دين وحياة

الحجاب عادة أم عبادة؟

( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )

مع انتشار  ظاهرة ارتداء الحجاب في الدول العربية وحتى الغربية في الآونة الأخيرة، اختلفت الآراء حول مسألة الحجاب وما اذا كان عادة ام عبادة.

فمن الناس من يعتبر الحجاب عبادة بناءا على أن على كل مسلمة أن تقتدي  بما جاء في كتاب الله، فهو رمز العفة والطهارة في أعينهم.

ومنهم من يرى أن الحجاب هو عادة درجت عليها المرأة في الأسرة والمجتمع، حتى صار اليوم تقليدا تلتزم به النساء، بل موضة  أحيانا، فيها صيحات وتقليعات تعمل على ابراز جمال المرأة ومحاسنها.

 الحجاب عبادة

ذكر الشيخ أحمد عساف في كتابه الحلال والحرام في الإسلام (الطبعة الخامسة)  “أن الحجاب كان معروفا في الأمم التي سبقت الإسلام، وقد كان الرومان واليونان واليهود يضربون الحجاب على نسائهم ويأمرونهن بالحجاب.

وقد ورد الحجاب في الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية، ولما جاء الإسلام، كانت تسود العالم جملة من العادات والتقاليد، أقر الإسلام منها ما يناسب تعاليمه وتشريعاته، وجاء بنظم وتشريعات جديدة من شأنها أن تحافظ على كرامة المرأة، ومكانتها، ويحفظ جسدها وبشريتها”

لاشك أن الإسلام أتى على مسألة الحجاب فقد وردت آيات وأحاديث في الكتاب والسنة عن ارتداء الحجاب ومن بين هاته الآيات قوله تعالى

(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) النور/31.

ومن الأحاديث التي جاءت على مسألة الحجاب نذكر: عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) أخذن أُزُرَهن (نوع من الثياب) فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. رواه البخاري ( 4481 ).

 

تونس: من المنع الى الموضة

قبل ثورة 14 جانفي 2011،  كان ارتداء الحجاب في تونس أمرا محظورا وكان يمنع بقوة الدولة، ليس في المؤسسات العامة والمدارس فحسب، بل حتى في الشوارع. وكانت كل من ترتديه تعرض نفسها (وأسرتها أحيانا) ليس للفصل من العمل والحرمان من الدراسة فحسب، بل حتى للتتبع الأمني والايقاف، كما لو أنها اقترفت جرما مشينا.

ولكن بعد سقوط نظام بن علي وتوسع دائرة الحريات، سياسية ومدنية ودينية،  تحرر الحجاب وأصبح من السهل ارتداؤه دون خشية من سطوة الدولة وجبروتها.

وما أن فسح المجال حتى اتجهت ـالاف من التونسيات الى ارتداء الحجاب، من خلفيات اجتماعية مختلفة، وبصيغ وأشكال متنوعة، من المحافظ الى المواكب لأحدث صيحات الموضة.

“سهام القادري”، طالبة مرحلة دكتوراه  عقيدة ومقارنة الأديان في جامعة الزيتونة، ترى أن الحجاب في تونس وفي عدد من الدول العربية أصبح موضة، وتقول في حوار لها مع مجلة “ميم”:

“من الفروض أن يكون الحجاب سترا وحجبا عن الأنظار. لكن ما نلاحظه اليوم هو أن الفتاة المحجبة باتت تجلب الأنظار اليها أحيانا  أكثر من غير المحجبة، حيث كثرت الألوان والأشكال، وصارت الكثيرات يلبسن الحجاب وملابسهن لا تتناسب مع قواعده وأحكامه المتعارف عليها.”

وأضافت القادري “الحجاب هو ستر للجسم كي لا يكون واصفا لتفاصيله، ولا يجب أن يكون شفافا أو ضيقا كاشفا، بل فضفاضا.. المفترض أن يكون سترا مستورا، لا أن يبرز مفاتن المرأة وجسدها.

لكن هذه الشروط أصبحت اليوم غير متوفرة في لباس كثير من المتحجبات، حتى أن بعضهن المحجبات، بل أجرأ أن أقول أغلبهن، لا يؤدين فريضة الصلاة، حسب تجربتي ومعرفتي بالعديد منهن.”

 الحجاب كموضة

من جهتها ترى الطالبة الجامعية “منى حرزي” أن وجهات النظر حول هذه المسألة تختلف من شخص الى آخر، حيث يرى البعض أنها عادة والبعض الآخر يراها عبادة

و”أنا أراها موضة اكتسحت الشارع العربي، حتى أن الكثيرات من صديقاتي خلعن الحجاب بعد أن بدأت موضة الحجاب تتراجع. كما أن الكثيرات منهن يرتدين الحجاب وهن يجهلن معانيه ومقاصده، وفي أول فرصة يقمن بخلعه”.

وأضافت الحرزي أن “الكثيرات يلتجئن الى الحجاب ظنا منهن أن المجتمع سيستثنيهن من أحكامه المسبقة ان هن ارتدينه”.

وبالتوازي مع انتشار الحجاب بين الفتيات العربيات، برزت ظاهرة أخرى تتمثل في ظاهرة خلعه تماما بالنسبة للبعض، خاصة في مجتمعات عربية اكتسح فيها الفضاء العام منذ سنوات ولهن عهد أقدم من تونس مع ارتدائه، كمصر مثلا.

ولايزال الحجاب محل جدل في الدول العربية وذلك لاتخاذه أنماطا وصيغا لا تتماشى مع رمزية الزي والهدف من تشريعه.

الحجاب عادة 

يذهب الكثيرون  الى اعتبار الحجاب عادة منتشرة في المدن العربية، فالعادات والتقاليد هي من تسير الفتاة وتحدد مظهرها ولباسها.

وفي هذا الاطار، يؤكد “الهادي العلوي”، مختص في علم الاجتماع، أن الوسط الاجتماعي يؤثر تأثيرا كبيرا في سلوك الفتاة، اما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بمعنى أن الوالدين أو الأخوة يتدخلون في لباس البنت ويفرضون عليها أو يحددون لها ما يجب أن تلبسه، وذلك لاعتبارين اثنين: الاول حتى لا تكون المرأة مكشوفة أمام الرجال، اذ ينظر اليها على أنها تمثل شرف الأسرة.

أما الثاني فهو ينحصر في الجانب الديني، وهو مرتبط بتأثر بعض الشابات بمواعظ ودروس بعض المشايخ والوعاظ على التلفاز والانترنت، بشكل سريع دون فهم عميق لأحكامه ومعانيه.

وأضاف العلوي أن الحجاب  أداة تعتمدها الفتاة للتيسير حركتها في المجتمع والتخفيف من حدة وامكانيات مضايقتها والتحرش بها  في الشارع والمدرسة ومكان العمل من قبل الذكور.

السلوك لا يرتبط باللباس

يعتبر “محمد الهادي العلوي” أن “سلوك المرأة   لا يرتبط بشكل محدد باللباس، ولكن مع ذلك، يمكن أن يكون اللباس  مظهرا من مظاهر السلوك، لأن السلوك في حد ذاته  ينبني على جملة  من القواعد التربوية والتنشئة الاجتماعية التي ينشأ عليها الطفل  منذ ولادته.

هناك رابط منطقي بين  اللباس والسلوك، ولكن لا يمثل اللباس النسخة الثابتة أو الدقيقة التي تكشف طبيعة الشخصية عند الفتاة، أو الفتى.”

ويرى محدثنا أن  “أغلب الفتيات اللاتي يرتدين الحجاب يفرضن على أنفسهن نوعا  من الانضباط الاجتماعي ويلتزمن به، ولكن هناك  حالات شاذة في كل المجتمعات، وهذا يتعلق بطبيعة الشخصية والظروف الاجتماعية وتغيرها”.

 

مع اختلاف الاراء ووجهات النظر بين من يعتبر الحجاب عبادة تقتدي فيها المرأة بأحكام الاسلام وروحه، ومن يرى أن الحجاب عادة اجتماعية تفرضها العائلات ويمليها المجتمع على الفتاة، يبقى ارتداء الحجاب من عدمه مسألة شخصية، فمن حق كل فرد ان يحدد شكل لباسه.

لكن يبقى الحجاب زيا يتأسس على جملة من الأحكام والمقاصد يفترض على من ترتديه أن تدركها وتعيها وتعطيها حقها، كي لا يكون مفرغا من المعنى والمحتوى، والمفترض أنه لا يجعل التركيز لدى المرأة ومَن حولها على جسدها في الفضاء العام، فلا يكون شافا ولا كاشفا.

المفترض من الحجاب أن يتصف بالحشمة والبساطة والتواضع وأن يكون مريحا وعمليا يسهل حركة المرأة ومساهمتها في المجمتع كفرد متساو مع الرجل في الحقوق والواجبات.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد