مجتمعالرئيسي

قصص الحب والصمود: حكاية أسيرٍ فلسطيني عبر مذكرات زوجته

ماهر الهشلمون على الدرب بصحبة "امرأة من سكر"

هديل عطا الله- فلسطين- مجلة ميم 

له ابتسامة رائد فضاء رأى كوكب الأرض من بعيد صغيرا يتلألأ.. و إن امتداد هذه البسمة بفضل امرأة نادرة أحبته جداً، فهو رجلٌ يأتي في العمر مرة.

 أما هي فاسمها بهية على اسم جدتها؛ ومن باب الإنصاف إنها خلطة غير عادية من كل البهيات، فراشة مرفرفة لا تعرف اليأس؛ مجنونة، عنيدة، عاشقة ثرثارة؛ و”دمها شربات” حين تسخر من حزن ثقيل الظل.

ترى الكأس مليئاً دائما حتى لو كان ينضح بالفراغ؛ بريئة حتى في “نهفاتها”. لذا لم يكن غريباً أن تختار الذوبان في ماهر لتنجح بالاختباء في قلبه؛ كانت هذه الطريقة الوحيدة كي يُعجزا السجان عن الاستعانة بالزمان والمكان لتفرقتهما؛ حتى مؤبدات “القاضي الظالم” استسلمت ضاحكة أمام حكاية بيدها دليلٌ قاطع على أن الانتظار قد تُجدي معه بعض الحِيل.

وبتعريف يخلو من المجازات، هو الأسير الفلسطيني ماهر الهشلمون (32عاما) الذي حرّكت “انتفاضة القدس” دماءه قبل ثلاثِ سنوات، فأقبل على تنفيذ عملية دهس وطعن أدت إلى قتل مستوطنة إسرائيلية وإصابة اثنين آخرين قرب “مجمع عتصيون” الاستيطاني.

 ولا بد وأنه استشعر مرارة ما قاله تميم البرغوثي “في القدس دبَّ الجند مُنتِعلين فوق الغيم”؛ تاركاً خلفه حياة ثرية وزوجة رائعة وولدين جميلين، ليحكم الاحتلال عليه بمؤبدين، مستقبِلاً الحكم حينها بإشراقةٍ يُهينها الوصف.

 

 “مجلة ميم”، على لسان حبيبته وأم أبنائه بهية النتشة (29عاما)، تستعرض مذكرات زوجين من مدينة الخليل سيخلدهما التاريخ، إذ يصادف العاشر من تشرين ثاني/ نوفمبر مرور ثلاث سنوات على لحظةٍ عجل فيها هذا الأسير لربه ليرضى..

هنا تجدون أصل الحكاية.

1

لم يكن ذلك يحدث دائماً، ولكنه كان يفعلها بين الحين والآخر، يفتح الستائر أولاً ثم ينادي شمسنا قائلاً: “هيا أضيئي يوم حبيبتى لأرى صفاء الكواكب فيها”؛ أفتح عينيّ فأجد تحية الصباح في انتظاري لأزداد افتناناً بحالته تلك، صينية الفطور على السرير أو فنجان قهوة مع قطعة شوكولا؛ فقد آمن بأن “القهوة كالورد” فقط يغلي ركوتَها توأم الروح.

مختلفان نحن في استقبال الصباح، ما كان يثير الجدالات الصغيرة بيننا في بداية الزواج. ماهر يحب تناول فطوره في وقتٍ باكر وبمجرد أن ينهض من النوم؛ فيما من عادتي أن أفطر بعد ساعة ونصف من نهوضي. أحب أن أبقى صامتة وكأني بحاجة لأن ستوعب أن يوماً جديداً قد بدأ، ولا أخجل من أني أحب النوم كثيراً في الصباح. كان في بداية الأمر يغضب مني كوني لا أشاركه افتتاحية اليوم مستغرباً طبعي، وبعد ذلك تفهّمني.

لسنوات طوال أراحني من هذه المهمة، وكم يشتاق “عبادة” و”مريم” لطبق الحمص من يديه، ويرددان باستمرار “يا الله اديش فطور بابا كان زاكي”.

ماهر الآن هو “شيف السجن”، حين يخبرني بالمقادير التي يستخدمها أشهق بـــ “ويحك”؛ ولكنه في كل الأحوال يحسن صنعاً؛ سأبوح بسرٍ صغير عن الرجل الذي أحبه، إنه أكثر شخص رأيته بحياتي يحب تناول البيض. وهذا على وجه الخصوص قلما يسمح بدخوله السجن، فعانى ماهر كثيراً بسبب هذه المسألة إذ لم يأكله لعامين. أتذكر أنه كان أحياناً يوصلني إلى عملي ثم يذهب عند أمي لتناوله، كان يحبه من يديها ويقول لي: “أنت لا تجيدين صنعه مثل حماتي”؛ تفصيل صغير كهذا يحزنني حين يخبرني: “موضوع البيض صعّبَ علي السجن كتير يا بهية”.

هو عاشق من الدرجة الأولى لرياضة الصباح، و لازال محافظا على نشاطه الرياضي إلا إن كان صائماً؛ وباستثناء ذلك فإنه يجتمع مع رفاقه الأسرى “على ما قُسِم”.

وكما سبق أن قلت إنني أستيقظ بطبيعة ليست من سمات شخصيتي الاجتماعية، أكون صامتة وأحب البقاء بمفردي؛ في أول عامٍ مضى بعد سجن ماهر كنت أعيش كآبةً لا حد لها بمجرد أن أفتح عينيّ حين أنظر حولي واكتشف أن الواقع المؤلم على حاله. لكن شيئاً فشيئاً، أقنعت نفسي بألا أنسب كدر مزاجي الصباحي  لغياب ماهر. أصبحت أبدأ يومي بروتينية مخططاتي، عوّدت نفسي ألا أفكر وأن أنشغل بدراستي أو تدريس الأبناء.

وإنه من المضحك قولي اني في الليالي التي أقضيها في الدعاء ومناجاة الله بدمع حارق منتظرة الفرج، أستيقظ صباحاً فأرى أن الفرج لم يأت بعد فأحزن قليلاً ثم ما ألبث أن أستجمع نفسي وأواسيها “ما بكِ يا بهية.. يحدث أن يتأخر الفرج يا هذه!”

 

2

أبو عبادة هو “ماء قلبي”..  كان إنساناً يطيل في السجود بطريقةٍ لم أرها في كل من أعرفهم؛ وحين ينهض من سجدته تكون الدموع قد غمرت وجهه؛ وكأنني أسمع صوتك يرتلّ كل ليلة : “وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ”.

في الفترة الأخيرة قبل تنفيذه العملية، التزم بدرجة أكبر من أي وقتٍ مضى بقيام الليل ليوصله بصلاة الفجر، ويمكث في المسجد حتى طلوع الشمس؛ كان قريب الدمعة كلما رأى صوراً لأصدقائه الشهداء أو الأسرى، أو حتى إذا ما سمع أنشودة وطنية لمست فؤاده؛ كان يتابع الأخبار باهتمامٍ بالغ، ويا لسعادته حين أسرت المقاومة بغزة شاؤول آرون في الحرب الإسرائيلية الأخيرة.

تفاجأت من ماهر حين أقبل على تنفيذ العملية، والآن سأفصح عن السبب: حين كان شبلاً اعتقله الاحتلال بتهمة انتمائه لحركة الجهاد الإسلامي وإلقاء المولوتوف، وحكم عليه بأربع سنواتٍ ونصف حفظ خلالها القرآن ونال شهادة “الثانوية العامة”؛  كانت كلمة “سجن” تطبق على روحه، لذا خرج منه حاملاً بقايا عقدة؛ لجأ أولاً إلى تناول أدوية وزيارة طبيب نفسي؛ أحياناً يبلغ بسروره عنان السماء، ومن ثم أجده قد انكمش على نفسه؛ إلى أن اتخذ قراراً كلما تخطر بباله الزنزانة اللعينة أن يشغل نفسه بالتفكير بشيء آخر.

أذكر أنه في بداية زواجنا كان مولعاً بأن نتناول في وجبة الغداء طعاماً طازجاً وفاخراً كل يوم؛ ففي الأسر يُلقي السجان بفتاتٍ لا ترضى به قطة.. استغرق وقتاً قبل أن يتجاوز تلك المرحلة.

حين عرفتُ بخبر استشهاده فرحت، وعندما تبين بأنه لازال حيا تمنيتُ أن يستشهد لأني أدرك ماذا يعني السجن لماهر؛ تخيلوا! فكرت بهذا لأني كنت مستعدة للتضحية من أجله بكل شيء؛ وحمداً لله أنه في هذه المرة أكثر ثباتاً وصلابة.

ماهر وهو يضحك بعد نطق القاضي الاسرائيلي بالحكم

سببٌ آخر جعلني أتفاجأ بإقدامه على هذا.. أن ماهر كان يؤمن بالجماعة؛ أي إذا هبّ الناس نهبّ معهم، فلم يؤمن بالأعمال الفردية. لكن أحداث الأقصى أبت إلا أن تحركه دون أن يكون منتمياً لأي تنظيم.

قد ينتابني شعور لحظة ضعف بلومه لأنه تركني وحيدة، لكن سرعان ما أدرك أن تلك الفكرة من الشيطان، وأصبحت أفكر بهذه الطريقة: “كما أني لم أختر أبي وأمي واسمي وشكلي، فإني موقنة أن الله كتب لي أنا وزوجي هذا القِسم من الحكاية”. أبذل جهدي في وأد أي تساؤلات حتى لا أقع في خطأ مع الله؛ بل إنني أخذت أشعر بالرضا نحو قدرنا؛ لأن الله اختار أن نقدم شيئاً للأقصى؛ رب السماوات شاء أن يُسيرنا في طريق جميل سبقنا إليه العظماء؛ كلانا يعرف نهاية القصة مهما مررنا بصعوبات؛ أنا وهو مليئان بهذه العبارة “لن تُمكن حتى تُبتلى”.

حسناً حين ينفذ صبري ماذا أفعل يا ترى! سأخبركم: حينها ألجأ إلى الله في كل وقت، أدعوه في صحوي ومنامي وحين أذهب للعمل؛ لقد رأيت بأم عيني رزق الصبر؛ في لحظاتٍ كهذه أتذكر كرم الله بأن زرع فينا يقين الأمل؛ من هذا المدد أستمد قوتي، وكلما تذكرت ما قاله ماهر حين أفاق من غيبوبته بعد إصابته برصاصة بجانب العمود الفقري لم تخرج حتى الآن: “الآن عرفت أن الله يسرني لهذا الأمر”.. عندئذٍ ابتسم وأزيد في رضاي، وأحدث نفسي: “والله ليطلع”.

“عُد كي نصلي معاً على سجادة واحدة”.. كلما لامسَ جبيني الأرض خرجت هذه الأمنية على صيغة دعاء؛ صلاتنا معاً، وحين كبر عبادة ومريم وانضمّا إلى سجّادتنا كانت من أقدس دقائقنا؛ فبمجرد أن يسلم ماهر يسارعان إلى حضنه ليدغدغهما، أما أنا تتكىء سَكينتي على صوته الخاشع لتطلب منه أن يرّتل لنا ما تيسر من القرآن.

 

ماهر مع ابنيه في مطعم قبل يوم من تنفيذ العملية

3

تزوجنا في عمرٍ باكر و بلغ التناغم بيننا مبلغه وكأننا “عصافير حب”، إنه شرف اللقب الذي توجّنا به أحباؤنا؛ عشنا في بيت في غاية الجمال؛ كل ركن فيه كان من ذوقنا بالرغم من صغر سننا آنذاك؛ أنا وهو من فصيلة “البيتوتيين”، كنا نحب أن نمضي الوقت مع بعضنا كثيراً؛ أشاركه في لعبة الــ “بلايستيشن”، وأرافقه في مشوار إلى العَقبة ليومٍ واحد نلقي خلفنا الضجر ونجدد “علاقة الصداقة” بيننا. أتذكر أن أختي التقطت لنا صورة حين كنا نستقّل سيارتنا وأصابعنا تدندن مع أغنية عابرة.

 

 

غيوم الخريف والربيع كانت تنادينا للمسير بين جبال أرنبا بـــ “حلحول” في مدينة الخليل، تارة نمشي وتارة نتأمل الغروب؛ كان “ماهري” يهمس لي: “كرسي اقعد عليه هون وما بدي شي من الدنيا”؛ لن تصدقوا أن واحداً من الأسباب التي دعتني للانتقال للسكن بحلحول بعد هدم بيتنا، أن أفتح نافذتي كل يوم على المشهد الذي يحبه.

يحن ماهر لرائحة أيام “قطاف الزيتون” التي تصادف هذا الوقت؛ إذ كنا نسكن بالقرب من “مَعصرة”؛ صحن الزيت المر الأخضر الداكن يسأل عن يده التي تمتد لغمسةٍ مع خبز الطابون.

كان  دائماً يحب أن يجلس في الركن البارد، ونتشاجر دائماً على فتح الشباك لأني لا أتحمل البرد؛ السجن الذي يقبع فيه يقع بمنطقة صحراوية قريبة من النقب؛ مسقوف من “الزينكو” مما يتسبب بحرارةٍ شديدة فيما لا توجد وسائل تبريد. ومع ذلك لم أسمعه يشكو يوماً؛ كان أحياناً يكتفي بالمزاح لأستنتج فيما بعد ضيقه من هذه الأجواء.

وفي لهيب الصيف يحافظ على الصيام يومي الاثنين والخميس مهما طال النهار، ولازال على هذه الحال؛ الصيف تعريفه عندنا سباحة وتنزه وسهرات عائلية وسياحة في الإمارات ومصر وسوريا؛ صعبٌ جداً أن يُحرم المرء من طقوس بهذا المستوى من الدفء والرفاهية، لكن “كله يهون لأجل فلسطين”.

رحلات ماهر وبهية في الصيف

أكره تكرار كلمة “كان” لكني أعرف أنها “فعلٌ ناقص مؤقت”؛ كان عاشقا لأجواء العائلة لا سيما في الشتاء؛ ينهي عمله ويعود للبيت؛ ويفتح الباب ليجد في استقباله فطائر الزعتر والحلوى والمدفأة مشتعلة.

في ليل الشتاء الطويل، كنا نصور فيديوهات خاصة و”اسكتشات مضحكة”، وأحياناً  نقلّد أبطال المسلسلات السورية الشعبية؛ هذه الفيديوهات تضحكني من أعماقي كلما شاهدتها.

من قال أن المرح انتهى من حياتنا؛ الفكاهة نصنعها في كل مكالمةٍ بيننا؛ ربع ساعة هي بالنسبة لي “حيــــــاة”؛ نستخدم بعضاً من ذكائنا في التحايل على مؤبداتهم- علماً أن المؤبد يمتد لــ 100 عام؛ ذات مرةٍ جعلته يسمع مقطعاً من مسلسل شهير يحبه “ضيعة ضايعة”، ثم أخذت أقلد له صوت البطلين “جودة” و “أسعد”؛ ويضحك ماهر من قلبه؛  قمة السعادة أن أسمع صوت تلك الضحكة؛ كل ذرة في كياني حينها تقول له: “أنا خُلقت كي أسعدك؛ وحين أضحككَ أشعر بأني فعلت أهم ما في الوجود”.

4

ماهر في صغره كان مثل طفلنا “عبادة”، خجول وهادئ، محبٌ للمزاح؛ التشابه كبير بين الابن وأبيه، طريقة الجلسة والنظرات نفسها. و لحسن الحظ أن لدي “ماهر مُصغّر”.

كان في فترة الخطوبة دائماً يردد: “أريد أن ننجب صلاح الدين”؛ وكنت أرد عليه: “أريد ألا نخرج من هذه الدنيا بدون أن نترك أثراً ذا قيمة”؛ و حين حملتُ بعبادة كان في كل يوم يمد يده إلى بطني أثناء تسميعه أجزاء القرآن لي؛ ثم يهمس له: “أريدك إنساناً يصلح في الكون”.

عبادة

كم ضحك على قصص طفولتي في أحاديث المساء، فتاة يليق بها التعبير الدارج “حسن صبي”؛ دائماً مشغولة بلعب الكرة والدراجات في الحارات؛ أما “بطلي” فكان يرمقني بإعجاب أثناء روايتي لمغامراتي.

ووفقاً لهذه الطبيعة الصبيانية، فلا ضير من الاعتراف بأني لست من النساء اللاتي يحببن التزين لأنفسهن؛ كان التجمل لأجل هذا الرجل النبيل وحسب، حتى في المناسبات التي كنت أظهر فيها بـ”نيو لوك”، كان كل همي أن يراني كي يبتهج؛ أما الآن فلا تسألوا.. قلما أطالع المرآة؛ أعتقد أنني صمتُ عن هذا الأمر إلى حين عودته.

أتعرفون متى أقف قبالة المرآة؟ حين أكون غاضبة من أمرٍ ما أحب أن أتجادل مع نفسي، تارةً أقرّعها وتارة أخرى أرفع من معنوياتها.

زلزال يهز أعماقي حين يحلو لماهر أن يكرر على مسمعي : “يا الله يا بهية شو متمني أرجع بس عشان أشوف لمعة الحب في عيونك لما أجيبلك بلوزة أو فستان؛ ومن فرحتك تصيري تنطّي زي الصغار”.

لم أكن من نوع النساء اللاتي يحببن التسوق، أما هو فهوايته المفضلة أن يختار لي ملابسي بنفسه سواء كان بمفرده أو يصطحبني معه.

نبض القلب لا يخمد حين أتذكر التسوق برفقته قبل العيد، إنه يشبه التطاير بين الغيمات بمنطاد قرمزيّ؛ وصدقت حماتي في تعليقها ذات مرة: “لأول مرةٍ أرى رجلاً لديه هذا الذوق الرفيع في اختيار ملابس النساء”؛ كانت لديه مهارة تحديد المقاس بحيث لا اضطر لاستبداله؛ وددتُ لو أنكم ترون بريق عينيه حين ينال اختياره إعجاب الجميع؛ وإذا ما غفلوا عن الإطراء على “جديدي”؛ فإنه يلفت انتباههم بقوله: “شايفين ما احلاها بهية اليوم”؛ غريبٌ جداً أليس كذلك؟ حتى بالنسبة لي هو كذلك.. ففي تقاليدنا العربية من النادر أن نرى رجلاً يهتم بشؤون زوجته إلى هذا الحد.

في بعض الصباحات الناعمة كان يحب أن أكون معه خطوة بخطوة، يسألني عن أي القطع أجمل كي يرتديها. وأضحك طويلاً حين أختار إحداها فيشاكسني بانتقاء أخرى، ثم يطّيب خاطري طالباً مني أن أرش له العطر. وإني لا أفرط بالبقية الأخيرة من قارورةٍ هي “أوكسجيني”.

أما الآن، فإنه يفرح إذا ما نجحت في إدخال ملابس إلى السجن؛ وذلك من التفاصيل التي يتفنن الاحتلال في عرقلتها؛ يرتدي ما أطلبه منه في الزيارة المنتظرة من الملابس التي أحضرتها له من قبل ليكون “على سنجة عشرة”، وأحياناً يستعين بأحذية من أصدقائه الأسرى كي يبدو متألقاً.

قد يخمن أحدكم لم رفض ارتداء بلوزة وبنطال تم إدخالهما إليه بشق الأنفس! لأنه قرر أن يرتديهما في يوم الحرية؛ كان ذلك في شهر رمضان، وحينها أخبرني بالسبب: “راح أعيّد عندكم إن شاء الله.. قربّت يا أم عبادة”؛ حينها أثار جنوني وفي الوقت نفسه  انتزعَ ضحكتي، إنه حسن الظن بالله؛ وهل لنا ألا نحسن الظن بربٍ لم نر منه إلا جميلا.

معجزة صغيرة أن مضت ثلاث سنوات؛ ورائحة ملابسه تنبعث من خزانته كلما اقتربتُ منها لتفوح في الغرفة؛ “وكأنني أجد ريح ماهر”..أعلم أنها رسالة “يوسفية” من الله.

5

لم يكن سهلا أن تمر اللقمة من حلقي بعد اعتقال ماهر، وكيف أفعل وأنا لم أعرف مصيره بعد؛ بمرور الوقت صرت أشعر أن الطعام بارد مهما بلغت درجة حرارته؛ ما عاد لأي شيء طعم، وما عادت بهية تتفنن في الطهي لا سيما في الأطباق الغريبة؛ لا تضحكوا..الآن كل متعتي أن أملأ هاتفي بالوصفات، وإذا وقعت عيني على منشورٍ لوصفة أحفظه حتى أصنعها له بعد نيله الحرية.

رائحة المودة والرحمة كانت “تدوخّه” في عيد ميلاده حين أحتفي به لثلاث أيام متتالية؛ أضع “كنبة” في منتصف البيت في انتظار قدوم الملِك بعد أن أزينها بالورود والشموع؛ أما هو، فيزين لي السيارة بــ”البالونات” في عيدي؛ ولكن لا هدية تضاهي عندي أبيات شعرٍ كتبها لي من داخل السجن ليغازل المطر في “تشرين”.

قصيدة كتبها ماهر لبهية من داخل السجن

أعرف أدق تفاصيل البقعة التي يقبع فيها، سريره بجانب المطبخ الذي لا يعدو عن كونه بلاطة صغيرة؛ لذا فإن روائح الطبخ تندفع نحوه مما يزعجه؛ لكن الغيث حتماً ينبعث رُغماً عن السجان لينعش الزنزانة.

في مساحة ضيقة، عشرة أسرى يتشاركون دورة المياه نفسها؛ كل واحدٍ منهم يحاول أن يصنع أجواءً مريحة تمنح خصوصية لسريره الذي يُطلق عليه “البرش”؛ هذا الأمر عانى منه كثيراً، لذا حاولت أن أدخل له قماشاً كي يصنع ستارة مناسبة لكن إدارة السجن منعت ذلك؛ وفي “الفورة” -مصطلحٌ يطلق على المدة القصيرة التي يسمح فيها للأسرى بالخروج إلى ساحة السجن-؛ فإنهم عادة ما يستثمرونها في تسميع القرآن.. لقد صاروا لبعضهم “عائلة ثانية”.

6

قبل تنفيذه العملية بيومٍ واحد بدا صوته بإيقاعٍ مختلف؛ وكأنه كان يمنحني وعداً من حيث لا أدري: “أرانا ونحن نسير بعكاكيزنا تحت شمس الغروب على شاطئ البحر ونحتسي الشاي وأنت تسليني بحواديتك”.. نعم سيحين الوقت الذي أشيب فيه وأنا إلى جانبك، وسيحتفي الأدباء بنا في الفصل الأخير، كرواية “باب العمود” التي صدرت حديثاً.

بهية النتشة وهي تحمل رواية “باب العمود”

قد يعَجب بعضٌ من أمر شخصٍ بحجم طموحاته؛ في كل يوم كان لديه حلم جديد ومخطط جديد؛ حتى أنه أوشك على الانتقال للعمل بالإمارات، وفي آخر لحظة قرر البقاء، ثم ذهب بقدميه نحو أعوام عجاف لا تنصاع ولا تُعدّ؛ فإلى جانب كونه محاسب ناجح لطالما أبدع في تجارة السيارات، ومع كل سيارة جديدة يأتي بها يضغط على بوق السيارة كالأطفال فقط ليضحكني؛ هذا الشاب المليح له قدرة فائقة على استثمار كل دقيقة في وقت فراغه، إما بالالتحاق بدورات لا سيما دروس اللغة العبرية أو إعطائها أحياناً للأجانب، لكنه أبى أن يعيش لنفسه ومضى في “طريق ذات الشوكة”.

أتذكر زوجة أسير صبّت جام غضبها وهي تشكو: “لازم يتكسروا إيديه ورجيله اللي بعمل عملية وهو متزوج”؛ حينها أمسكت بيدها وبدمعة أكتمها قلت: “إذاً من سيبقى لأقصانا”.

لدي صديقة استطاعت تشخيص حالتي بدقة، أخبرتني أني من طرازٍ فريد؛ ذلك الذي يستمد القوة والتفاؤل من نفسه دون أن ينتظر شيئا من أحد.

تحزنني هذه الحقيقة، أن معظم زوجات الأسرى قد يظهرن التماسك في أول عامين استناداً إلى معطيات جديدة تمدهنّ بالأمل، لكن اليأس ما يلبث أن يعود للواجهة.

وأكثر ما أكرهه هو أن تُشعرني تلك الزوجات أني لم أر شيئاً بعد؛ كأنهن حكمن علي بأني سأمر بالسنوات الطويلة التي مروا بها؛ يحذرنني بأسى أن المقربين سيتخلون عني بمرور الوقت؛ إحداهن قالت لي: “كنت مثلك في أول سنتين؛ حقائبي جاهزة في انتظار عودته.. وها هي مرت سنوات طوال محلك سر”.

7

“بهبوهتي”.. في وصيته التي تركها لي في “صندوق وصايانا” اليومية قبل ذهابه لتنفيذ عمليته استخدم هذا النداء؛ بها يطيب له مناداتي بطريقةٍ تذوبّني وتجعلني “امرأة من سكر”.

الوصية التي تركها ماهر إلى بهية قبل العملية

كان يمازح “بَهبوهته” بأنه يخشى على لوزتيها إذا ما ثرثرت؛ ثم ينقذه النوم من زقزقتها؛ ثلاث سنوات مضت والشوق يغالبها لرؤية براءة وجهه النائم؛ مطمئنٌ فؤادها أن هذا أيضاً سيتحقق، كيف لا و”الدعاء بينهما رسول”.

تسألني تلك البهية: ماذا تعلمتِ في غيابه؟ حسناً، تعلمتُ أن أصبر على الناس و”أعدّي كتير”، وأن أفرح كثيراً حين يقدم لي شخص أي شيء؛ ولا أحزن إن قصّر أحدهم؛ وأنه ليس لي إلا الله؛ تعلمتُ أن أكون سعيدة لأني أريد أن أكون كذلك، لا وفقاً لرد فعل الآخرين؛ و أن أعتمد على نفسي وأطورها؛ وأن “أمسك نفسي” بالمصروف.

عشتُ وقتاً عصيباً تمنيت لو أن ماهر كان إلى جانبي، حين اقتحم جيش الاحتلال بيت عائلتي الذي انتقلت إليه بعد اعتقاله بنحو عام؛ سيطرت عليّ مشاعر هي أكبر من الخوف؛ كان والداي في الخارج؛ خمسة عشر جنديا مُدججين صعدوا إلى الشقة كــ “خفافيش الظلام”؛ وإذ بهم يصوبون أسلحتهم نحوي، أخرجوا مريم وعبادة وبقيت وحدي معهم نصف ساعة، كنت قوية في مجادلتهم؛ فزعت أمي وانفجرت في البكاء حين وجدتني في هذا المشهد ظناً منها أنهم سيعتقلوني؛ أصابتني حالة من الهلع حين استمر مسلسل الرعب لأسبوعين بعدها عبر (واتس اب)، إذ أخذوا يرسلون رسائل تهديد لي بالسجن ومصادرة ممتلكاتنا الخاصة؛ ذُعرت لمجرد شكّهم بأني أجلب تمويلاً من غزة؛ لم تغمض عيناي لليال طويلة؛ هذه المرة الوحيدة التي لم يفلح فيها ماهر في التهدئة من روعي.

فطنٌ هو في التقاط إشاراتي مهما اجتهدت في الامتناع عن البوح بما يؤرقني؛ وإني أعجب من قدرته على مواساةٍ مرفقة بالحلول؛ أحياناً أجده يتحدث معي عن أمور تأتي “على الوجع”، وبعدها تسيل دمعتي دافئة على خدي؛ محظوظة أنا برجل يصل إلى مفاتيح قلبي ويريحني حتى وهو خلف القضبان.

8

للمرة الأولى ولثلاث دقائق فقط، سمح لنا السجان الإسرائيلي بلقاء مباشر الشهر الماضي؛ والأهم أن “الله خطب ودي بصورة” صرحوّا لنا بالتقاطها.

ويحدث أن  يُقهر العدو بصورة، فبعد أن لاقت انتشاراً كاسحاً، طالب أهالي المستوطنين المقتولين بمنع بقية الأسرى من التقاط الصور مع زوجاتهم؛ ماهر بطبعه رقيق القلب، لذا شعر بالأسى ظناً منه أنه أضر برفاقه، حينها ربت صوتي بحنو على كتفه وقال : “لا تحزن إن الله معنا”.

في تلك الصورة حبسنا الأنفاس معاً، ملايين الكلمات قلناها دون الحاجة للنطق؛ وأثناء تعديل ياقة قميصه امتلأت عيوني بهذا : “أمامنا ثلاث خيارات؛ رقم 1: أن تضع يدكَ بيدي ونهرب سوياً من هذا الباب؛ رقم 2: أن تبقيني معك هنا؛ رقم 3: أن تدعني أذوب بداخلك.. وأظن أن “الثالث” أكثر منطقية”.

ليلٌ يطويه نهار، ونهار يطويه ليل. لكن لا تقلقوا بشأني أنا بألف خير؛ كنحلة لا تتوقف عن العمل؛ ما بين انهماكي في مهنة التدريس ومتابعة شؤون الأولاد؛ وإكمال الدراسات العليا التي أسعى من خلالها أن أعرف الله أكثر كي أعرّف الناس به؛ علاوةً على أني أكتب عن أحوال الأسرى على مواقع التواصل بلغة بسيطة عميقة حتى تبقى قضية ماهر وقضية الأسرى حاضرة.

صورة ال 3 دقائق في السجن التي أثارت الضجة

 

زوجي و أب أبنائي سار على هذا الدرب، و”سيدة البهيات” رضيت بصحبته.. ثلاث سنواتٍ مرت على فراقنا، وفي كل سنة جديدة تحلّ لا أندب الحظ بل أهنئنا أن “عدّاد الأجر” مستمر بمشيئة الله.

 

 

في كل يومٍ نزداد ثباتاً عوضاً عن الاكتفاء بالشكوى؛ أملنا في خط متصاعد ولا ينال من تفاؤلنا أحد؛ وإذا ما هاجمني اليأس شدّت الابتسامة المفعمة باليقين على يدي وهمست: “آمني أن لحظة الفرج دنت.. آمني بقول شاعرٍ: المعجزات في القدس تُلمَس باليدين”. 

 

قامت الكاتبة الصحفية الفلسطينية هديل عطا الله بمحاورة بهية النتشة في خمس جلسات ودونت مذكراتها التي تنشرها مجلة ميم هنا على لسانها. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد