مجتمع

نجوت من معلمتي ومن مادونا!

ولدنا في ظلال أزمات وهزائم كثيرة ومتكررة، هزائم  اقتصادية وسياسية وعسكرية، وبينما كنا نكبر مع كل تلك الأزمات عانينا أيضاً من أزمة هوية، كنا نسمع دائما أن هويتنا هي ديننا، ولا نملك هوية أخرى  غير الدّين، فلغتنا هي لغة ديننا، وثقافتنا هي ديننا، ولا يمكن أن نكتسب أو نحافظ على هوية أخرى  غير الدين. 

 وغالبا ما كانت طرق الحفاظ على هذه الهوية  عبر التمسك بالشكل الذي  حُصر بالملابس وخاصة ملابس النساء ،حيث استطاع الرجال بطريقة ما دون أن يشعروا  بالتناقض تبني ملابس من ثقافات مختلفة، وكيف يشعرون بالذنب ونساؤهم يلبسن ملابس الهوية ويحافظن عليها!

هل هويتنا هي الدين فقط؟ وأين هويتنا الحقيقية؟ لماذا يملك الناس ثقافات مختلفة قد تكون أفضل من ثقافتنا؟ لماذا نكره ثقافات الآخرين ونشعر بأننا أفضل منهم؟ هل نحن أفضل؟ ما هي هويتي؟ ما هي ثقافتي؟ لماذا أكره ثقافة مجتمعي؟

ومع كل هذه الأسئلة أتى  النظام العالمي الجديد الذي فرض مسبقا ثقافته على دول أقوى منا وتملك تاريخا وحضارات وثقافات قوية ليغيرها ويسيطر عليها فمن نحن أمام هذا الإعصار الذي يسمى بثقافة البوب ؟!

أذكر في بداية مراهقتي أنني قررت أن أصبح مثل “مادونا” نجمة البوب الأمريكية ، لم أرد أن أصبح مغنية، بل متمردة ، كان علي أن أختار بين أن أصبح مثل معلمتي في المدرسة التي كانت تعطينا دروسا خاصة في الدين، وتجهزنا لنصبح زوجات مطيعات وتعطينا نماذج كنت اتقزز منها …

نساء يغطين وجوههن رؤوسهن وعقولهن  ولا يملكن هوية حقيقية، ولا يملكن أصواتا..

أو أن أحلم ان أكون عكسهن في كل شيء، وهذا نموذج لم أجده إلا في “مادونا” ،لم أجد نماذج أخرى،  كنت أقضي ساعات

 

طويلة في الأسبوع أشاهد أغاني “مادونا” وجميع نجوم البوب وأتتبع أخبارهم “مادونا” هنا كانت تمثل كل ما لم تكن تستطيع نساء مجتمعي فعله … كانت في الخمسين من عمرها ترقص في اغنية Hung up عندما شاهدتها أول مرة عام 2006 كنت في الثالثة عشر من عمري أتتبع أخبارها، تمردها، علاقاتها، آراءها …. كنت أعاني من عدم وجود قدوة أعجب بها في حياتي..

لم أجد امرأة قوية أحلم بأن أصبح مثلها ، كان الجميع  يتحدث عن رجال اقوياء حاربوا وهزموا الاعداء والشياطين، ولأنه كان يقال لنا أننا لا نستطيع أن نصبح مثل الرجال، لم اجد امرأة هزمت الشيطان لأصبح مثلها .

ازداد هوسي بثقاقة البوب، ولم اعد اعيش في الواقع ، ازدادت كراهيتي لثقافتنا وتجاهلي لها، بدأت أرى نساء مثل “مادونا” و”كريستينا اغليرا” و”بريتني سبيرز” و”بيونسي “نماذج تناسبني أكثر من نساء مجتمعي وكان هذا للأسف النمط السطحي الذي تروج له ثقافة البوب الأمريكية.

 بدأ الوعي بعد ما يقارب ال10 سنوات لأدرك أن النموذج التقليدي الذي كرهته في نساء مجتمعي لا يختلف كثيرا عن النموذج الآخر الذي وجدته في ثقافة البوب وان “مادونا” نفسها كانت مثل معلمتي  تروج لثقافة ذكورية سيئة، فبينما تعري هذه الثقافة الذكورية جسد “مادونا” تحت شعارات تجارية وشعارات إثارة وحرية … تغطي نفس الثقافة وجوه وعقول نساء مجتمعي تحت شعارات دينية وأخلاقية.

رغم جميع الشعارات التي تتردد اليوم والتي نسمعها في كل مكان عن الحرية والديموقراطية والمساواة ، لا نزال نعيش في عالم عبودي وعنصري ، عالم ينقسم إلى أغنياء وفقراء ، نساء ورجال ، عالم يملك فيه الأغنياء العبيد والنساء، تماما كما كان قبل قرون.

وفي مجتمع مثل مجتمعنا حيث الأغلبية فقيرة لا يزال الرجال يرغبون في استمرار النظام الابوي فهم يحلمون بأن يصبحوا يوما ما الملاك والأسياد عوضا عن أن يثوروا على هذا النظام الذي يروج في ثقافة البوب، ويعملوا علي تغييره ليتحرروا هم أنفسهم قبل أبنائهم، ولكن في مجتمع مثل مجتمعنا تتسم الثقافة فيه بالجمود والخوف من الحركة سواء كانت حركة فكرية أو سياسية لأنها تؤدي إلى خسائر قد تبدأ من خسارة الأهل والوظيفة وحتى الحياة نفسها بالنسبة للبعض.

اما بالنسبة للبعض الآخر فيكون الكسل وراء جمود أفكارهم، حيث يرددون ببلاهة أن العقل في الغرب والروح في الشرق دون أن يلاحظوا أنهم يؤكدون عدم تمتعهم بالعقل!

ثم يربون أبناءهم في ظل هذه الأفكار الرجعية ليعيش أبناؤهم صراعا ثقافيا ولا يجدون سوى ثقافة البوب التي تحقنهم بمخدرات تخدر عقلهم، يشاهدون افلام رعاة البقر والجنس وأفلام العنف والجريمة لتكتفي عقولهم المحرومة بمشاهدة ما حرمت منه ويقتنعون أنهم عاشوا هذه الأحداث ويمكثون في الوهم، بينما بسبب الأنظمة التعليمية الجيدة تزداد نسب ذكاء الطلاب في الجوانب الأخرى من العالم، من الواضح أنها تنخفض هنا بسبب أزمات الهوية والأنظمة التعليمية الفاشلة.

اظن ان الوقت حان لنتعلم من أخطائنا ونغير طرق التربية، أن نتعلم أن نأخذ من كل ثقافة ما ينفعنا من غير ان نتعصب ونمجد ثقافتنا لمجرد أنها ثقافتنا بل أن نتعلم النقد السليم والصائب لثقاقتنا وعدم ترديد أن الثقافات الأخرى فاسدة منحطة ، أن نتعلم تقبل ثقافات الآخرين وإنصافها حتى لا نحث أبناءنا على الهرب من ثقافتهم ونسهل عليهم اختيار طرقهم ونجنبهم الصراعات التي عشناها، ها انا اليوم بعد عشر سنوات من اتخاذ قراري بأن أصبح مثل “مادونا أستطيع أن أقول أنني بطريقة ما نجوت بأعجوبة من أصبح مثل “مادونا” ونجوت أيضا أن أصبح مثل معلمتي.

تعلمت أشياء كثيرة ووجدت نفسي في مكان مختلف ، قد أكون أنا نجوت من أزمة الهوية ولكنني أرى الكثير يعاني منها اغلبهم صغار في السن ويحتاجون إلى نماذج وقدوات ناجحة ليقتدوا بها وأنظمة تعليمية هادفة لا تعلمهم الجمود ليكبروا ويصبحوا مثل معلميهم يرددون أننا هنا نملك الروح وهم هناك يملكون العقل.

لا نحتاج جيلا آخر يملك الروح، نحتاج أجيالا تتعلم أن الجسد والروح والعقل كيان واحد لا يفترق، جيلا يملك حس الإبداع … لم يتم قهره ولم يتم غسل مخه ولم يعان من صراعات هويات متقاتلة.

الوسوم

مريم حسن

كاتبة صومالية

مقالات ذات صلة

رأيان على “نجوت من معلمتي ومن مادونا!”

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق