ثقافةغير مصنف

“باربي” وتنميط جسد المراة

ثقافة

بسبب جسدها الممشوق وشعرها الذهبي اللامع و عينيها الزرقاوين، واجهت الحسناء باربي  المحكمة في عدة دعاوى رفعت ضدها. ففي عام 1967، تم رفع أولى هذه القضايا من طرف الجمعية الامريكية للجامعة النسائية، أي ضد شركة  “ماتيل”، لترويجهما مفاهيم خاطئة للأطفال حول المرأة المثالية ومفاهيم خاطئة حول النساء بالمجتمع مبنية على “سطحية وجهل”.

هذه الدمية البلاستكية تنظر إلينا بابتسام منذ الطفولة، لكنها لا تعي حجم الضغط النفسي الذي تسببه لنا كفتيات.  قد يرى البعض مبالغة في هذا، إلا ان عديد الدراسات تثبت حجم تأثير هذه اللعبة في نفوس الفتيات اللائي  يعانين  من البدانة من الصغر مثلا، وهو ما يتعمق في مرحلة المراهقة فيما بعد.

كما ان التأثر لا ينحصر في المراة، بل يتجاوزه الى الرجل، ويحدد نظرته  للنموذج الجسدي الأمثل للمرأة فينشد بين الفتيات والنساء من تجسده، مما يضاعف الضغط عليهن ويحدو ببعضهن الى الاستماتة في التشبه بشكل باربي وتقمصه، حتى ان اقتضى الامر اجراء عمليات تجميل تغير ملامح الوجه والجسم.

و لنتمكن من التعرف على تأثيرات دمية باربي على البنات و المراهقات، حاورنا عددا من الأطفال والبالغين الذي حصلوا في وقت ما من حياتهم على دمية باربي. لكن دعونا قبل كل شي نتعرف اكثر على هذه الدمية الشهيرة

من هي باربي ؟

أنتجت أول دمية باربي في مارس 1959 كانت روث هاندلار تشاهد ابنتها باربرا وهي تلعب بدمى مصنوعة من الورق ولاحظت أنها كانت تستمتع كثيرًا بالتعامل مع الدمى على أنهم أشخاص كبار.

وفي ذلك الوقت، كانت معظم دمى الأطفال على شكل أطفال صغار. وعندما لاحظت هاندلر أن هناك فجوة في السوق لأنه لا يلبي احتياجات الأطفال من الدمى اللاتي تجاوزن مرحلة الطفولة، فقد اقترحت على زوجها إليوت – شريك في  شركة ماتيل للألعاب – فكرة تصميم دمية لها جسد امرأة. ولكنه لم يتحمس للفكرة لا هو ولا مديرو شركة ماتيل.

وفي أثناء رحلة قامت بها روث إلى أوروبا في عام 1956 مع أبنائها باربرا وكينيث، رأت بالصدفة الدمية الألمانية لشهيرة “بيليد ليلي”.

بيليد ليلي نفسها كانت دمية على شكل فتاة بالغة.  وجدير بالذكر أن الدمية ليلي كانت مستوحاة من شخصية مشهورة تظهر في  قصة هزلية تصدر في صحيفة بيليد الألمانية، من رسم رينهارت بيوثن. وهي فتاة عاملة تعرف ما تريد ولم تكن تترفع عن استغلال الرجال لنيل ما ترمي اليه.

بيعت الدمية ليلي لأول مرة في ألمانيا في عام 1955، وعلى الرغم من أنها بيعت في البداية للأطفال، فإن شهرتها امتدت للكبار الذين استمتعوا بشراء ملابس لها من الأسواق لجعلها تبدو في أحسن هيئة ممكنة.

“كنت أغار كثيرا من باربي” 

كم من مرة سمعنا أحدهم يقول أثناء محاولته وصف امرأة إنّها «مثل الباربي»، برغم معرفته أنّه لا يمكن لأي امرأة أن تكون مثلها، فمقاييس جسمها غير واقعية ولا يمكن تجسيدها واقعا؟

في حوار مع “منى” التي بلغت عقدها الثاني كانت هذه الجملة الأكثر تعبيرا عن تجربتها مع دمى باربي التي كانت أمها تشتريها لها ظنا منها أنها تسعدها.

تقول منى ” في البداية أسعدتني هذه الدمى كثيرا، و لكن مع بلوغ سن المراهقة ظللت متعلقة بها لأنها كانت جميلة جدا  ولأن أمي تخبرني أنني أشبهها بشعري الفاتح، و بإني سأصبح فاتنة مثلها عندما أكبر.

كنت أقارن نفسي بها بطريقة لاواعية.  و مع بداية سن البلوغ و تغير الهرمونات إكتسبت بعض الوزن الزائد و ظهرت الكثير من البثور في وجهي، حينها أصبحت أصاب بغيرة شديدة من هذه الدمية و من صديقاتي اللاتي لم يحدث معهن ما حدث معي، حتى أني أصبت باكتئاب لأني شعرت بأني قبيحة.

 بعد معاناة مع الاحباط والشعور بانعدام القيمة والاكتئاب، لجأت اسرتي الى العلاج النفسي. مع مرور الوقت و الكثير من الحوارات، تمكنت من فهم أن ماحدث لي من تغيرات جسدية شيء طبيعي و أنها مرحلة تمر بها أغلب النساء”

و يعلق المختصون النفسيون أن بقاء باربي على نفس حالتها الجسدية من شأنه أن يحدث هذا الإضطراب في نفسية المراهقات، بل حتى النساء اللاتي يمررن بعدة تغيرات فيزيولوجية خلال حياتهن.

مراهقات يحاولن تقليدها

بعد الفتاة الأوكرانية فاليريا لوكيانوفا التي أثارت الكثير من الجدل بسبب كثرة عمليات التجميل التي خضعت لها كي تشبه باربي، أطلّت الفتاة الأميركية المقيمة في طوكيو والبالغة من العمر 18 سنة، داكوتا روز، لتطيح بنجوميتها، حيث أن ملامح وجهها وشعرها الأشقر المنسدل، بالإضافة إلى براءة تصرفاتها سرقت الأضواء من فاليريا، من خلال الفيديوهات التي تنشرها عبر قناتها الخاصة على موقع يوتيوب، اين تقوم بتعليم الفتيات طريقة عمل تسريحات شهر ومكياج أنيق وناعم كالباربي.
 كل هذا الإعجاب  من قبل الذكور بالمراهقات اللاتي يشبهن باربي يخلق نوعا من الضغط النفسي على الكثير من الفتيات و يدفعهن الى محاولة إتباع حميات قاسية عبر تجويع أنفسهن والإتجاه نحو عمليات التجميل و شراء أغلى أنواع الماكياج طمعا في ان يقتربن مما يعتبرنه الصورة والشكل المثالي للمرأة. 

 

يوضح الكاتب دايفيد فرينستون  أن  مقاسات جسد باربي ليست واقعية ولا تمت بأدنى علاقة للجسد الحقيقي للمرأة، لا طولا ولا عرضا ولا وزنا.

وتشير الإحصائيات الحيوية إلى أن مقاسات جسد باربي هو 36 بوصة (للصدر) و18 بوصة (للخصر) و33 بوصة (للأرداف)، ووفقًا لبحث أجرته مستشفى “يونيفرسيتي سنترال هوسبيتال” في مدينة هلسنكي في فنلندا، تفتقر باربي إلى نسبة 22 في المائة من دهون الجسم اللازمة للفتاة من أجل أن تحيض.

 

باربي بمقاسات أكبر

 نشر الفنان والباحث “نيكولاي لوم” نسخة جديدة للدمية الشهيرة “باربي” بقياس جديد اقرب لمقاس شابة بصحة جيدة بعمر 19 سنة بعد استشارة مركز مكافحة الأمراض والوقاية في أميركا (سي- دي- سي).

ويشير الفنان “لوم” إلى أن مقاييس باربي الحالية،  الأقرب إلى النحافة الحادة، يمكن أن تؤثر سلباً على البنات، ولذلك فكر في تصميم “باربي” جديدة بمقاييسها الطبيعية ليؤكد أن الجمال موجود في المظهر الطبيعي أساسا.

 

 

من باربي الى كيم كارداشيان

تعيش الأثنى إسقاطات  إجتماعية عدة منذ صغرها، حول الشكل الذي يجب أن تكون عليه والتصرفات التي يجب أن تقوم بها.  والغريب في الأمر أن هذه الأنماط تتغير و تختلف مع كل عصر، فتجد المرأة تعدو لاهثة خلفها علها تدركها.

فبالأمس نمط المرأة الشقراء النحلية كباربي والمغرية كمارلين مونرو، والآن نموذج كيم كارديشان الممتلئة الأرداف، المكتنزة المؤخرة، بشفتين منتفختين بفعل الفيلورز وصدر بارز بفضل السيلوكون، وبشرة سمراء تنفق الآلاف لتنقيتها وتلميعها..

تتغير النماذج المسوقة ويفترض منا نحن النساء ان نسعى لتمثلها وتجسيدها، طمعا في ان نبدو في عيون الرجال جميلات وفاتنات، ننفق على ذلك أوقاتنا واموالنا، ونبقى نلهث وراء مُثُل ونماذج يصوغها غيرنا وتبتلعها نحن بلا تفكير ولا مساءلة.

رحاب الخترشي

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق