مدونات

حتى لا نتحول إلى “دواعش”

بقلم: أحمد مجدي عبد الوهاب

“داعش لا تعبر عنا”.. ذلك هو المدخل التأسيسي الذي تتنافس كل الجهات العربية والإسلامية في إبرازه لدى تعريفها بنفسها، أو بمحيطها، أو وطنها.

أحمد مجدي عبد الوهاب

لكن تفنيدًا بسيطًا لأفكار عموم العرب والمسلمين، ومقارنتها البسيطة المجردة بأفكار “داعش” وسلوكياتها، تكشف عمق التشابه، وكيف أن التنظيم مجرد صورة لمرآة عربية إسلامية عامة، تفضح زيف الخلاف المتوهَم.

 

مبدئيًا، دعونا نفرق بين العراك السياسي، العسكري، والفكري بين الجماعات الإسلامية والسلطات الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية منذ منتصف القرن العشرين، فهذه قضية نسبية قد تحتمل أن يؤيد فيها المواطن العربي طرفًا من الطرفين. ولننطلق من نقطة تأسيسية واضحة، ما مشكلة عموم البشر مع “داعش”؟ هل أنها إسلامية وتقتل وتقيم الحدود كرهًا وفقط؟ أم لأن منهجها قائم على “تفسير ذاتي” بنيت عليه “سلوكيات” لا تعود لولاية أمر، إنما هي تصرفات “غابيّة” مطلقة، تحسم الذراع فيها كل الموازين؟.. الإجابة هي الثانية قطعًا.

 

 

أليست “داعش” إلا جزءا من كل بادرة تخوين، وكل اتهام بالعمالة، لأي مخالف في الرأي، على شتى الميولات، وجوانب الموازين؟!

 

وإذا سلمنا بتلك النقطة، وأدركنا ماهية الخطر الذي يمثله “داعش” على عموم البشر، فيسعدني أن أنبئك عزيزي القارئ بالحقيقة التالية .. “داعش” لا تنفصل عنا كعرب أو مسلمين، بل إنها منهج فكري مغروس داخل أطفالنا وشبابنا وكهولنا وشيوخنا، والاختلاف يكمن فقط في أن بعض الأشخاص تشملهم ملكات شخصية تهيئ لهم أن ينفذوا ذلك المنهج، وتوفر لهم بعض البيئات التربوية سهولة حمل السلاح، أو أن “دينهم” أبدى عندهم من أي شيء، وقد يستسيغون وفقًا لتصورهم عنه أي سلوك، مقابل نصره.

 

ألا يمكن اعتبار “داعش” جزءا من التأييد العربي الشعبي الواسع لقتل فرج فودة، لمجرد أن أفكاره لم ترق للبعض؟!

إذا كنت ممن حضروا تلك الفترة في مصر، أو سمعت عن هذا الحادث، فستدرك بشكل واضح أن “الشعوب العربية” كانت مؤيدة قلبًا وقالبًا لذلك الاغتيال، ودعت كثيرًا لمنفذه بالخير واليمن والبركات، في حين أن فودة لم يقدم سوى طرحا لم يرق لكثيرين، بلغة إذا قورنت بما يقدم اليوم في ميادين الإلحاد، لبدت هينة سهلة.

أليست “داعش” جزءا من كل بادرة تخوين، وكل اتهام بالعمالة، لأي مخالف في الرأي، على شتى الميولات، وجوانب الموازين؟!.

“داعش” طريحة نبت عربي إسلامي، لا يختلف سوى أنه وصل إلى ذروته فقط، “داعش” حصيلة سنين طويلة من التكالب على السلطان باسم الدين، وإعلاء السيف مقابل الرحمة، وتكريس حكم المذاهب، أمام سلطة ولي الأمر، والقنوات الشرعية لاتخاذ القرار.

“داعش” حصيلة قمع فكري وثقافي وسياسي رزئت المنطقة العربية به منذ عشرات السنين، وحصيلة تغييب طالنا جميعًا جُرمه، حين أغلقنا باب الاجتهاد والتجديد، والمناقشة في علوم الدين.

“داعش” حصيلة شيخ، أباح الدم واستنكره في آن، وولاية الدم عنده تذهب حيثما يريد لها السلطان أن تكون.

العربي المسلم في أيامنا تلك، يجد أن الغاية تبرر الوسيلة، ولا يبذل جهدًا كبيرًا كي يقنع نفسه بأن المشكلة فقط في توافر الجدية لحمل السلاح، والخروج على كل من خالف فهمًا للدين يراه صحيحًا، وهذا بكل بساطة، ملمح منهج داعش الرئيسي، تنظيم نبت شيطانيًا، كي يقول للجميع إن باستطاعتهم أن يحملوا السلاح ويطلقوا النار على من خالف “الله ورسوله” وأرصد لحربهما، وفقًا لفتاوى مذهبية، بالغة التطرف، ولكنها بالمناسبة موجودة وذات أسانيد. كل ما يتوجب على الشاب أن يفعله، تسليم نفسه وذهنه لـ”الدولة”، وستتكفل هي بالباقي، وستجعله جنديًا يثأر للدين حيثما تسنح فرصة.

 

قبل أن نبذل قصارى جهدنا في استنكار خروج “داعش” بهذا الشكل المنفر، دعونا أولًا نسلم بحقيقة أننا جميعًا “داعش”

 

لا حكم في “داعش” لولاية أمر، أو سماحة دين، آلة القتل فقط هي العاملة.

فكرة القتل نفسها، أليست نابعة من صميم العقل العربي الإسلامي، ولكنه يطردها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؟ لا يفعل ذلك عن عدم اقتناع بها، بل لأنه يخشى مغباتها لا أكثر؟

 

قبل أن نبذل قصارى جهدنا في استنكار خروج “داعش” بهذا الشكل المنفر، دعونا أولًا نسلم بحقيقة أننا جميعًا “داعش”، وأننا إن لم نلتفت لخطورة ما يداهم عقولَنا من أفكار، فقد يجد كل منا نفسه “جندي خلافة” في أول نازغة فكر، فإن لم يكن، فأولادنا.

أحمد مجدي عبد الوهاب

كاتب مصري 

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “مجلة ميم”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.