دين وحياة

حقوق المرأة بين التجديد والخِطاب الإسلامي المتهالك

دين وحياة

من يعيش دون مصدرٍ للإلهام في حياته، قد يُبَرَر له الوقوع في الخطأ والتناقضات. أما المجتمع المسلم – بشقيه العامة والعلماء – فمن غير المتوقع وقوعه في دوامة الخلافات والتناقضات، بإعتباره صاحب المصدر الإلهي للإلهام (الوحي)، وكم هو مؤسف وجود وإنتشار بعض الروايات والآراء غيرالمنسجمة مع قواعد الإسلام وأصوله في المجتمع الإسلامي، كالفتاوي التي تنتقص من مكانة المرأة وتهضم بعضاً من حقوقها وتنظر إليها كتابع للرجل.


فما دور الخِطاب الديني في ذلك؟وهل غياب المنهجية العلمية في تقييم الآثار والمرويات، والافتقار لإسلوب التفكير الناقد هو السبب؟ وكيف يمكننا تطبيق هذه المنهجية؟نضع الإجابة بين أيديكم في هذا المقال.

إننا نعتقد أن الطابع العام للخطاب الإسلامي الحالي لم ينصف المرأة ولم ينتصر لها كما هو مطلوب، بل إنه سبب لها المعاناة في بعض المجتمعات الإسلامية،  بتجاهله جمال ودقة التعبير القرآني أحياناً وتقديم العادات والتقاليد على رقي المعاملة النبوية للنساء احياناً أخرى،والتركيز على أمور هامشية كتعدد الزوجات – نقر بأنه مباح – والحور العين وطاعة الزوجة لزوجها في كل كبيرة وصغيرة إلى جانب ضَعف الإجتهادات الفقهية وغيرها.

  فإنه لا يخفى مثلاً، على المتأمل في قصة نبي الله زكريا عليه السلام، مدى صبره على عقم زوجته وبقائه إلى جانبها (لم يتزوج غيرها)، دون أن يشعرها بوجود مشكلة (دعائه الخفي)، كأن الزواج قدر موحد للشريكين بحلوه ومره، عليهما التضحية في سبيله. ولعل هذا سبب بشارته بـ “يحيى” إسم مشتق من فعل الحياة؛ إشارة إلى استمرار وتجدد المودة والإخلاص بينهما {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} {الأنبياء:90}. فالإسلام يحترم مشاعر المرأة ويقدرها. ويكفينا هنا أن نذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها (يا عائشة إنه ليُهَوِّنُ عليَّ الموتَ أني قد رأيتك زوجتي في الجنة (هان عليه الموت من أجلها لا من أجل الحور العين ولا غيرها (قارن مع الخطاب الدعوي الحالي).

 وكدليل على ضعف قدرة المسلمين على المقارنة نذكر إختلاف الفقهاء في الكفاءة بين الرجل والمرأة، من حيث اعتبارها شرطاً لصحة الزواج.  والأصل في الاختلاف أن يحاكم إلى قواعد الإسلام (مقاصده) وأصوله (القرآن والسنة) قبل الانحياز لرأي والتسليم له.

ولو نظرنا إليه – أي اشتراط الكفائة – لوجدناه مخالفاً لمقصد العدل، على اعتبار أنه يعزز النزعة العنصرية في النفس والمجتمع، ومخالفاً للأصول {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} {الحجرات:13}.  ولوجدنا أن الحب وحرية الاختيار هما المعيار الأساسي للزواج،  كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سُئِلَ عن زواج فتاة يتيمة فقال: (زوجوها لمن تحب، لم يرَ للمتحابين غيرَ النكاح) في رفض تام لتجاهل أحاسيسها أو تجاوز حريتها.

بهذه الطريقة ساهم ذلك الخِطاب في تبلور تلك النظرة المجتمعية المنتقصة للمرأة. وهو مسؤل عما وصل إليه أمر العامة ، من غياب مهارات النقد وتمييز الرواية الصحيحة ونضرب مثالاً على ذلك،ما ينسبه كثيراً من العامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من إقراره طاعة المرأة زوجها، حتى فيما يتعلق بمعصية الله، كمنعها الخروج من البيت- وإن كان لزيارة أبيها المريض -وهذا يسيئ للإسلام ولنبي الله صلى الله عليه وسلم.

فهل يعقل أن تؤسر المرأة وتعامل هكذا بإسم الإسلام؟ في مخالفة واضحة وصريحة للعقل والفطرة اولاً، والكتاب والسنة ثانياً، فالقرآن أكد عدم طاعة الأبوين في معصية –رغم قرنها بعبادة الله– {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا…} {لقمان:15}

فكيف بطاعة الزوج؟ ووصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم(أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم ) و (رفقاً بالقوارير) و (اوصيكم بالنساء خيراً). فمثل هذا الأثر لا يحتاج إلى فتوى تقرر بطلانه، وإنما لعقول متفتحة وشيئاَ من التفكير وعدم السلبية.

ما يؤكد بشرية الاجتهادات الفقهية، وأنها قد تصيب أو تخطأ بل وتتعارض أحياناً، ما يعزز أهمية دورنا كمسلمين لتقييمها ونقدها والترجيح بينها. ولعل جمود الخِطاب الديني، وتضخيم إمكانية الوقوع – بالشبهات – وربطها بالتجديد، ومحاربة كل قراءة مختلفة للنصوص تطبيقاً لقاعدة (الأحوط والأسلم) الدارجة عند أكثرية الدعاة، أوصلنا لحالة التخبط والتيه ، فالأصل ألا نَقبل إلا الرواية الصحيحة الصريحة بشرط عدم مخالفتها لما هو أصح منها (كالقرآن والحديث المتواتر) وعدم مخالفتها مقاصد الإسلام (التوحيد، العدل.. إلخ).

فيمكننا أن نفهم مثلاً، بأن ميراث المرأة يساوي نصف ميراث الرجل ونقر بذلك عقلاً (ليست مطالبة بالتزامات كالرجل في الإسلام) وشرعاً (دليل صحيح صريح – القرآن الكريم -)، ولكن الذي يستعصي علينا فهمه هو اعتبار أكثرية الفقهاء دية المرأة نصف دية الرجل، بحجة أنه الطرف الأصلح، وهذا بعيد عن مقاصد الإسلام المتعلقة بالمجتمع (مقصد العدل)، والمتعلقة بالفرد (حفظ النفس).

فالنفس واحدة لا علاقة لها بالجنس بداهةً، بل على العكس تماماً، فإن المرأة هي الأصلح في نطاق الأسرة –تربية الأطفال– وفي المجتمع كانعكاس لذلك، وهي الطرف الأضعف والأكثر تعرضاً للعنف والاضطهاد والاغتصاب والاختطاف والقتل – جاء في مقال تابع لمنظمة الأمم المتحدة: (يمس العنف القائم على أساس نوع الجنس 30% على الأقل من النساء على النطاق العالمي) – وهي جميعها أمور تتطلب احتياطات أفضل للمحافظة على المرأة وحمايتها.

والغريب أن المُنَصْفِين ردوا الأثر المنسوب لرسول الله (وفى النفس المؤمنة مائة من الإبل) وقالوا حديث شاذ، فلا يكفي تجاوزهم للفطرة والعقل والمنطق بل ردوا الأثر وكأنهم لم ينظروا الأية الثانية وتسعين من سورة النساء أيضاً {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ…} {النساء:92}.

والملاحظ أن عقدة التنصيف تلك امتدت لأمور أخرى كالعقيقة. أو الحرمان كلياً من بعض الحقوق، كالمناصب القضائية والرئاسية دون أي دليل على ذلك، فحديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) يصف حالة الفرس في تلك الفترة، وليس حكماً شرعياً أو دليلاً صريحاً يبنى عليه حكم.  إلا أن قصر النظر عند فقهائنا وسلبية المسلمين حالا بيننا وبين الفهم الصحيح للإسلام ومقاصده.

جاء الإسلام وسيبقى محارباً للظلم والتمييز ضد المرأة، فهو أول نظام يقر مبدأ المساواة العادلة {وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ} {البقرة : 228}، وأول دعوة تحرر للنساء ونيل كامل حقوقهن، في سابقة من نوعها على مر التاريخ.ولكن هذا الفهم التقليدي للدين سيدفع الشباب للبحث عن بدائل كالعلمانية والإلحاد وسَيُحرم نصف المجتمع من حقوقه وواجباته ومسؤلياته تجاه المجتمع والأمة. وسنكون أمام كارثة حقيقية ما لم ندرك المشكلة، ونبدأ بفهم جديد وصحيح للإسلام.

 

 

نشر المقال سابق في هافنغتون بوست وأرسله الكاتب الينا مشكورا لنشره في مدونات المجلة

الوسوم

خطاب عبد خطاب

مدون من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.