مدونات

مقعد واحد لامرأتين

بقلم: رحاب الخترشي

هكذا تعودت أن أبدأ صباح يوم الإثنين في النقل العمومي، أو هكذا تعودت الكثيرات مثلي الإنطلاق في صباحهن.. فبعد ملاحقة مواصلات النقل و التدافع وتفادي النشالين والمتحرشين تبدأ رحلة البحث عن المقعد.. هنا، من وجد مقعدا فقد غنم برفاهية لا مثيل لها، نعمة من الخالق و شعور عميق بالامتنان وحسن الطالع…

مع أول خط مضيء في السماء، أو حتى قبله بقليل أتحصل أخيرا على مقعد في سيارة الأجرة أو كما تعرف في تونس  “اللواج” louage.. أجمل ما في هذه الرحلة مشاهدة أماكن  خضراء على مدى الطريق من مدينتي بنزرت، إلى تونس العاصمة، والتمتع بالجمال المبهر للطبيعة الخلابة والفلاحين والفلاحات و هم يزاولون عملهم بجد ونشاط..

تصعد إلى جانبي إمرأة في عقدها الرابع، ثم رجل في مقتبل العمر.. وهكذا بكل بساطة، نجد أنا وصديقتي الجديدة نفسينا مكدستين  في مقعد واحد، وبلامبالاة، يحتل صديقنا  نصف المكان!

أحاول طبعا في كل مرة التخلي عن جانبي “الفيمينست” و أن أتقبل ما يحصل علّني أتكيف مع الوضع، إلا أن هذه المرأة

رحاب الخترشي

كانت ننغرس في أكثر فأكثر، حتى بت أشعر بضيق شديد واختناق، و بت لا أطيق الوضع، خاصة مع توفر المكان الكافي لثلاثة أشخاص…

إمرأتان و رجل… توحي لك هذه العبارة بعنوان راوية عاطفية، حيث تتنافس إمرأتان على رجل واحد. ولكن لسنا كذلك.. نحن إمرتان تتنافسان على مقعد واحد، فيما يحتكر رجلنا هذا المقعدين…

أحاول أن أنظر لنا من الخارج، بعين أخرى، سينمائية ربما، تحاول تصوير مايحدث: إمرأة كهلة تنغرز بجانب فتاة في العشرينات، تبدو الفتاة منزعجة.. ويجلس بجانبهما رجل  يضع سماعات الأذن مرتاحا جدا، يغمض عينه مسترخيا، ويستمع إلى الموسيقى بهدوء.. ربما يفكر في إختراع شي ما… من يدري؟

المرأة تبدو منهكة منكمشة، تترك نصف مكانها للشاب و تلتصق بالفتاة التى تنظر نحو السماء من شباك الحافلة بضيق شديد..

تتدفق أمامي في تلك الحظة  العديد من العبارات و الأفكار..  للرجل مثل حظ الأنثيين، وشهادة الانثيين بشهادة رجل واحد، وضرورة وجود مقاعد للنساء في مجلس النواب، النصف بالنصف على ما أظن، هكذا كان شرط أول إنتخابات بعد الثورة، حتى أن البعض من المترشحين في القوائم الإنتخابية تجندوا في رحلة تفتيش عن نساء قادرات على الترشح لهذه المناصب..

هل يعلم صديقنا كل هذا؟!! لا أدري..

توشوش الفتاة في أذن المرأة فتبدو ملامح التعجب الشديد على المرأة.. والمُشاهد لهذا الموقف يتوقع أن تكون المرأة أُمّا لتلك الفتاة،  أولا لان هناك تشابها كبيرا بينهما على المستوى المظهري، ثانيا لان المرأة تبدو  بهذا القرب الحميمي من الفتاة وكأنها تحاول تدفئتها وتخشى عليها من البرد..

ولكن بعدما ما أسرّت به الفتاة للمرأة، تبدو الأخيرة غاضبة، تناقش الفتاة بحدة..

تبدو الفتاة حادة الطباع، ويكاد ينشب نوع من الشجار بينهما، ربما بسبب تململ الفتاة من الوضعية غير المريحة، فيما يبدو الشاب نائما و كأنه لا يعي ما يحدث بالقرب منه..

في نهاية المطاف، يبدو أن المرأة إقتنعت بما أسرته لها الفتاة، فاستدارت قليلا صوب الفتى تهم بايقاظه، لكنها سرعان ما تغير رأيها وتحجم عن ذلك خجلا..

-لم تشعرين بالخجل، انه أخذ مكانك؟!!! هو يتمدد في مكانك ولا يبقي لك حيزا، ألا تفهمين؟!!!

-لا أفهم لم  تبالغون أنتم الشباب في كل شي، أين المشكل في هذا؟ مؤكد أنه لا يستطيع أن يجلس بطريقة أخرى فهو رجل، ألا تفهمين؟!  ثم هو يأخذ مكاني وليس مكانك؟!!

– عندما تتنازلين عن مكانك فانت بدورك تتنازلين عن مكاني، وتضطرينني لمقاسمته معك. الأمر لا ينتهي عندك وحدك، بل يتجاوزه لي أنا.. أرجو ألا تتنازلي عنه حتى أحظى بقليل من الراحة.. ثم لا شي يقول ان الرجل لا يملك الجلوس الا بهذه الطريقة، فكري فينا نحن الاثنتين، أيعجبك حالنا مكدستين متراصتين هكذا؟!!!

 

في هذه اللحظة تحديدا، يفتح رجلنا عينيه على صوت حديث الاثنتين ويقول متثاقلا متبرما “آه منكن أنتن النساء، كم تحببن الثرثرة!…”

رحاب الخترشي 

صحفية محررة في فريق مجلة ميم 

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “مقعد واحد لامرأتين”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق