مدونات

بايازيد بما لا يزيد

مدونات

انتشر كالنار في الهشيم خلال دقائق معدودة خبر مفاده أن المخرج السوري المنتمي للثورة محمد بايزيد قد تعرض لمحاولة اغتيال في مدينة اسطنبول، مساء الثلاثاء ١٠ أكتوبر ٢٠١٧، ما فجر حواراً مجتمعياً أثبت فيه الجميع الحضور متعاطفاً ومؤمناً بصحة ما جاء بالخبر.

حضوري -وإن تشابه من حيث الرجاء بالشفاء العاجل مع جموع المدونين لبايزيد- إلا أنه كان مختلفا في جانب توصيف الواقعة بمحاولة اغتيال، وذلك لما لها من دلالات واعتبارات ربما لا يبصر أبعادها الكثيرون، خصوصاً أنه وإن كان حيز تنفيذ الاغتيال في بلد أجنبي، فهناك اعتبارات تتعلق بحجم المستهدف بالاغتيال وخطورته على أصحاب القرار، ومكان تواجده وثقل الدولة المقيم فيها.

إضافة إلى انعكاسات العملية سلباً وإيجاباً وحجم ردود الأفعال التي يمكن أن تتخذها الدولة التي شهدت العملية دفاعاً عن أمنها القومي ومركزها بين الدول، حتى لا تظهر بمظهر الدولة العاجزة عن حفظ أمنها، التي تعبث فيها أجهزة الاستخبارات الأجنبية وتنفذ عمليات اغتيالات لأشخاص لديهم حق الحماية والأمن بموجب حصولهم على تأشيرة دخول البلد والإقامة فيه.

 

فآثرت سؤالا متعدد الاتجاهات باحثا عن إجابة له “ما هي الخطورة التي يشكلها محمد بايزيد على النظام السوري حتى تستدعي قتله؟ وهل أن النظام السوري قادر على مواجهة تبعات عملية كهذه على الأراضي التركية وفق موازين القوى التي ترجح كفة الدولة التركية؟ ثم كيف يفشل قاتل محترف في تنفيذ مهمته بعد الوصول للهدف وإصابته من المسافة صفر؟!!”

 

ليست الواقعة الأولى ولن تبقى الأخيرة التي تكشف فراغ وضعف من يُظهرون أنفسهم على غير حقيقتهم لتحقيق هدف وطموح، يفوق في أهميته لدى أصحابه حلم الحرية لمجتمع بأكمله

 

تكشفت الحقائق تباعاً حتى أصبحت قطعية الدلالة على أن الواقعة كاذبة، خطط لها بايزيد ورفاقه لتحقيق مغنم، ولكنهم لم يحسنوا صناعة هذه الكذبة رغم إخراجهم المتقن لها.

لعل أهم ما يزعجني في هذه الواقعة، أنا وكثير ممن أشرقت شمس أحلامهم بنور الثورات العربية، هو تطابق فهم وظيفة الآلة الإعلامية بين من ادعى انتماءه لمعسكر الثورات، وبين حكام الاستبداد الذين تضاعفت بأفعالهم الدماء والخراب.

 

وإذ طالبت الثورات بضرورة تمكين المواطن العربي من كافة حقوقه، وتخليصه من التزييف الذي تنفذه الآلة الإعلامية التابعة للأنظمة المستبدة، وتمكينه من حقه في الحصول على المعلومة وحمايته من ممارسة الكذب والتدليس عليه والإتجار بمشاعره لتحقيق مصالح غير مشروعة، فإن مثل هذه الممارسات تنم على دونية قيمة الشعوب عند صُناع هذه الأحداث.

وبدلاً من أن يقوم بايزيد بدوره في مواجهة هذه النظرة الدونية للشعوب وحمايتهم من الكذب والتدليس والتغييب، برفع وعيهم وإظهار الحقائق ووضعهم على أول طريق تمكينهم من أدوات المعرفة والرقي والثقافة بأعمال هادفة تتماشى مع رسالة المعسكر الذي من المفترض أنه إليه ينتمي، استغل حضوره الطيب ظاهراً وانتماءه لمعسكر الدفاع عن حقوق الشعوب وأخذ يمارس التدليس والكذب والمتاجرة بمشاعر الناس، وأخرجها كما لو أنها ضريبة انحيازه للشعوب! فكلما التزمت في كذبك بما ترتبط به مشاعر الناس كلما حصلت على ما تريد من نتيجة.

 

ليست الواقعة الأولى ولن تبقى الأخيرة التي تكشف فراغ وضعف من يُظهرون أنفسهم على غير حقيقتهم لتحقيق هدف وطموح، يفوق في أهميته لدى أصحابه حلم الحرية لمجتمع بأكمله، من نعرفهم ولم يصلوا إلى نهاية كذبهم سيصلون، ومن لا نعرفهم أيضاً سيصلون كذلك، فنهاية الكذب معروفة وحتمية، وكما في ثقافتنا العامية (الكدب ملوش رجلين).

لا نحزن على هؤلاء، ولكننا نتوقف كثيراً عند تبعات مواقفهم وكذبهم المتمثلة في توفير أدلة تستخدمها آلة الأنظمة الاستبدادية في عمليات التشويه الممنهج ليستطيعوا من خلالها إحكام السيطرة على عقول من تسعى الثورة لتحريرهم، فكيف نثق فيهم وهم كذبة؟

 

الثورة فكرة قائمة على استعادة حقوق مسلوبة وكرامة ديست تحت أقدام الاستبداد، ووعي غائب ومنظومة أخلاقية وثقافية أنهكتها سهام الإعلام الأصفر

 

ستكون الإجابة واقعاً، فيرى الناس أن الكذب يمارس بشكل متبادل بين الطرفين لتحقيق مصالح وانتصارات حزبية يريدون استخدامنا فيها. وإما أن نُرى كذبة، وبالتالي خونة وما تقوله آلات الأنظمة صحيح. وفي كلتا الحالتين تنتصر الأنظمة وننحدر نحن.

ردود الأفعال التي تلت افتضاح كذب بايزيد انتصرت لهذه القيم، فانطلق الكل يعاقبه بما يملك من أدوات سواء بإلغاء متابعة حسابه أو حظره أو كتابة ما يستحقه من أقسى الكلمات.

مواجهة أصحاب هذه الوقائع ومرتكبوها يعد واجبا دفاعاً وتبرئةَ لمعسكر يسعى لتحرير الشعوب من أشخاص استطاعوا لبعض الوقت خداعنا، وتكشفت نفعية انتمائهم لهذا المعسكر، ولو أن هذه المصلحة تحققت مع الأنظمة المستبدة لتبدلت مواقعهم، فطارق عبد الجابر ليس عنا ببعيد ومن قبله على سبيل المثال لا الحصر في مصر مختار نوح ومحمد حبيب والخرباوي.

الثورة فكرة قائمة على استعادة حقوق مسلوبة وكرامة ديست تحت أقدام الاستبداد، ووعي غائب ومنظومة أخلاقية وثقافية أنهكتها سهام الإعلام الأصفر، أهداف تتحقق ببذل داخل إطار من القيم والفهم والإدراك بأن العدالة واستعادة الحقوق لا تأتي على يدي من ينال منها ويسفه أصحابها ويتعامل معهم مثل مستبد كما لو كانوا قطيعا.

أرجو أن تكون هذه الواقعة نقطة انطلاق نحو الأفضل لكل عامل في مجال الإعلام يسعى فعلاً للدفاع عن القضايا العادلة وحماية الشعوب من التدليس والتغييب، بحيث يزيد الحرص على احترام حقوق الجمهور في المعرفة والمعلومة الصادقة كما وقعت، أرجو تحقق ثورة يقودها إعلام واع نسترد بها ما سُلب من قيم وأخلاق وثقافة ووعي، حتى نستطيع أن نبني جداراً يكون للشعوب حصناً وللمستبدين سجناً كلما اشتد ضاق بهم واتسعت لنا الدنيا بما فيها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.