ثقافة

الثوب السوداني والتمازج البديع بين الافريقي والاسلامي

ثقافة

الثوب السوداني و يعرف بالعامية بـ”التوب”، بلفظ التاء بدل حرف الثاء. مما يضفي عليه إيقاعا رنانا، عند المسمع.

و”التوب” هو لباس المرأة السودانية، منذ 10 آلاف عام، يجمع بين الأصالة والمعاصرة والطابع الاسلامي والافريقي، حجري الزاوية في الهوية السودانية العريقة.

 

ثوب من عمق 10 آلاف سنة حضارة

يرجع المؤرخون، الثوب السوداني، إلى حضارات ما قبل الميلاد وتحديدا إلى الحضارة البجراوية، والمروية واعتبروا ملكة كنداكة أو قنداقة، “أمانجي ريناس”، زوجة الملك النوبي والتي حكمت مملكة “كوش”، من سنة 40 ق.م الى 10 ق.م، أول من لبست الثوب السوداني.

تطور صناعته عبر الزمن

كغيره من الألبسة والأزياء الشعبية، عرف الثوب السوداني، تطورات في المادة الخام المعتمدة في صناعته، التي كانت تعتمد في البداية على القطن، ثم تغير ليعتمد على أقمشة  التوتال السويسري والحرير والشيفون و البوليستر و حتى الأقمشة البترولية حديثا.

 

هذا التطور لم ينعكس في المادة الأولية المعتمدة، فحسب، بل شمل كذلك، مسميات الثوب. وبالتالي نذكر،  

  •   ” ثوب القنجة”، الذي يعتبر من أقدم أنواع الثياب السودانية النسائية، وقد صنع من القطن و يتميز بخامته السميكة. وقد ظل هذا الثوب محافظا على مكانته حتى فترة ال 70 من القرن المنقضي، ثم أصبح يقتصر على الحداد.
  • “ثوب الزراق”، يتميز بلونه الأزرق الداكن ويعرف كذلك بالنيلة.
  • “ثوب الكرب”، ويتميز بسواد لونه، ويعد من لباس نساء الطبقات الثرية في السودان. وبه تغنى الشعراء فقالوا: توب الكرب الجابوه النقادة    ياسيد الناس أنا عاشقك زيادة
  • “ثوب الفردة”، يتميز بزينة أطرافه، بألوان مختلفة وهو مصنوع من القطن السوداني. ينتشر كثيرا عند بعض قبائل شرق السودان.

تطور تصاميمه

مايميز الثوب السوداني، ليس فقط اختلاف أنواعه و ألوانه، بل كذلك تصاميه وأشكاله، فنجد الثوب المشجر وهو قماشا، يجمع ألواناً مختلفة في طياته وتقبل عليه النساء بكثرة، نظرا لبساطته وخفته.

كما نجد كذلك الثوب السادة وهو يحوي لونا واحدا، تختلف درجة لونه وفقا للمناسبة، التي من أجلها يلبس ولكنه يعتمد كثيرا في الزيارات بين الجارات أو اللباس المنزلي.

فضلا عن المطرز والمطبوع بالألوان، الذين أدخلت عليها نوعا من التطوير والتحديث من حيث الرسومات والأشكال المعتمدة.

 

المزج بين الحضارة الإسلامية والثقافة السودانية

الحقيقة أن المتأمل في الثوب السوداني وفي تفاصيله، يلحظ الانصهار والاندماج بين الدين الإسلامي والثقافة السودانية، التي تنعكس في لباس المرأة وزيها.

فهذا الثوب، الذي يمثل مرآة للحضارة البجراوية، يعكس كذلك الطابع الإسلامي، الذي يدعو المرأة إلى الحياء والحشمة. ورغم أن تلك الحضارة، تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، كما يرجع المؤرخون، إلا أن ذلك يفسر قدرة الدين الإسلامي، الرهيبة على التعايش وسهولة الاندماج في الثقافات والحضارات الأخرى على جميع اختلافها.

وقد ساهم هذا التلاقح بين الحضارتين،  في تطوير اللباس السوداني، إلى لباس يومي، ساتر للمرأة، يماثل الشادور في بلاد الفرس و العباءة والجلباب في بلدان الشرق والجزيرة العربية والسفساري والحولي في بلدان المغرب العربي. ويعكس بطبيعة الحال، قيمها ومبادئها وحشمتها وحياءها.

 

رمزية ارتداء “الثوب”

كان ارتداء الثوب في المجتمع السوداني، يعتبر رمزا على بلوغ المرأة ونضجها وجاهزيتها لمرحلة الزواج. وقد أصبح اليوم، من أساسيات لباس المرأة المتزوجة. والملاحظ أن الثوب قد اندمج في الحياة العامة في السودان وفي صورة المرأة في المشهد العالمي،  فأصبح دليلا على الهوية والجذور السودانية.

ثوب العروس السودانية

رغم أن الفستان الأبيض، قد بدأ يكتسح  كوشة العروس السودانية، إلا أن الثوب الأحمر، ما زال يحافظ على مكانته في الأفراح والأعراس وما تزال العروس السودانية، تتهدل في زيها التقليدي المحتشم،  الزاخر بالخطوط والرسوم، مع حضور النقش والحناء، ذات الخطوط العريضة، التي تختزل في ثناياها، تاريخا عريقا صامدا وتراثا حيا متجددا.

 

علاوة على الاكسسورات والحلي والأسورة، التي تعتبر من خصائص زينة العروس السوداني.

 

وقد تعددت الأشعار، التي تغنت بجمالية الثوب السوداني، خاصة منها المحلية، فنساء السودان، لا يكتفين بالمحافظة على لباسهم التراثي، الشعبي، بل تراهن يتغنين به ومن أجمل ما قيل عن الثوب السوداني، هو شعرالشاعرة السودانية، سعدية عبد السلام، التي  قالت عنه

” دايره أكتب للجميلة اللابسه توبها ومستقيمة

والكتابه بتحلو عن توب في الدواخل ليه قيمة

توب بيميز سر جمالنا وكيف بيزيد فينا العزيمة

وتوب بيستر لي عروضنا ولي جراحاتنا الأليمة

توب بيزيد عزتنا ويربط لي علاقاتنا الحميمة

توب موشح بي شرفنا وزايده أخلاقنا العظيمة

وبالزراق والطرقة ببدا وببدا عن التوب مسيرة”

 

كوكب الشرق، ترتدي الزي السوداني

تعد كوكب الشرق أم كلثوم، من أشهر من لبس الثوب السوداني، خلال حفلتين، أقامتهما في مسرح “أم درمان”،  في فبراير 1968، أين غنت روائعها الفنية “هذه ليلتى”و “الأطلال”و “فات المعاد”.  ومن العبارات الشهيرة، التي ذكرت للراحلة “أم كلثوم” ، عن أهل السودان قولها “السودانيون دول أهلنا، إحنا وهما إخوات، لأننا إحنا الاتنين ولاد النيل”.

 

الثوب السوداني، يعد من اللباس النسائي التقليدي ويتميز بطابعه الحضاري الذي ينسجم برفق مع شيمة الحياء وقيم الحشمة. وهو ثوب يختزل هوية الشعب السوداني، الذي ينقل عنه غير الصورة المدوية للصراع والفقر والمجاعة.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد