مجتمع

تونس: إلى متى تدفع الفتيات ضريبة الفقر؟

قرابة 18% من الفتيات القاصرات يشتغلن معينات منزليات

قرابة 18 بالمائة نسبة القاصرات اللاتي يشتغلن معينات منزليات في تونس، حسب ما أعلنت عنه  جمعية النساء التونسيات من أجل التنمية في دراسة أجرتها سنة 2016.

رقم مفزع يحيلنا إلى بشاعة الانتهاكات التي تتعرض لها الفتيات القاصرات، من استغلال اقتصادي مجحف يصل إلى حد العنف الجسدي والجنسي.

87 ألف معينة منزلية من بينها 17.8 بالمائة قاصرات

انتشرت ظاهرة تشغيل الفتيات القاصرات اللائي يُرغمن على العمل في المنازل بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية للعائلات، فالأسر تجبر بناتها القاصرات على العمل اما في الحقول الفلاحية أو في المنازل، حتى يساعدن في توفير حاجياتها.

أرقام مفزعة تعكس بشاعة الظاهرة، حيث أكدت جمعية النساء التونسيات من أجل التنمية في دراسة لها أعدتها سنة 2016 أن العدد الجملي للمعينات المنزليات في تونس بلغ 78 ألف معينة، من بينها 17.8 % من القاصرات.

في حين يشير الاتحاد العام التونسي للشغل في دراسة أعدها في أكتوبر/ تشرين الأول  2015  الى أن عدد القاصرات العاملات في المنازل بلغ نحو 40 ألف فتاة.

 ودائما حسب الدراسة التي أعدتها جمعية النساء التونسيات من أجل التنمية، يتبين أن مناطق الشمال الغربي من البلاد التونسية هي التي تنتشر فيها الظاهرة بشكل كبير، حيث تتصدر المراتب الأولى في تشغيل القاصرات في المنازل ولاية (محافظة) جندوبة  بنسبة 27.4 % تليها ولاية القصرين، ثم ولاية القيروان ب 16.4 % ثم ولاية بنزرت ب 9.6%.

وكانت وزارة المرأة والأسرة والطفولة، اثر قيامها بتحقيق متعدد المؤشرات سنة 2012 و 2011 شمل 9600 منزل في مختلف الجهات الكبرى بالبلاد تناول الشريحة العمرية بين5 و 14 سنة من الذكور والإناث، أكدت أن النسبة الجملية للأطفال المعنيين بظاهرة التشغيل بلغت 3%، تتوزع على 5% في المناطق الريفية و2% في مناطق العمران، مع العلم أن ظاهرة التشغيل تشمل خاصة الشريحة العمرية بين 5 و11 سنة.

سوق أسبوعية للاتجار بالفتيات القاصرات

أثار تصريح وزيرة المرأة والأسرة والطفولة نزيهة العبيدي  جدلا كبيرا، وأسال حبر العديد من الكتاب والصحفيين التونسيين والعرب، بعد أن أقرت بوجود سوق أسبوعية للاتجار بالفتيات القاصرات في إحدى المدن التونسية، من أجل تشغيلهن كمعينات في المنازل.

وفي نفس السياق، نبه رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف في حوار مع مجلة ميم أنه في كل المناطق يوجد وسطاء “سماسرة” تلتجأ لهم العائلات التونسية التي تبحث عن معينة منزلية،

“اذهبي إلى الأسواق الأسبوعية بتلك المناطق المعروفة، واعلني أنك تبحثين عن معينة منزلية وستجدين أشخاصا يُرشدونك إلى منازل الفتيات، أو أنهم يجلبونهن لك دون أن تعرفي مكان اقامتهن أو أي معلومة عن عائلاتهن”.

إفراط في الاستغلال واعتداءات جنسية وتحرش

يؤكد الشريف أن الفتيات اللاتي يشتغلن في المنازل يتعرضن لمختلف أشكال العنف من عنف مادي إلى تحرش من قبل أفراد العائلة المشغلة يصل في الكثير من الأحيان إلى الاعتداء الجنسي على الفتاة القاصر.

“الفتيات يعملن 24/24 ساعة أي بالإقامة، من دون أي رقابة، وهناك إفراط في الاستغلال واضح وجلي …لذلك تجاوز الأمر الاستغلال إلى المتاجرة بالأطفال، وهو شكل من أشكال العبودية”.

ومن أهم المشاكل التي تحول دون حماية القاصرات اللائي يشغلن في البيوت، حسب السيد الشريف، أن المواطن التونسي لا يقوم بالاشعار عن حالات خرق قانون تشغيل الأطفال التي تعترضه.

ويعرف الشريف الاشعار بأنه “واجب قانوني  على كل المواطنين الإعلام بكل طفل يتعرض للاستغلال، ويتم الاشعار في كنف السرية وكل شخص يقدم اشعارا يكون محميا بالقانون  ولن يتم الكشف عن هويته أو من الممكن التعرف عن صاحب المعلومة”.

ويضيف أن “القانون التونسي ينص على تعرض من يلاحظ وضعية استغلال دون القيام بواجب التبليغ عنها إلى عقوبات وتتبعات عدلية، لأن ذلك يعد تواطؤا ومشاركة في استغلال الأطفال”.

“لكن لم يقع تفعيل هذه الآلية، والدولة لم توفر الرقم الأخضر للإعلام بهذه التجاوزات التي تطال الأطفال، ومن المفروض توفر هذا الرقم منذ إصدار مجلة حماية الطفولة  منذ 20 سنة”.

“جميعنا يعلم أن الاعتداءات الجنسية تحدث في الفضاءات المغلقة، وعندما نتحدث عن المعينات المنزليات القاصرات نتحدث عن الفضاءات المغلقة، وبالتالي فرص التهديد  تكون أكثر.”

القاضية سامية دولة

الإفلات من العقاب وعدم احترام القانون عمق الظاهرة

من جهتها، ترجع الدكتورة فتحية السعيدي انتشار ظاهرة تشغيل الفتيات كمعينات منزليات إلى استفحال الفقر والخصاصة،  فهناك عائلات تونسية “تعيش تحت خط الفقر” على حد تعبيرها.

كما تشير الى أن هناك ترسانة من القوانين تمنع تشغيل الأطفال تحت سن 18 سنة، وأن تونس صادقت على اتفاقيات دولية في هذا الخصوص لكنها ليست مطبقة”.

وتضيف السعيدي أنه “رغم وجود قانون يحمي المعينات المنزليات حتى يتمتعن بالتغطية الاجتماعية، إلا أن العائلات والمؤسسات التي تشغل الفتيات القاصرات لا تلتزم بهذا القانون”.

 

 

القانون التونسي ينص على تعرض من يلاحظ وضعية استغلال دون القيام بواجب التبليغ عنها إلى عقوبات وتتبعات عدلية، لأن ذلك يعد تواطؤا ومشاركة في استغلال الأطفال

السيد معز الشريف

قانون يحجر عمل الأطفال كمعينات منازل

تؤكد القاضية سامية دولة  المكلفة بمأمورية بديوان وزارة المرأة والطفولة أن القانون، عدد 58 لسنة 2017 الصادر في 17 أوت، أغسطس 2017 ، يمنع منعا باتا تشغيل الأطفال معينات منزليات.

وتضيف دولة أن  هذا القانون  الجديد قام بسد  جميع الثغرات، باعتباره يعاقب كل المتدخلين من الولي إلى المؤجر وكذلك الوسيط الذي يتوسط في تشغيل الفتيات في هذا القطاع ويُعاقبه بنفس عقوبة الأولياء والمشغل.  

وتشير إلى أن هذا القانون يوفر الحماية  للأطفال وفق ما ينص عليه الفصل 47 من الدستور الذي يضمن حماية الأطفال من كل أشكال الإساءة. كما يحمي الأطفال من الإساءات الجنسية

“جميعنا يعلم أن الاعتداءات الجنسية تحدث في الفضاءات المغلقة، وعندما نتحدث عن المعينات المنزليات القاصرات نتحدث عن الفضاءات المغلقة، وبالتالي فرص التهديد  تكون أكثر. في المقابل من يشتغل في الفضاءات المفتوحة إمكانية الاعتداء  عليه تكون أقل”.

 

قانون 58 لسنة 2017

رغم وجود ترسانة من القوانين المنصوص عليها في الدستور التونسي، والاتفاقيات التي وقعت عليها البلاد التونسية المتعلقة بحماية الطفولة، إلا أن هذه القوانين منتهكة، خاصة في مجال تشغيل الأطفال واستغلالهم في المجال الاقتصادي.

هوة شاسعة تفصل بين القوانين والواقع، والنتيجة هي أفواج الفتيات اللائي يحرمن من طفولتهن ويحملن عبء توفير القوت والمال لأهاليهن وهن لما ينضجن بعد، فيسقط عنهن حقهن في الدراسة والحياة آمنات من الاستغلال في حضن الأسرة.

فالى متى تبقى الحكومات والبرلمانات تتفنن في سن تشريعات تبقى حبرا على ورق، بدل العمل على تجسير الهوة السحيقة، وتحسين ظروف الفئات المستضعفة في الأرياف، وحماية الفتيات اللائي يفرض عليهن دفع ضريبة الفقر والتهميش والخصاصة؟!

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.