ثقافة

ثورة فجئية: تقديم لفيلم مصطفى زاد

ثورة فجئية

في هذا الأسبوع الممطر من شهر نوفمبر، انطلقت أيام قرطاج السينمائية فأضفت لمسة من الشاعرية و البهجة على خريف تونس البارد.

طالعت لائحة البرامج لأقرر أيها أشاهد، فتهت بين الأسماء والعناوين لكثرتها، واحترت أيها أنتقي لضيق وقتي الذي لا يتيح لي الا حضور بعضها..

نصحني بعض الأصدقاء باختيار فليم مصطفى زاد لنضال شطا، خاصة وأنه قد ادرج في مسابقة الأفلام الطويلة..

و بعد ساعات من الوقوف أمام شباك التذاكر بين الطوابير الطويلة، ظفرت وصديقتي بتذكرة دخول.. دلفنا الى قاعة السينما، وسرعان ما اطفئت الأنوار وصمت الجميع قبل أن ينطلق الفيلم.

يبدأ الفيلم على أغنية الهادي جويني” تبعني نبنيو الدنيا “ ويستعرض المخرج بالتناغم مع هذه الأغنية صورا لمواطنين تونسيين في مواقف مضحكة تارة و مؤسفة تارة أخرى.

هذه المواقف تتوارح بين تراكم النفايات و الشجار المعهود على قارعة الطريق، ووضع الحيوانات كالخرفان في وسائل النقل العمومي.. نفهم اثرها أن هذا التصادم بين كلمات الأغنية و الصور المعروضة والتناقض الصارخ بين ما تدعو إليه الأغنية من بناء عالم جميل وبين الواقع الموجود اختيار مقصود من المخرج، هدفه بناء صورة كاريكاتورية ناقدة.

 

مع نهاية الأغنية نلتقي ببطل الفليم مصطفي زاد الذي يؤديه الممثل منعم شويات. هذه الشخصية تم تشكيل ملامحها لتبدو نمطية عادية قد تلتقيها كل يوم من حولك. رجل تونسي يعيش حياة روتنية، يبدأ يومه بتنظيف أسنانه، يتشاجر مع زوجتة مضيفة الطيران الجميلة لعدم إهتمامها به (ويشك المشاهد أنه يشتم رائحة خيانتها).

تتركه شريكة حياته متجهة إلى عملها. نفهم من خلال المشهد الموالي أنه يعاني من مشكلة مع أسنانه تؤرقه وتملؤه ضيقا وانزعاجا.

يركز المخرج على هذه النقطة، تحديدا فهي تتعب البطل على مدار الفليم.. والغريب في الأمر أن الطبيب يؤكد له أن أسنانه سليمة، بالرغم من أنه يعاني من ألم يؤدي به في بداية الفليم إلى نزع هذه الضرس اللئيم.

ولنزع الضرس في مورثونا الثقافي و في التفسير النفسي عدة تؤيلات توحي بالموت أحيانا أو بعدم القدرة إلى إتخاذ قرار حاسم في الحياة..

ننتقل الى إصطحاب الأب لإبنه إلى المدرسة، وهنا يدور حوار بينهما نستشف من خلاله وجود هوة عميقة بينهما، وأن هذا الإبن لا يحترم أباه ولا يرى أن وجوده مهم في حياته، فيخبره بأنه شخص كسول يذهب متأخرا للعمل و لا ينفع في شيء..

من هذه النقطة تحديدا، يبدأ التصاعد الدارمي عبر التصاعد النفسي الذي يعيشه البطل، فمن زوجته التي لا تعيره بالا الى ابنه الذي يستخف به..

يصل إلى مكان عمله ونفهم أنه مذيع راديو. يباشر علمه و ينتهي دوام العمل بطرده بحجة أنه عديم الجدوى..

كل هذا طبعا يحدث بغلاف من الكومديا السوداء، فطريقة الطرد نقطة أخرى تنضاف إلى سلسلة أحداث اليوم المشؤوم.

يتراءى للبطل، ولنا نحن، بأنه قد وصل الى القاع في هذا اليوم الكئيب الذي لا يمكن أن يزداد سوءا..

حينها تحدث صدمة كبيرة له، مضحكة لنا نحن، اذ ما تلبث السيارة أن تتوقف فجأة وينفذ منها الوقود بعد طرده ومغادرته مقر عمله (السابق!)..

في عدة مشاهد متتالية، يترك البطل  سيارته على قارعة قارعة الطريق بعد أن نفذ منها الوقود و يهرع إلى محطة  البنزين حاملا دلوه ليتزود بقليل من الوقود. وبعد عدة محاولات مستميتة يتمكن من التحصل على مراده، فلا أحد هنا يريد أن يقدم  الوقود للآخرين بعد واقعة احراق محمد البوعزيزي نفسه..

و جدير بالذكر أن الفترة التاريخية التي تدور خلالها أحداث الفيلم هي أول إنتخابات رئاسية تعيشها تونس بعد الثورة.. يعود البطل أدراجه  ليجد أن مصلحة البلدية تريد أن تنقل سيارته بحجة أنها ليست في المكان القانوني، يخبرهم متوسلا بأنها نفذت من الوقود.. لكن لا أحديعير ما يقول بالا.

و هنا يقرر أن يركب سيارته بعد أن تم رفعها ويعلن متحديا أنه لن يغادرها مهما حصل، وسط دهشة الجميع و تصوير المارة له بهواتفهم المحمولة، ثم يجد نفسه في مستودع السيارت..

ورغم جميع محاولات العاملين ثنيه عن قراره واقناعه بالعدول عنه، يقرر أخيرا، بعد فشله في اتخاذ أي موقف يذكر في حياته، أن يتخذ موقفا ولأول مرة، وموقف مصطفى زاد هنا يذكرنا بالثورة التي أدى فيها تراكم الأحداث الظالمة للشعب المنكوب الى إتخاذه موقفا غاضبا و فجئيا غير مبرمج باغت الجميع..

هكذا، بعد ثباته على قراره، يحاول الجميع التقرب من مصطفى زدا و حثه عل النزول من السيارة: زوجته التي طالما تجاهلته والإعلام و حتى الوزير نفسه،  فالإنتخابات تنعقد في اليوم الموالي..

فهل ينزل مصطفي زاد من السيارة ياترى؟  وهل من سبيل لإستعادة قيمة وجوده في الحياة؟ أم أنه سيشعل الوقود في جسده كما فعل البوعزيزي من قبله؟

شاهدوا الفيلم!

رحاب الخترشي 

مقالات ذات صلة

اترك رد