ثقافة

فيلم ولدك راجل: صوت المهاجر السري

أيام قرطاج السينمائية

خلال أيام قرطاج السنيمائية نتعرف على “فيلم ولدك راجل” التي إبتدأت قصته سنة 2012 عن طريق الصدفة، ففي سفر عمل إلى فرنسا يلتقي المخرج الشاب هيفل بن يوسف مهاجرين غير شرعين من تونس  وتتوطد علاقة صداقة بينهما فيقرر أن يحكي قصتهم وينقل ظروف حياتهم في فيلم وثائقي روائي طويل يترك فيه المخرج مساحة مهمة  لهؤلاء الشباب للتعبير عن مشاعرهم.

ربما هيأت تجربة هيفل وخيبة أمله في بلاده التي لم تمنحه فرصة لإخراج إبدعاته للنور، للاقتراب من هؤلاء الشباب ونقل همومهم، مما جعل من الفيلم واقعيا الي أبعد الحدود.

فمنذ بداية الفيلم تفهم ان العلاقة الوثيقة التي تشكلت بين هؤلاء الشباب جعلت من الشخصيات الموجودة في الفيلم مرتاحة إلى مدى بعيد،  حتى تشعر أنك تشاهد ممثلين محترفين يتقنون أداء أدوارهم، وهذه نقطة تحسب للمخرج الذي لم يكل أو يمل على مدار خمس سنواتمع شح الدعم، ليحقق حلمه ويوصل صوت من وثقوا به وقاسموه تفاصيل دقيقة من  حياتهم الشخصية.

لا يحتوي الفيلم على بطل أو شخصية أهم من الأخرى، ورغم أن شخصية العربي هي الخيط الرابط بين حلقة الأصدقاء المهاجرين، يعطي هيفل مساحة متساوية للجميع.

في رحلة بين سويسرا و فرنسا، نتعرف نحن أيضا كجمهور على أشخاص يشبهون أناسا عرفناهم في حياتنا أصدقاء أو “أولاد حومة” (أبناء حي) الكل هنا في القاعة يشير بأصبعه ويبتسم حين يرى من يذكره بصديق ترك البلاد “حارقا” (مهاجرا، بصفة غير شرعية).

الفيلم، عكس ما يظن الجميع، لا يشجع على ما يعرف ب”الحرقة” أي الهجرة السرية، بل يرينا الوجه الآخر لأوضاع المهاجرين السريين الذين لا تفارق البسمة وجوههم و لا يغادر الهزل جلساتهم، هذا الهزل التونسي المحبب الذي يضحكنا من القلب ونرى فيه ذواتنا و أنفسنا كشباب تونسي يعاني تقريبا من النفس الأوضاع.  وبفضل قدرة المخرج على التقرب منهم و على حسن إختيار و توظيف الموسيقى وروح الدعابة  لم نمل على مدار الستين دقيقة التي تدور فيها الأحداث، وهو ما يعد غير معتاد في الأفلام الوثائقية الجادة.

نتعرف في الفيلم على معاناة هذا الشباب في فرنسا و سويسرا، نظرا لصعوبة إيجاد عمل وسهولة إستغلالهم في حال تحصلوا على وظيفة ونظرة المجتمعات الغربية التي تضعهم في قفص الإتهام كلما وقعت عمليات إرهابية.

وبالرغم من كل هذا، يتكيفون مع اوضاهم الجديدة و يرفضون العودة، فالخوف من الظهور في مظهر الفاشل أمام الأهل والأصحاب أمر مزعج جدا بالنسبة لهم.

و أما عن الأعمال التي يقبلون بها، فتترواح بين القانوني و غير القانوني، فترويج المخدرات أمر رائج جدا في حالل غياب فرص العمل. ويخبرنا مهاجر تونسي يتعمد هيفل إخفاء وجهه عن أسباب إتجاهه نحو بيع المخدرات أنه لجأ لذلك بسبب انسداد آفاق التشغيل.

نكتشف الترتيبات الإجتماعية الجديدة بين المهاجرين في إيطاليا، التي تعيد انتاج خطوط التمايز القديمة، فكل مدينة يتجمع فيها مهاجرون كانوا ينتمون إلى حي سكني واحد وكل مهاجر جديد يتجه نحو المدينة التي يجد فيها أبناء حيه.

كأن المخرج الشاب يلعب دور الأنثربولوجي الناقل لهذه التجارب الواقعية، فيبدو الفصل بين المخرج و الفيلم أثناء الحديث عن هذا العمل صعبا، فهو تارة بين حلقاتهم في المقاهي أو في الشارع ينقل همومهم وتندرهم، وطورا في وصلات رقص يقدمها البعض منهم..

و الجدير بالإشارة أن الفيلم يعرفنا أيضا على راقصين موهوبين من تونس يقدمون عروضا شارعية يتحصلون بها على البعض من الأموال التي تسدد بعضا من حاجيتاهم اليومية.

أكثر ما يمكن أن نعبر به عن هذا الفيلم هو أنه واقعي إلي حد كبير، واقعي إلى درجة أن العنوان نفسه مأخوذ من كلام “العربي” نفسه حين كان يتحدث عن عائلته فقال: “أريد أن أقول لأبي اطمئن، “ولدك راجل”.

 

رحاب الخترشي 

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.