ثقافة

الوجه الآخر لسيمون دي بوفوار

ثقافة

 

 

رغم رحيلها منذ أكثر من ثلاثين سنة، مازالت الكاتبة والفيلسوفة الوجودية الفرنسية سيمون دي بوفوار تلهم الناشطات النسويات في كلّ أنحاء العالم، ومازالت كتبها إلى اليوم تحظى بالرواج والنجاح، بل وتعتبر أفكارها وأطروحاتها مرجعية هامة في الفكر النسوي.

 

أثرت سيمون دي بوفوار في كثير من الكاتبات والناشطات العربيات اللواتي انطلقن من نقطة أنّ الهمينة الذكورية هي السبب في إبقاء المرأة في حالة الاستكانة والضعف والعبودية، ويعتبر كتابها “الجنس الآخر” الذي نشر سنة 1949 الأشهر في مسيرتها والذي تمّ بيع مليون ومئتي ألف نسخة منه إثر إصداره في طبعته الفرنسية وقد ترجم إلى 27 لغة.

تناولت دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر محورين مهمين، المحور الأول وضعية المرأة اليوم من خلال أربع أجزاء، مصير المرأة، مراحل تكوين المرأة، أوضاع المرأة، والفصل الرابع بعنوان تبريرات. وقد استنتجت الكاتبة من خلال هذه الفصول أنّ صورة المرأة في تلك الفترة هي نتاج للثقافة الذكورية التي تحكمت لقرون طويلة في مفاصل التاريخ.

 

 

أما المحور الثاني من الكتاب، فقد دافعت فيه عن ضرورة مواجهة المرأة لواقعها والانطلاق نحو التحرر، وقد سبق وأن وضعه الفاتيكان ضمن الكتب المحرّمة نظرا للثقافة المحافظة السائدة في أوروبا في تلك الفترة ولم يرفع الحظر إلا في منتصف الستينات.

ولدت دي بوفوار سنة 1908 في عائلة ارستقراطية، برز نبوغها الفكري في طفولتها وهو ما جعلها متمرّدة على كلّ الأعراف والتقاليد التي كانت تهيئ المرأة لدور الزوجة المطيعة لزوجها والمنصاعة لإرادته، وهو ما جعل والدها يراهن عليها وعلى تدرسيها والذي دائما ما كان يقول أن لسيمون عقل رجل.

كانت نقطة التحوّل في حياتها معرفتها بفيلسوف الوجودية “جون بول سارتر”، حيث تعرفت عليه في أوّل العشرينات من عمرها، وارتبطت به في علاقة طويلة لم تنته إلى الزواج وتأسيس عائلة، ولكنّها خاضت في مشوارها الطويل معارك فكرية ضارية ضدّ استعباد النساء سواء من خلال كتبها أو ندواتها في فرنسا وخارجها.

 

 

ورغم علاقتها الاستثنائية مع جون بول سارتر، فقد أقدمت سيمون دي بوفوار على خيانته مع الكاتب الأمريكي ” نيلسون أليغرين” الذي تبادلت معه رسائل غرامية  كثيرة نشرتها الصحافة الفرنسية، وقد أطلقت عليه لقب زوجي العزيز رغم أنّها لم تتزوج منه، كما عاش سارتر علاقات أخرى إلى جانب علاقته مع سيمون دي بوفوار التي تمسكت به وقد ابتدعا مقولة “أخونك بمعرفتك” من أجل تسيير حياتهما دون الانفصال بسبب الغيرة.

 

عرفت سيمون دي بوفوار بميولها المثلية رغم ارتباطها بجون بول سارتر، وقد اتهمتها إحدى تلميذاتها ” بيانكا بينفيلد”  بالتحرّش الجنسي أثناء تدرسيها، وقد دونت هذا في مذكراتها التي نشرتها فيما بعد، إذ فضحت فيها سادية سارتر واستغلال دي بوفوار لها.

كما تمّ توجيه اتهامات كثيرة للكاتبة الفرنسية بشأن التحرش، إذ اتهمت باستدراج طالباتها القاصرات لإقامة علاقات جنسية معها ومع عشيقها سارتر. ومن أشهر علاقاتها المثلية مع صديقتها وطالبتها “أولغا كوساكيويتز” التي أهدتها في صفحة الإهداء الأولى رواية “أتت لتمكث”.

 

دي بوفوار مع عشيقيها نلسن ألغرن وألغا كوساكيفتش

 

وقد نقل الكاتب متعب القرني في كتابه “الحياة السرّية لمفكرين ولفلاسفة “أنّ آخر عشيقة لسيمون دي بوفوار وجون بول سارتر كانت الطالبة “نتالي سروكين” البالغة من العمر 17 عاما، والتي كانت سببا في سحب رخصة التعليم منها مدى الحياة بعد أن اشتكتها والدتها لدى السلطات الفرنسية بتهمة التحرّش.

تناولت الناشطة والصحفية  الفرنسية “ماري جوزيف بوني” في كتابها “سيمون دي بوفوار والنساء” الوجه الآخر أو الصورة القاتمة لأسطورة النضال النسوي سيمون دي بوفوار والتي تتجاهلها النسويات، إذ اتهمتها بعدائها للنساء من خلال دراسة مطولة لأعمالها ومراسلاتها، وأيضا من خلال ما كتب عنها.

 

 

وأكدّت ماري جوزيف على هوس سيمون دي بوفوار بالذكورة المتفوقة للتمتع بمميزات الرجال من أجل منافع شخصية بعيدة عن مصالح النساء اللواتي دافعت عنهن، فقد كانت سيمون دي بوفوار أنانية في علاقاتها الشخصية مع عشيقاتها أو مع النساء الأخريات، وقد أرجعت بوني هذا إلى تنشئة دي بوفوار التي طالما سمعت من والدها أنّها لها عقل ذكر. كما تساءلت الكاتبة الفرنسية ماري جوزيف عن جدوى اعتبارها كمرجعية للنضال النسوي رغم غموضها الجنسي وأنانيتها المفرطة تجاه النساء.

 

هذا وجه آخر لسيمون دي بوفوار ربّما لا يعرفه الكثير عنها ويتباهى بعلاقتها الحرّة مع جون بول سارتر التي يرى فيها البعض حرية مطلقة ونقضا لأسس العبودية، ولكنّها كانت علاقة مشوبة بالخيانات التي يبررها البعض، لكنّ الخيانة تظل خيانة وليست وجهة نظر.

 

خولة الفرشيشي

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد