الرئيسيثقافة

في عشق الأدباء رغبة وصال مستحيلة…

وللناس فيما يعشقون مذاهب وعشق الأدباء مذهب مخضرم يجمع شتات قلوب استوقفتها كلمات وأشعار فاقتربت من بعضها وتوالفت رغم البعد والغربة ولم تصل أحيانا لمبتغاها، ولكن بلغت هدفها بتلاقي الأرواح وانسجامها، لتجمعهم رسائل حب في زمن الحرب.

مي زيادة وجبران خليل جبران، غادة السمان وغسان الكنفاني …وغيرهم من عشاق الأدب الذين وحدتهم الكلمة في حب أسطوري ووله لم يفرقهم عنه سوى الموت.

قصص تذكرنا بحنه ارندت ومارتن هايدغر، بسيمون دي بوفوار وجون بول سارتر، بحب نحت على جدران التاريخ فظل منقوشا في ذاكرة من تأثر بالوجودية ومن عايش التحركات النسوية ومن طالع النظريات السياسية، فكان أشبه بجدلية بين العاطفة والفكر وهذا ما ميزهم عن غيرهم.

 

مي زيادة وجبران: الفراشة والنبي             

“لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة”

لقبت مي زيادة بفراشة الأدب العربي، عاشت حياة مثالية تقول أنها “تجهل الدسيس”، لأنها تعيش عالمها الخاص في الكتابة والشعر والبحث.

اقتحمت مجال الكتابة في زمن كان يسيطر عليه الرجال وأضافت عليه الترجمات، سواء من الألمانية أو الفرنسية والانجليزية وكانت تجيد 9 لغات.

انفتاح الشرق على الغرب ساهم في جعل مي متميزة عن غيرها ومختلفة، فسميت بسيدة عصرها التي دافعت عن المرأة وحقها في التعليم ورفعت قضية النسوية في العالم العربي.

سيدة عشقها كثر (طه حسين، العقاد، الرافعي…) وأحبت نبيها جبران بعد أن قرأت مؤلفه “الأجنحة المتكسرة”، فأعجبها وتأثرت به الى حد مراسلته. جبران الذي لم تلتق به ولو مرة، تعرفا عبر الرسائل التي استمرت حوالي 20 عاما لتتحول الى كتاب أطلق عليه اسم “الشعلة الزرقاء” ضم أكثر من ثلاثين رسالة فريدة لم يعرف الأدب العربي مثلها.

جبران.. لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب، إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في المراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللؤلؤ السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر،

ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم، ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل القلوب عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة”

بحس صوفي وحب طوباوي عذري لم يجمعهم في خضمه لقاء ولا عرض زواج بقدر ما كانا يتلذذان بطعم البعد في العشق

هل تعلمين يا صديقتي أنني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة؟ وهل تعلمين بأنني كنت أقول لذاتي هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي تخفره جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلاداً لها وقومي قوماً لها؟”

عاطفة مي أقوى من جبران هذا ما اتفق عليه الباحثون في الادب العربي لأنها حملت كل مخزونها الشاعري والعاطفي نحوه، الا أن وجدانه كان منقسما بينها وبين غيرها، فلم يزرها ولا دعاها لزيارته ولا راسلها طالبا لقاءها.

“لقد توزع في المساء بريد أوروبا وأمريكا..

وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك، نعم إني تلقيت منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل، ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل؟”

 

 

كان خبر وفاته سنة 1931 بمثابة الصدمة لها وهو ما عمق وحدتها لتعيش وضعا نفسيا عصيبا، خاصة بعد وفاة والدتها في 1932. كما تعرضت لانهيار عصبي نقلت على إثره الى لبنان، حيث زج بها في مستشفى الأمراض العقلية والعصبية (العصفورية)، في عزلة كاملة لا يزورها أحد، الى أن تدخل أمين الريحاني وجيش الصحافة لإخراج “نابغة الشرق” الى مصحة الجامعة الأمريكية التي غادرتها في 1938.

حاولت زيادة استرجاع حياتها ولكنها فشلت، وانفض الكتاب ورواد الأدب من حولها في وقت انشغل فيه العالم بالحرب العالمية الثانية.

مي التي ولدت محبة للناس، ماتت وحيدة وفي صمت أخذت معها عشقها لجبران وآلام العزلة، فلم تصدر إثر وفاتها سنة 1941 أي كتابات ترثيها.

المراهقة الكبيرة وغسان الكنفاني

عزيزتي غادة…أعرفُ أن شيئاً واحداً أستطيع أن أقوله وأنا واثقٌ من صدقه وعمقه وكثافته، وربما ملاصقته التي يخيل إليّ الآن أنها كانت شيئاً محتوماً، وستظل كالأقدار التي صعقتنا: أنني أحبك“.

سيدة مسلمة متمردة على السائد ورجل مسيحي حررت كلماته قيود الخوف لسنوات من النضال من أجل استرداد الأرض والعرض جمعهما الحب والأدب والمقاومة.

غادة السمان الأديبة والروائية العراقية وغسان الكنفاني الكاتب والمناضل الفلسطيني التقيا في جامعة دمشق ثم في القاهرة في حفلة ساهرة في ستينات القرن الماضي حيث امتزج الأدب بالعاطفة وبدأت علاقة لم تكتمل فعليا ولكن خلدتها رسائل نشرتها السمان في 1992 أي بعد عشرين سنة من اغتياله

“نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، جسده المهترئ بالنقرس لا يرسمه جيدا، ولا يعبّر عنه، ولكنه حر يفعل ذلك باتقان، وحين أقرأ رسائله بعد عقدين من الزمن أستعيده حيا، ويطلع من حروفه كما يطلع الجني من القمقم، حارا ومرحا في صوته الريح…

يقرع باب ذاكرتي، ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين، وأوراقه وابرة “أنسولين” وصخبه المرح، ويجرّني من يدي لنتسكع معا تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة بلا أقنعة…ونتبادل الرسائل أيضا”.

زواج غسان حينها واختلاف الديانة من الأسباب الأساسية التي حالت دون أن يجتمعا في بيت واحد، ثم زواجها من بشير الداعوق في أواخر الستينات قضى على هذا الأمل الذي سبح الكنفاني في فضائه، الا أن المراهقة الكبيرة تملك طاقة من الحب لغيره فتزوجت وأنجبت ولدا وحافظت على علاقتها معه حتى وفاته.

“انني أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك، وأستطيع أن آخذك بمقدار ما ترفضين ذلك، وأنت ترفضين ذلك بمقدار ما تريدين الاحتفاظ بنا معاً، وأنت وأنا نريد أن نظل معا بمقدار ما يضعنا ذلك في اختصام دموي مع العالم.. إنها معادلة رهيبة، ورغم ذلك فأنا أعرف بأنني لست أنا الجبان، ولكنني أعرف بأن شجاعتي هي هزيمتي، فأنت تحبين فيّ، أنني استطعت إلى الآن ألا أخسر عالمي، وحين أخسره سأخسرك، ومع ذلك فأنا أعرف أنني إذا خسرتك خسرته”.

ولهذا عاب الكثيرون على السمان واعتبروا أنها تلاعبت بمشاعر غسان ليحبها من طرف واحد، فقد أوقعته في شركها ثم نشرت رسائله في بداية التسعينات لتغير الصورة التي كان يحملها المتابعون عن رجل مناضل عاش من أجل وطنه ومات فداه، بل وكأنها تسعى أحيانا بكل غرور وكبرياء لإذلاله، فلا ترد حتى على رسائله فكتب في احدى رسائله “عزيزتي غادة…يلعن دينك…تكتبين لكل الناس الاّ لي؟”

كما نشرت مؤخرا كتاب “رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان” كشفت فيه عن رسائل الحب التي كتبها وسر تعلقه بها، وهو ما أحدث جدلا خاصة أنها نشرت بعد وفاته بسنتين فكأنها تسعى الى فضح عشاقها في غيابهم..

ومن المنتظر أن تكشف غادة عن رسائل أخرى لأدباء وقعوا في حبها ليصبحوا فريسة الرسائل التي تجمعها، فتزيح عنها الحجاب في الوقت المناسب ، لتنفرد بحب وشكل أدبي استثنائي.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد