مجتمع

يوم امرأة فلسطينية في ظل الحصار

مجتمع

زياد العالول- مجلة ميم

في كل صباح، يستيقظ الناس حول العالم لينتشروا في الأرض يبتغون من فضل الله، ولكن كيف هو صباح أهل غزة، وكيف يقضون وقتهم تحت ظروف هذا الحصار الظالم المنقطع النظير، مع إغلاق المعابر وانقطاع الماء والكهرباء وانقطاع الرواتب  وشح فرص العمل ومحدودية العلاج؟

من الطبيعي أن تقضي الأم وقتا في رعاية بيتها وزوجها وأولادها، أما ما يحدث يوميا مع الأمهات في غزة فهو غير طبيعي تماما. فانقطاع الكهرباء يمتد في القطاع لمدة عشرين ساعة يوميا لتأتي الكهرباء مدة أربع ساعات فقط. ولا يقف العناء عند ذلك بل يتعداه إلى عدم وجود جدول محدد ومتكرر لانقطاع ورجوع الكهرباء..

قد تأتي الكهرباء اليوم من الساعة العاشرة صباحا وغدا الرابعة فجرا، مما يجعل حياة الأم الغزاوية أكثر صعوبة ومعاناة، فليس بمقدورها وضع برنامج يومي، سواء لمزاولة تنظيف البيت وغسل الملابس أو للاعتناء بنفسها أو حتى زيارة صديقتها التي تسكن في الطابق الخامس عشر  مع توقف المصعد..

على الأم الغزاوية أن تكون دائما على أهبة الاستعداد للعمل في الساعة التي يتوفر بها الكهرباء، وإلا كتب عليها استخدام الوسائل البدائية التي تستنفذ وقتها وتحتاج إلى جهد مضاعف وطاقة هائلة.

فالكثير من الأجهزة الكهربائية التي تستخدم طبيعيا في المطبخ من خلاط كهربائي وعصارة وعجانة وجلاية “إن توفرت” لا تستخدم بسبب الانقطاع المتواصل للكهرباء.

حتى الثلاجة أصبحت تعرف “بالخزانة”، وذلك بسبب الساعات الطويلة لانقطاع الكهرباء التي تحول دون التبريد المتواصل للأغذية والفاكهة والخضروات، مما يفرض على الأم التسوق المتكرر والطبخ اليومي مخافة فساد الخضروات والفاكهة أو الطعام، مع ما لذلك من تبعات من استخدام متكرر للمواصلات واستخدام أكبر لاسطوانة الغاز..

ولكم أن تتصوروا الأمر في أجواء ارتفاع السولار والغاز الطبيعي وانقطاع الرواتب. كل هذا يزيد الأمر تعقيدا ويرفع مستوى الضغط النفسي على الأم الغزاوية.

أما عن مشكلة الماء فحدث ولا حرج، فمياه الصنبور المنزلي مياه بحر شديدة الملوحة، مع سرقة إسرائيل للمياه الجوفية العذبة التي كانت تستخدم لتغذية شبكات المياه في البيوت.

ولك أن تتخيل غسل وجهك في كل صباح أو مضمضة فمك أو حاجتك للاستحمام بهذا الماء المالح الذي يتسبب في حرقة للعيون وجفاف للجلد وتساقط للشعر..

أما الغسيل في غزة فهو قصة أخرى.. فإن وجد الكهرباء فملوحة الماء تحتاج إلى سائل غسيل خاص قوي ليقوم بتنظيف الملابس. كما أن هذه الملوحة تتسبب في تهرئة الأقمشة وجعل ألوانها باهتة في  وقت قصير، وبالطبع، ملوحة الماء هذه لا تنفع معها الغسالات الحديثة.

بالرغم من أن مياه الصنبور مالحة ولا يعتمد عليها الغزاويين في طبخهم أو شربهم، إلا أنها تنقطع أيضا وتطول ساعات انقطاعها. وبسبب وجود خزانات الماء على أسطح المنازل، فإن صعود الماء إلى الخزانات يحتم توفر الكهرباء في نفس الوقت، وإلا فلا فائدة مرجوة من تواجد الماء إذا لم يعبأ الخزان. وعلى الغزاويين شراء المياه الصالحة للطبخ والشرب وتعبئتها في خزان مختلف، حسب الحاجة.

أما على المستوى الصحي، فالكثير من أصناف العلاج والأدوية غير متوفرة في غزة، خاصة لبعض الأمراض السرطانية أو غير الشائعة، وعلى المريض أن يواجه مصيره ويذوي ويحتضر ويقضي حتفه أمام عيون محبيه الذين لا حول ولا قوة لهم إلا الدعاء أن يجعل الله لهم فرجا ومخرجا.

ولكم أن تتخيلوا حال الأم التي ترى فلذة كبدها يتعذب أمامها، فتموت مئة مرة في اليوم متمنية أن تقتطع من عمرها نصيبا تهبه وليدها المسكين..

وإذا تحدثنا عن الوضع المادي، فالأمر يبدو أكثر تعقيدا في ظل تكيف البيت الفلسطيني مع ظروف قاهرة جراء الحصار والانقسام والمناخ السياسي الصعب. فالبطالة تطال أكثر من 60% من القوى العاملة و الراتب لا يأتي في وقته، وبالطبع إن وجد، فهو جزء فقط من الراتب..

فكيف تتكيف الأم الفلسطينية مع هذا كله و تدير أمور بيتها؟! 

وسط كل ما سبق، تأتي إجازة الصيف بعد عام طويل من العناء والمجاهدة، ليفتح الأطفال أعينهم على معابر مقفلة تحول دون سفرهم أو تنقلهم إلى دول مجاورة لقضاء إجازة قصيرة تنسيهم عناء عام طويل من الدراسة والتحمل..

هكذا، تجد الأم نفسها مضطرة إلى إيجاد بدائل للترفيه عن أبنائها وملء أوقاتهم والترويح عنهم، وأنى لها ذلك؟

ماهي الأماكن المهيأة للتنزه في مكان أعلن العالم بأسره على حصاره وعن كونه أكبر سجن مفتوح في العالم؟ المتنفس الوحيد لدى الغزاويين هو شاطئ بحر  امتلأ بنفايات الصرف الصحي التي تعجز الحكومة عن تكريرها بسبب محدودية التيار الكهربائي وانعدام الطاقات البديلة في غزة..

إن المعيشة اليومية تحت هذه الظروف الصعبة تفرض على الأم الغزاوية أن تمتلك جسدا حديديا وقلبا صلبا من حديد أيضا، يقوى على تحمل كل هذه الأكوام الهائلة من المشقات.. تقف الغزاوية صامدة تمنح أولادها الحنان وزوجها الصبر، في حين لا تجد هي من يمسح عن جبينها قطرات من عرق جهادها اليومي.. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.