رأي التحرير

بين جدار برلين وجدران الفصل في فلسطين

في ذكرى سقوط جدار برلين

28 عاما تمر على سقوط ما أطلق عليه الغرب “جدار العار”، ذلك الجدار الذي جسد النموذج الأبرز المعبر عن الصراع الحاد بين المعسكرين الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي، والرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في إطار الحرب الباردة.

إذ تم تشييد جدار برلين عقب خسارة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية (1945) وسقوطها تحت وصاية دول الحلفاء المنتصرة التي اختلفت حول مصيرها، لتنتهي خلافاتهم بتقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق تابعة للولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا والاتحاد السوفياتي في إطار بلدين هما جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية) وجمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية). وشكلت برلين عاصمة للصراعات وخطا استخباراتيا ساخنا بين القطبين، وقسمت جزأين يمثل كل منهما عاصمة لأحد البلدين.

تمّ بناء جدار برلين بأمر من رئيس ألمانيا الشرقية الشيوعية “فالتر أولبريشت” ابتداء من 13 أوت/ أغسطس 1961، وقد كان الغرض منه الحد من المرور بين شطري ألمانيا الذي كان يبلغ معدله ألفي شخص يوميا. حيث أعطى أوامره بالانطلاق في بناء “جدار للحماية من الفاشية والتجسس وأعمال التخريب القادمة من الغرب”.

انتصب الجدار 28 سنة ليكون شاهدا على زرع الرعب في نفوس الملايين، وتمزيق أواصر الآلاف من الأسر، وعلى إراقة دماء المئات ممن حاولوا عبوره.

وبحلول التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1989، أعلنت برلين الشرقية عن سقوط الجدار وفتح الحدود، وذلك عقب استقالة المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الحاكم في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 1989 إثر خروج مليون متظاهر ضد نظام ألمانيا الشرقية. حيث سبقت هذه المظاهرة موجة فرار شبه جماعي إلى النمسا طلبا للجوء السياسي، أطلق عليها اسم “الهروب الأكبر”، ما مهد بشكل كبير إلى سقوط الجدار. ثم بدأت عملية الهدم رسميا بتاريخ 13 جوان/ حزيران 1989.

وليس ببعيد عن ذكرى أحداث التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1989، مرت ثلاث سنوات على قيام شباب فلسطيني بفتح ثغرة في جدار الفصل الإسرائيلي العنصري تزامنا مع الذكرى الخامسة والعشرين لسقوط جدار برلين، في رسالة إلى الاحتلال مفادها أن هذا الجدار إلى زوال.

أعقبت عملية إحداث الثغرة مواجهات عنيفة بين متظاهرين فلسطينيين وقوات الاحتلال، حيث قام الشباب بإلقاء الحجارة على القوات الإسرائيلية التي ردت بإطلاق القنابل المسيلة للدموع والرصاص المعدني المغلف بالمطاط.

 

شباب فلسطينيون يحدثون ثغرة في جدار الفصل العنصري

وقد تم الشروع في بناء الجدار العازل سنة 2002 في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون، بحجة حماية إسرائيل ومواطنيها، وذلك في ظل انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000. وقد وقع التخطيط لبناء 700 كم، تم إنجازها رغم إصدار محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة لرأي استشاري سنة 2004 قاض بعدم شرعية الجدار، وقد صوتت 150 دولة عضوا في الجمعية العمومية للأمم  المتحدة لصالح القرار، ومن بين هذه الدول كل دول الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين في ذلك الوقت، بينما قامت ست دول بالتصويت ضده على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

 

 

لم تتوقف سلسلة الجدران العنصرية العازلة التي تنشئها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية عند ذلك الحد، فقد رصدت -حسب مصادر رسمية- ميزانية مقدرة بقرابة 835 مليون دولار لإنجاز مشروع جدار أمني يفصل قطاع غزة عن الداخل المحتل سنة 1948.

وبحسب مزاعم الحكومة الإسرائيلية التي يرأسها بنيامين نتنياهو، فإن الغاية من بناء هذا الجدار هي منع حماس من حفر الأنفاق التي باتت تشكل عامل قلق كبير للحكومة. ولعله من المفارقات الحديث عن جدران أمنية تحمي قوة عسكرية أمام شعب أعزل. هذه الجدران في حقيقة الأمر ليست إلا أداة لإطباق الخناق على الفلسطينيين ومزيد التضييق عليهم ومحاصرتهم،  وتقسيم الأراضي الفلسطينية وتفتيتها وتحويلها إلى قطع جغرافية مقطعة الأوصال.

الواقع المعيش للفلسطينيين بات اليوم أكثر تعقيدا ومأساوية، سواء على مستوى التنقل بين مختلف المدن والقرى، أو على مستوى توفير الاحتياجات الأساسية من مأكل ودواء إلخ…

أما غزة فقد أضحت سجنا كبيرا واقعا بين مطرقة الحكومة الإسرائيلية وسندان النظام المصري الذين عزلاها من كل الجوانب وحاصراها بجدران عزل عنصري تتنافى مع كل المعايير الأخلاقية والحقوقية.

الوسوم

هزار الفرشيشي

عضو فريق ميم التحريري وناشطة حقوقية

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “بين جدار برلين وجدران الفصل في فلسطين”

اترك رد