسبب مشاركتها في الأنشطة السياسية مع منظمة يهودية وخاصة اثر الأحداث الفاصلة التي عاشتها في فبراير 1933 بعد احراق “الرايشتاق” (مبنى البرلمان) والاعتقالات غير القانونية في اطار “الحبس الاحتياطي” إضافة الى الأحداث التي تلته مما شكل بالنسبة اليها “صدمة مباشرة”.

في تفاهة الشر

دراسة فلسفية كتبتها بعد تغطيتها لمحاكمة القائد النازي أدولف آيخمان في بداية الستينات واعتبرت خلاها أنه انسان عاجز عن التفكير ومسيرا خلال عمله كمسؤول عن الإبادة وليس مخيرا، آراء دفعت ثمنها باهظا وتمت مهاجمتها من بني قومها حيث اتهمت بكرهها وتحقيرها لذاتها وأصولها وانفض الجميع من حولها ما عدى القليل وكان لذلك أثر كبير على بقية حياتها

نبذة عن أدولف آيخمان

شارك آيخمان كقائد وكولونيل قوات الأمن الخاصة لمكتب الأمن الرئيسي للرايخ في مناقشات لبرنامج إبادة يهود أوروبا وتعود إليه مسؤولية الترتيبات اللوجستية كرئيس جهاز البوليس السري جيستابو في إعداد مستلزمات المدنيين في معسكرات الاعتقال وإبادتهم

وبعد نهاية الحرب وسقوط ألمانية النازية هرب آيخمان سراً إلى عدة دول إلى أن استقر في الأرجنتين “متخفياً باسم جديد مبتعداً عن أية مظاهر قد تفضحه أو تكشف شخصيته الحقيقية، حتى العام 1960 عندما قبض عليه عملاء للموساد ونقلوه إلى إسرائيل، حيث حوكم بالإعدام وشنق في العام 1962، أحرقت جثته وألقي بالرماد في البحر الأبيض المتوسط.

“الشرور يرتكبها أشخاص نكرة، ليس لهم أي دافع ولا يملكون قناعات وليسوا سيئين وليس لديهم غايات شيطانية…يرتكب الشر أشخاص يرفض الواحد منهم أن يكون شخصا وهي ما أطلق عليها تسمية “تفاهة الشر”

أكدت حنة أنها لم تدافع عن آيخمان ولكنها حاولت الربط “بين الشخصية الاعتيادية الشديدة لهذا الرجل وبين أفعاله العظيمة في فظاعتها وشددت على أن “محاولة الفهم لا تعني المغفرة ولكن مسؤوليتي تحتم عليا أن أفهم وهي مسؤولية كل شخص يجرؤ على الكتابة في هذا الموضوع”

وأضافت في بحثها “إن الزعماء اليهود لم يتعاونوا في مقاومة النازية التي أبادتهم وكان بالإمكان أن يتصرفوا بشكل أفضل “الا أن دور البعض منهم خلال تلك الحقبة أعطى لمحة صادمة عن مدى التدهور الأخلاقي الذي سببته النازية في المجتمعات الأوروبية المحترمة سواء للمجرم أو الضحية. رأي ساهم في توسيع هوة القطيعة بينها وبين العديد من أصدقائها المقربين وزملاءها في الجامعة ودفع بها الى الاختباء لأيام في منزل وحيدة حتى لا تتعرض للعنف من قبل أطراف يهودية

كما شغلت قضية “تحقيق العدالة” تفكيرها والتي اعتبرتها أمرا مستحيلا خلال المحاكمة و”لن تحدث لأنهم يحاكمون ايخمان كشخص لم يعترف بأي نية لديه بارتكاب الأفعال الخيرة أو الشريرة تجاه اليهود بل هي أوامر لا يستطيع الا أن ينفذها وهو مجرد حلقة في سلسلة كاملة لنظام فاشي.” فلماذا يتركون الأيديولوجية ويحاكمون الأشخاص؟

آيخمان بثباته زعزع حنة آرندت ودفعها للتفكير ودراسة المحاكمة بشكل أعمق للفهم وليس للإدانة فقط

“التفكير” هي الكلمة المفتاح لأي محاولة فهم وفق مفكرتنا ف”منذ سقراط وأفلاطون أعتبر بمثابة “اجراء حوار صامت بين الشخص ونفسه” وهي قيمة مميزة في الانسان الا أن آيخمان تنازل عنها فلم يعد باستطاعته أن يستنتج ويميز أي أحكام أخلاقية

ف”العجز في التفكير مكن رجالا عاديين كثر من تنفيذ أفعال متوحشة هائلة” هذا هو الطرح التي ارتكزت عليها آرندت في تأسيسها لنظرية “تفاهة الشر” من جانب فلسفي لأن تجلي الأنفاس في التفكير لا تكون بالمغرفة فقط بل في القدرة على التمييز بين الخير والشر وبين الجمال والقبح وهو “يجنب الانسان الكوارث عندما تبدء السفينة في الغرق”.

اليهودية المعارضة لإسرائيل

تعتبر آرندت أن الشعب اليهودي مشتت كغيره من الشعوب المنبوذة، وهذا التشتت ولد نوعا خاصا من الدفئ “وأنا أعرف جيدا هذا الشعور الذي اختلف عندما تأسست إسرائيل”

وكانت من أشد الناقدين للسياسة الصهيونية تجاه القضية الفلسطينية من خلال كتاباتها ومواقفها وبالرغم من انخراطها في أنشطة لمنظمات صهيونية خلال الحقبة النازية سواء في ألمانيا أو فرنسا وغيرها من دول المهجر أكدت في عديد المرات أنها لم تكن يوما صهيونية بل كانت تحاول مساعدة شعبها خلال المحرقة التي تعرضوا لها من قبل نظام هتلر النازي خاصة أنها كانت المنظمات الوحيدة الفاعلة في ذلك الوقت والتي منحتها فرصة الرحيل من ألمانيا معتبرة أنه من السذاجة أن يربط “حبه لشعبها” بالسياسة لأن هذه المنظمات تقيم علاقات لتكون نافذة في العالم وهي لا تريد الدخول في الاندماج في اطارها بل تفضل حريتها

رؤية تختلف فيها آرندت عن كل المفكرين والفلاسفة اليهود الذين يباركون تأسيسها على أرض فلسطين فهي ترى أن “الشعب اليهودي يرمز له تاريخيا بفقدان الوطن، كان ذلك شيء جميل فقدته”

ترى أنها فقدت تحررها و”الوقوف خارج كل الروابط الاجتماعية والانفتاح الذهني” الذي عايشته والذي كان يحوي كمية ضخمة من “السحر والجاذبية” حتى أنها وقفت ضد البرنامج الصهيوني “بلتيمور” الذي ينص على تقسيم فلسطين وبرنامج “أتلانتيك” الذي كان يهدف لاخراج الفلسطينيين من بلدهم

ودعت في المقابل الى مشروع أخلاقي يقوم على “ثنائية القومية” في شكل جملة من القيم التي لا تعكس تسوية سياسية بقدر ما تهدف لجمع اليهود والفلسطيني في اطار واحد يتم خلالها فضل الدين عن الدولة واحترام الأقليات

كما اتهمت آرندت أحد مؤسسي دولة إسرائيل “دافيد بن غوريون” بأنه  “أصولي قوموي يحاول الهيمنة على الشعوب المتوسطية ولا يحاول كسب تعاطفها”.

تعتبر آرندت من أعظم مفكري القرن العشرين المغضوب عليهم في اسرائيل فلم تترجم مؤلفاتها الى العبرية ولا اتبعت قراءاتها في السياسات التي تنتهجها ولكنها خطت طريقا مستقلا دافعت فيه عن مبادئ جوهرية: أسماها الحرية، وقد صور فيلم ألماني عن حياتها في 2012 تخليدا لنظرية الشهيرة ” تفاهة الشر”

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.