سياسة

الخليج في مهب العاصفة

تقارير اخبارية

لعقود طويلة عُد الخليج العربي مثالا للاستقرار السياسي والرفاه الاقتصادي، في منطقة عربية تعصف بها النزاعات والاضطرابات. لكن هذه الصورة بدأت تتغير في السنوات الأخيرة مع كل التقلبات التي شهدتها دوله ولا تزال، وكأن عدوى الأزمات قد انتقلت اليها ولعنة التوترات والصراعات قد حلت بها هي الأخرى..

تبدو اليوم أوبيريت “خليجنا واحد وشعبنا واحد” أبعد مل يكون عن واقع العلاقات بين دول الخليج التي باتت  تتراشق التهم عن دعم الإرهاب والضلوع في جرائم حرب و فساد، ويؤلب بعضها ضد البعض الآخر.  

 

وقد كتب الصحفي الكويتي سعد السعيدي  مؤخرا أن “مؤامرة كبرى تحاك للمنطقة ولدول الخليج بهدف  إدخالها أتون حروب يؤدي لتفككها وذوبانها كي يعاد تشكيل خارطة المنطقة .”

الحرب في اليمن

تعيش منطقة الخليج مؤخرا على ايقاع أزمات متتالية سواء داخلية أو بينية، أهمها تورط التحالف العربي بقيادة السعودية في الحرب باليمن. فرغم مرور أكثر من سنتين على انطلاق “عاصفة الحزم”، لا تزال الأوضاع الأمنية في اليمن على حالها، بل إن  حدود المملكة باتت مهددة من قبل الجماعات الحوثية. وقد رصدت السعودية مـؤخرا مكافآت مالية لمن يدلي بأية معلومات تفضي إلى القبض على 40 مطلوباً من جماعة الحوثي في اليمن.

كما تسببت الحرب في كوارث إنسانية كبرى، وأدت الى وفاة المئات من المدنيين الأبرياء، حتى أدرج التحالف على اللائحة السوداء للأمم المتحدة باعتباره مسؤولا عن مقتل 638 طفلا يمنيا وتدمير 38 مدرسة ومستشفى.

وفيما تلقي بعض دول الخليج اللائمة على ايران وتعدها السبب في أزماتها والتوترات التي تشهدها، يرفض آخرون هذه التفسيرات، فيقول الصحفي عبد الباري عطوان مثلا

“حتى لو كان هناك مشروع إيراني في المنطقة فإن دول الخليج  قد سهلته، فاليمن على سبيل المثال تطالب منذ 20 عاما بالانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وهي أفقر البلدان في منطقة هي الأغنى في العالم، لقد سمحت هذه الدول بتجويع اليمن ولم تأخذ بيده. كان يجب على دول الخليج أن تحصّن الشعب اليمني من المشروع الإيراني.”

كما يذهب عطوان أن للدول الخليجية يدا في الأزمات المستعرة من حولها التي اصابتها بعض شظاياها، مؤكدا  أن بعضها ضالع في الحرب في سوريا وليبيا.

حصار قطر

الوجه الثاني للعاصفة في منطقة الخليج يتمثل في الحصار الذي فرضته السعودية والامارات على دولة خليجية أخرى، أي قطر،  وألبت من حولها للانضمام الى الجبهة التي شكلتها لاطباق الخناق عليها.

وقد تسبب الحصار في خسائر اقتصادية فادحة لدول المنطقة نفسها، ونشرت مؤسسة بلومبرغ المختصة في الاقتصاد، أن العديد من الشركات في المنطقة قد تراجعت معاملاتها بشكل كبير باعتبار أن قطر تستورد 80 في المائة من حاجياتها الغذائية، أغلبها من الدول المقاطعة.

وجاء في تقرير بلومبرغ أن “قطر توجهت نحو أسواق بديلة، وبدأت الشركات العمانية تصدر المنتجات نحو الدوحة، مع افتتاح خطين ملاحيين تجاريين، كما أرسلت طهران  طائرات شحن محملة بالأغذية إلى قطر لتزويدها بمائة طن من الفواكه والخضر يوميا.  كما تدفقت المنتجات من تركيا والكويت وغيرها من الدول العربية، واليونان وأذربيجان والهند وغيرها إلى السوق القطرية، مع تأمين مخزونات تفيض عن حاجة السوق القطرية للسلع والبضائع، وفي نفس الوقت دخلت الشركات الخليجية في الدول المقاطعة أزمة ستتصاعد في حال طال أمد الحصار.”

وزيادة على التداعيات الاقتصادية أثر الحصار في النسيج الاجتماعي لدول الخليج، في منطقة متداخلة تتسم بالبنية القبلية وتربط بين عائلاتها صلات قربـى ودم ومصاهرة يمتد بعضها مئات السنين.

اما سياسيا، فإن التخوف من انهيار مجلس التعاون الخليجي يتفاقم يوما بعد يوم، ويستبعد المراقبون انعقاد قمة المجلس المقررة في شهر ديسمبر/ كانون الأول المقبل بالكويت.  وقد دعا وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة إلى تجميد عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي.

أزمات داخلية

لا يختلف اثنان في أن المملكة العربية السعودية تعيش وضعا دقيقا منذ تولي الملك سلمان الحكم وتسلم ابنه ولاية العهد. ولم يعد الامر يتعلق بنزاعات داخلية تدور خلف الأبواب المغلقة وفي الكواليس، بل تدور على مرأى ومسمع من الكل.

ولم يتوقف الأمر على اعتقال شخصيات دينية وسياسية وفكرية كانت دائما تحظى بالوجاهة داخل المملكة، بعد أن انحصرت مواجهة السلطة مع التيارات المتشددة في الماضي، بل تجاوزتها الى الأسرة المالكة والطبقة الحاكمة نفسها.  

وقد اندهش العالم من الخطوة اللا مسبوقة التي أقدم عليها ولي العهد السعودي (بعد ازاحة من سبقه) الى اعتقال من كانوا يُعدون أعمدة الحكم والاقتصاد والاعلام في البلد، فبادر الى ايقاف 49 شخصية بين أمراء ووزراء سابقين وحاليين بتهمة الفساد، وضرب عليهم الاقامة الجبرية وجمد ـزموالهم التي تعد بعشرات المليارات. ويجمع جل المراقبين من الخارج ان الهدف من سلسلة الاجراءات المباغتة هذه هو تصفية الخصوم والمخالفين واعداد الأرضية لاعلان محمد بن سلمان نفسها ملكا على السعودية.

ويشير المراقبون الى أن أزمة الاستقرار السياسي في البلد والحرب المستعرة على حدوده تجري في ظل ترد للأوضاع الاقتصادية مع تراجع أسعار النفط في السنوات الأخيرة. وقد ذكرت وكالة رويترز أن   “اقتصاد المملكة العربية السعودية عاد إلى الانكماش مرة أخرى بعد ركود قطاع النفط وتضرر القطاع الحكومي بسياسات التقشف الهادفة إلى تقليص العجز في ميزانية الدولة الناجم عن انخفاض أسعار النفط. فقد تقلص الناتج المحلي الإجمالي، الذي تم تعديله لمواجهة التضخم .”

كما نشرت شبكة بلومبيرغ تقريرا أكدت من خلاله  أن “أحدث بيانات وأرقام الاقتصاد السعودي تُظهر أنه يعاني من حالة ركود غير مسبوقة، الأمر الذي يقوّض فرص نجاح رؤية  2030 ويخيب آمال صناع السياسة السعودية.”

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد