مدونات

صغيرتي وقائمة التسوق

بقلم : هاجر عامر

في زيارتي الأخيرة لمركز التسوق في مدينتي الصغيرة، فاجأتني صغيرتي بسؤال بدا صعباً علي للوهلة الأولى.

هاجر عامر

سألت الصغيرة بحنق وغضب وهي الفتاة المغرمة بالتسوق مثلي: ماما لماذا تحصلين على كل ما تريدين بينما لا أحصل على كل ما أريد؟!

هناك تلعثمت كلماتي، وابتلعت ريقي بصعوبة، ثم أنهيت الموقف بنظرات حانقة وصيحات تعجل، وعدت للمنزل وأنا أشعر بتوعك نفسي. وكأن ابنتي قد اصطادتني في موقف مخل بقيمي ومبادئي ..

 

في طريق العودة استغرقت في التفكير، هل أقوم باستغلال سلطتي المالية ضد فتاتي؟ هل ما أفعله مخل بالعدل؟

واتخذت قرارا حينها بالقراءة والبحث في الجوانب النفسية والتربوية للإنفاق لأعرف ما إذا كانت هناك أسس تحكمه. وهُديت إلى بعض المبادئ التي ألهمتني لأعيد قيادة الدفة من جديد مع فتاتي  ابنتي.

خلال السنوات القليلة الماضية، اضطررت للتنقل من بيتٍ لبيت، ومن مدينةٍ لأخرى، ومن قارة لأخرى بشكل يفوق خيالي .وفي كل انتقالٍ كنت أصاب بوعكةٍ نفسيةٍ تطول أحيانا وتقصر أخرى.

أجبرتني تلك التنقلات البعيدة والضخمة على ترك الكثير مني، وأنا أعني ما أقول فكل ما أملكه أحبه وأعتبره جزءا مني. حتى أنني اضطررت في المرة الأخيرة لترك كل شيء .. كل شيء على الإطلاق ..

سيارتي، منزلي، عملي، ملابسي، كتبي، مذكراتي، أقلام الكحل وأطباق العشاء… كل ذلك تركته، حتى صندوق الذكريات خاصتي وهو الوحيد الذي لم يغادرني أبدا حتى تلك اللحظة .

أوشكت حينها على الدخول في وعكةٍ نفسية، وأصبحت على مشارف السقوط في دوامة الذكريات تأسفا على فساتيني الملونة أو ستائري المخملية أو مستحضرات التجميل التي جمعتها من كل العالم. أوشكت على البكاء على سيارتي زاهية اللون و التي لم تعلق رائحتي بها بعد.

أوشكت، ولكني قررت أن ألقن نفسي الدرس مهما كان مرا، وقررت التماسك.

 

تعلمت أن الزهد في الدنيا ليس فقراً ولا رثاثة حال، ولكن الزهد أن أملك فقط ما أحتاج وأتعفف عما أريد.

 

أضاءت فتاتي لي الطريق حين اتهمتني بالاستبداد وأسدت إلي معروفا. سبحت في خواطري وتأملاتي وقرأت كثيرا حتى هُديت إلى رشدي، وخلصت حينها إلى أن اللحظة التي نأخذ فيها قرارا بالشراء  أو التملك مهما صغر أو كبر يحركنا فيها دافعان لا ثالث لهما !

إذ إننا نشتري فقط لأننا نحتاج أو لأننا نريد، فمثلا قرارنا بالدفع لقناة تلفزيونية خاصة قد يكون دافعه أننا نحتاج أن نتعلم لغة أخرى وعلينا أن نتابع برامج بتلك اللغة لنجيدها، وهذا احتياج .. وقرارنا بالدفع لتلك القناة لأننا أحببناها حين شاهدناها إحدى المرات لدى أحد الأصدقاء هو رغبة عاطفية ..

وقرارنا بامتلاك قطعة جديدة من الملابس أو الأثاث لأننا لا نملك مثلها، هو قرار عاطفي مشبع لشهوة التملك والاقتناء. وقرارنا بالحصول على نفس القطعة لأننا نحتاجها فعلا هو قرار عقلي …

كلما زادت قائمة مشترياتنا قرباً لما نحتاج، كلما كانت قرارات الشراء رشيدةً، مقننة وحكيمة. وكلما زادت قائمة الشراء قربا لما نتمنى ونرغب كانت قائمةً مفتوحةً لا نهائية يتبعها التعلق المزيف بالأشياء، يتبعها الألم والحنين خاصة لمن اضطر للرحيل والتنقل !

 

تعلمت أن الزهد في الدنيا ليس فقراً ولا رثاثة حال، ولكن الزهد أن أملك فقط ما أحتاج وأتعفف عما أريد. تعلمت أنني كلما حققت رغباتي زادت وكلما تجاهلتها قلت. تعلمت أن أنفق جيدا حال استطاعتي على ما أحتاج، وأن أتباطأ كثيرا أيا كان حالي عما أرغب..

وهنا، كان علي أن أتبادل الخبرات مع صغيرتي، فبدأنا بالإعداد لقائمة التسوق مميزتين بين ما نحتاج وما نريد !

هاجر عامر

أخصائية نفسية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق