مجتمع

التلاميذ يعنفون أساتذتهم بالمغرب

سعيد غيدَّى – المغرب- مجلة ميم

 

رافق العنف المدرسي الدخول الدراسي بالمغرب هذا الموسم، عنف التلاميذ ضد الأساتذة داخل فضاءات المؤسسات التعليمية،  حتى أن الظاهرة  التي سجلت أكثر من عشر حالات، طغت على اهتمام الرأي العام في المغرب في الآونة الأخيرة.

 

ولأن المشكل معقد، تتقاطع فيها أراء كثيرة، في علم الاجتماع وعلوم التربية، وعلم النفس، وبين أهل القانون، والممارسين للمهنة، حاولت مجلة “ميم” أن تحيط بالموضوع، من وجهات نظر مختلفة، لمحاولة فهم الظاهرة التي بدأت تأخذ أشكالا حادة داخل البنية المجتمعية بالمغرب.

الأستاذة حفيظة حيون، ثلاثين سنة في التدريس:

“لا يمكن تناول موضوع العنف داخل مؤسساتنا التعليمية التربوية، بمعزل عن العنف كممارسة متفشية في مجتمعاتنا الاستبدادية، فتجدنا نمارس العنف، إما من منطلق أننا نمتلك سلطة معنوية أو مادية، على من هم حولنا، أو يعيشون تحت إمرتنا، أو من منطلق تفريغ الضغوطات والمكبوتات المتراكمة والمضطربة في دواخلنا، من جراء أسباب اقتصادية، واجتماعية ونفسية، تؤججها الرغبة في تملك السلطة من طرف المتحكمين.

 

كما تؤججها وضعية البؤس، والفقر والحرمان العاطفي، ومن الحقوق والحريات والنبذ والاحتقار، والجهل والأمية، أو من منطلق الاعتقاد بتقويم الانحرافات والاعوجاجات التي نراها في من هم تحت رعايتنا، ومسؤوليتنا تربويا كالعنف الذي يمارسه الآباء والأمهات تجاه الأبناء، أو الذي يمارسه بعض نساء ورجال التربية والتعليم، معتقدين أن هذا العنف منبعه الحب والاهتمام”.

“ولا غرابة في انتشار هذا العنف داخل جدران مؤسساتنا التعليمية، فالممارسون لفعل التربية والتكوين، لم يأتوا من كوكب آخر، بل هم جزء من بنية مجتمعية عنيفة مقهورة، وتتنفس هذا العنف داخل الأسرة، والمدرسة والشارع، وفي كل مؤسسات الدولة”.

“قمع ترصد له ميزانيات ضخمة من طرف أنظمتنا الاستبدادية، التي توظف فيه قنوات وآليات متحكم فيها مسبقا، ومن أبرزها، الإعلام الرسمي الموجه، الذي يبث سموم التضييع والتجهيل والاستلاب من خلال برامج، فارغة وتافهة ومسلسلات تلفزية منفصمة عن واقع بائس لا تساهم إلا في توليد الحقد اتجاه بعضنا البعض.
لأن طرفي العملية التعليمية التعلمية محكومان بانهاء مقررات ثقيلة تعتمد على الحشو المعرفي، بدل بناء الذات واكتساب المهارات والتشبع بالقيم السامية، يتحول الفصل إلى ما يشبه الحلبة. يتحول بعض الأساتذة إلى حُكام يحملون في أيديهم “كرونوميتر” يسابقون الزمن المدرسي.”
“هذا يفرغ العلاقة التربوية بينهما من حمولتها الهادفة والجميلة.. من المفروض أن تكون علاقة نابضة بالحب والاخذ والعطاء والاحترام المتبادل، في جو يستحضر حاجيات التلميذ بدل تغييبها.. هذا التغييب يؤدي إلى تشكيل شخصية تلميذ منفعل متوثر، مشحون بردود أفعال عنيفة وسلبية، كجواب غير متعمد على كل أشكال العنف المباشرة وغير المباشرة الممارسة عليه، التي تسقطه في مسلكيات التمرد السلبي على المحيط، وعلى الذات”.

 

“العنف المتبادل يجري في فضاء تخلى عن القيام بدوره وتم تسليعه في زمن الرأسمالية، الذي حول كل شيء إلى سلعة، بما فيها الإنسان والقيم.. فلا تستغرب أن تتحول المدرسة العمومية بدورها إلى مكان يتحول فيه كل شيء إلى سلعة بما فيها المناهج والأستاذ والتلميذ.. وفي سوق السلع تنتفي كل القيم الإنسانية العظيمة”.

 الأستاذ صالح لبريني، شاعر ومثقف

“المشكلة في المنظومة التعليمية المتخلفة، التي عجزت عن مسايرة التحولات المجتمعية والعالمية. التعليم ظل متشبثا بآليات تربوية عفا عنها الزمن ولم تعد صالحة لإنتاج جيل متعلم صانع المستقبل، بل خلق جيلا من الضباع – على حد تعبير السوسيولوجي المغربي محمد جسوس- جيل متهاون متكاسل ومتواكل، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، تملص الأسرة من تحمّل مسؤولية تربية الأبناء، مماأنشأ جيلا لا يهمه سوى هدر الوقت في الأمور التافهة، هذا دون أن ننسى العطب الكبير في السياسة التعليمية المتبعة التي كرسّت الاتكالية، وتغييب العقل والتفكير في البيداغوجيات التربوية،  وسعت إلى صناعة جيل سلبي”.

 

التلميذة مريم بوتاج

تلميذة في الثانية باكالوريا علوم الحياة والأرض، تالوين جنوب شرق المغرب

“لا شك في أن خبر التلميذ الذي ضرب أستاذه أثناء حصة دراسية أمام أعين رفاقه قد ذاع صيته في أرجاء البلاد. تعاطف الأغلبية مع الأستاذ، احتجوا على التصرف اللا أخلاقي للتلميذ، و البعض رأى بأن المراهقين جميعهم بذات الخلق والإنحراف. إلا أن قلة من تساءل عن السبب الذي دفع المراهق إلى ضرب أستاذه بشكل يهتز له القلب، ضرب رجل أكبر منه سنا ومن رجال التعليم لبنة البلد”.

“التلميذ المغربي ضحية أسرة غير واعية بأساليب التربية السليمة، تفتقر لثقافة النظام، ورثت جيلا بعد جيل ثقافة العصى لمن عصا، واستعباد الضعيف والصغير. فللكبار حق إخضاع الصغير بالكلمة والرأي والعنف بكل أشكاله، وحق إنزال العاقبة عليه لو تمرد.
لا توفر له المدرسة الإبتدائية العمومية فرص إظهار قدراته في الإبداع وإحياء الخيال لديه إلا في أنشطة نادرة يشارك فيها زمرة من التلاميذ وحسب. كل ما تفعله المدارس هو إغراقه بمواد الحفظ والعرض، لا يجد معنى في تعلم قواعد الحساب واللغات، يثقل هيكله العظمي الهزيل بالكتب المدرسية والدفاتر. في دفتر اللغة يكتب المعلم “خط ركيك، مستوى ضعيف” إن لا معنى لهكذا ملاحظة دون أن يحاول الأستاذ بوجه مبتسم وصدر رحب ليعلمه أبجديات الكتابة و يصلح أخطاءه الصغيرة”.

الأستاذ ادريس الغزواني

كاتب عام مرصد مراكش للسوسيولوجيا

“المدرسة، بالإضافة إلى كونها مؤسسة اجتماعية، تعتبر نمط إنتاج، كيف ينتج المجتمع جيلا مثقفا، وكيف تنتج المدرسة الثقافة. فوظيفة المدرسة هي إنتاج الثقافة بما تضمر هذه الأخيرة من معرفة وقيم”.

 

“أعتقد، والاعتقاد هنا جزم، أن صعوبة فهم العنف داخل المدرسة راجع بالأساس، من جهة، إلى عدم التصديق بالوظيفة الثقافية للمدرسة، ومن جهة أخرى، إلى عدم عيانية العنف كمعطى للحس فقط. إن تزايد مؤشرات العنف المدرسي بالمغرب في الآونة الأخيرة، يشكل جرحا نرجسيا لأزمنة جعلت من العقل جوهرا للفهم وللممارسة أيضا. كيف السبيل إلى جعل العقل دينامو للمدرسة وسبيل الخلاص من العنف المدرسي؟”

 

“إن غاية المدرسة ليست هي تلقين الفرد للقيم والمعايير، بقدر ما هي آلية لتكوين هذا الفرد على إنتاج هذه القيم والمعايير بنفسه، وذلك من خلال تمكينه من آليات النقد والممارسة انطلاقا من إعمال العقل، أي تمكينه من تحصيل المعرفة وممارسة التفلسف. فالتفلسف لا يرتبط دائما بمادة الفلسفة، بقدر ما يرتبط بجميع المواد التربوية المبرمجة، حتى يتسنى إعمال التفلسف في العلاقة بين الأنا والآخر.”

 

“إذا كان العنف من الناحية السوسيولوجية هو علاقة تفاعل بين الأفراد، أي بين الأنا والآخر، فإن الآخر هنا هو المماثل بسماته الإنسانية أو الثقافية المشتركة، والمباين بخصائصه الفردية.

 

وفي الحقيقة يحمل الآخر المباينة والمماثلة في ذاته. إن هذه المباينة والمماثلة لا يمكن إدراكها إلا عن طريق التفلسف الذي يرادف التأمل لتحقيق الثقافة، لهذا يكون مكمن الخلل، في ما يتعلق بانتشار العنف المدرسي، في نفي الثقافة عن المدرسة، وجعل هذه الأخيرة آلية بيروقراطية لتحقيق النجاح “مدرسة النجاح”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.