ثقافةرائدات

للا فاطمة نسومر، قائدة ثورة القبائل

مناضلات

يسميها الجزائريون، “خولة الجزائر”، نسبة إلى الصحابية الجليلة “خولة بنت الازور”،  فيما لقبها الفرنسيون ب “جان دارك جرجرة”، أو “خولة جرجرة”. عاشت طائعة و متعبدة و كافحت بشدة الاستعمار الفرنسي لبلادها، وتوفيت في ريعان الشباب عن عمر يناهز الـ33 سنة.

 

انها للا فاطمة نسومر، أيقونة الكفاح النسوي الجزائري، جعلت حياتها، رغم قصر مشوارها، فداء للأرض وللوطن. ميم تواصل اليوم، إتحاف قرائها  وتعريفهم بنساء كن ولا زلن رمزا للنضال والكفاح والمقاومة الوطنية.

 

المولد والنشأة

عام 1830م، ولدت فاطمة سيد أحمد، التي ستكنى فيما بعد ب”نسومر”، نسبة إلى قريتها الجزائرية، في قرية ورجة” عين الحمام. في عائلة تنسب إلى شرفاء الأدارسة المرابطين.

وقد اشتهر في ذلك الزمان أن والدها، الشيخ محمد بن عيسى، كان يدير الزاوية الرحمانية، أو القبائلية، التي تعتبر من طرق التعبد الصوفي، القائم على الخلوة،  أسسها سيدي أمحمد بوقبرين في الجزائر سنة 1774م.

هذه النشأة الصوفية، سيكون لها تأثيرا كبيرا على حياة للا فاطمة نسومر، التي اختارت الزهد في الحياة الدنيا، مما ساهم في فشل زواجها من أحد الأشراف سنة 1846م.

 

الزواج المبكر و التظاهر بالجنون

حين بلغت من العمر ستة عشر عام، زوجها والدها، كرها،  من أحد الأشراف، وهو “يحي ناث إيخولاف” وكان ذلك، في حدود سنة 1846م.

غير أن الفتاة، أصرت على رفضها لهذا الزوج، فما كان منها إلا أن تظاهرت  بالمرض و الجنون، فأعادها زوجها إلى أهلها دون أن يطلقها.

 

 

 

حياة النسك والعبادة

فشل الزواج، كان دافعا لللا فاطمة نسومر، للتزهد في متاع الحياة الدنيا. والتفرغ للتنسك  والعبادة، فكانت تقضي جل وقتها في الخلوة للتعبد.

كما تفقهت للا فاطمة في علوم الدين و أخذت على عاتقها مهمة الاهتمام بالزاوية. وقد كان لها كلمة مسموعة ورأي سديد، لدى مرشدي الزاوية الرحمانية.

استمرت للا فاطمة في حياتها التي اتسمت بالزهد والعبادة والطاعة في مسقط رأسها “ورجة”، إلى أن توفي والدها، فآثرت الانتقال إلى العيش  في  قرية “سومر”، أين يعيش شقيقها الأكبر، “سي الطاهر سيد أحمد”، الذي عرف عنه الورع والتدين في هذه المنطقة، التي ستنسب شقيقته “فاطمة”، إليها وتصبح رمزا نسويا، شاهدا على عصر نضال امرأة قبائلية، كافحت و قاومت المستعمر الفرنسي بشجاعة وبسالة، كانت تعد حكرا على الرجال.

 

مساندة ثورة بوبغلة 1850م

اندلعت شرارة ثورة الشريف محمد بن عبد الله بوبغلة، سنة 1850، لمقاومة الاستعمار الفرنسي، الذي مضى على احتلاله  للتراب الجزائري، قرابة عشرون عاما. وقد عرفت هذه الثورة بتصديها للاستعمار الذي بدأ يطال القرى مثل “تيزي ويزي” و”دلس” و”برج مناير” و”يسر”.

 

للا فاطمة نسومر اتقدت في داخلها روح الحمية والغيرة على ارض الجزاير المحتلة. وقد ساهم تضامنها مع المقاوم الجزائري “محمد الهاشمي” سنة 1949، سنة  قبل اندلاع ثورة بوبغلة في  تنظيم مقاومة مسلحة في القبائل العليا.

 

امرأة قبائلية، متدينة، تقاوم الاستعمار

 استمرت مقاومة فاطمة للاستعمار الفرنسي قرابة 13 عام، خلدت ذكراها في مناسبتين بارزتين وهما معركة  يوليو1854م، التي نشبت في قرية “تيميسقيدة”، وقد عدت المرة الأولى التي تواجه فيها أيقونة الجزائر، المستعمر الفرنسي. وقد استمرت هذه المعركة شهرين متتابعين، تحت أشعة شمس الصيف الحارقة.

خلال هذه المعركة هزم الجيش الفرنسي في محاولة إخضاعه لقرى نسومر وعين الحمام وخلف خسائر بشرية جسيمة، قدرت بحوالي  800 قتيل من بينهم 25 ضابطا .

 

والمعركة الثانية، التي برهنت خلالها فاطمة نسومر على بسالتها، كانت في حدود سنة 1857، حيث أوقعت القوى الفرنسية، التي كانت بقيادة “راندون”، كما تروي كتب التاريخ، في كمين وتمكنت من هزيمتها.

معركة يوليو، بسالة قبل الهزيمة

في هذه المعركة، التي اندلعت في 11 يوليو، 1857، بين جيش المستعمر الفرنسي، بقيادة “راندون” و قوات النضال الجزائري، التي ضمت قرابة 7000 من بينهم مجموعة من النساء بقيادة “للا فاطمة نسومر”، التي كانت في مقدمة المقاتلين، المدافعين عن حرمة أرضهم وقداسته.

قاتلت فاطمة نسومر بقوة وشجاعة. وكانت هذه اخر معركة تشارك فيها وتقودها، فقد وقعت رهينة للاعتقال الفرنسي، خلال حملة فجئية في المنطقة، وحوصرت للا فاطمة في ملجأها ومن ثمة ألقي عليها القبض.

 

الاعتقال والوفاة

اقتيدت للا فاطمة نسومر، في بداية اعتقالها إلى معسكر الماريشال “راندون”، الذي سبق وأوقعته في كمين رفقة جيشه، ثم أبعدت إلى زاوية بني سليمان بتابلاط، أين ظلت حبيسة رهن الأسر والاعتقال لمدة 7 سنوات، أصابها مرض عضال تسبب في شللها وعدم قدرتها على الحركة.

وفي سنة 1863،  توفيت للا فاطمة نسومر، عن عمر يناهز 33 عام، مخلفة وراءها، تاريخا حافلا بالكفاح والمقاومة الشعبية،  لتصبح رمزا للنضال النسوي المسلح.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.