دين وحياة

ابن حزم الأندلسي والمرأة: بين الشعر والفقه

سلسلة ابن حزم الأندلسي والمرأة (الحلقة 2)

ستنشر مجلة ميم حلقاتٍ متواصلة عن موقف الإمام ابن حزم الأندلسي الظاهري (384 هـ – 456 هـ) من المرأة بتسلسلها الطبيعي بدءًا من علاقتها بالرجل، ثم مكانة كلٍّ منهما من خلال المدوَّنة الشرعية “الحقوق والواجبات” في النظام الأُسَري حسب آراء ابن حزم الفقهية التي سيتَّضح أنها محل خلاف شديد بينه وبين الفقهاء التقليديِّين، ووصولا إلى وظيفة المرأة في المجتمع والسياسة.

 

ليس غريبًا حين نعرف أن ابن حزم قد نشأ في بيئة تقدس الجمال والحب، فإنه يكتب في تفاصيل العلاقة بين الرجل والمرأة أبوابا يحدثنا فيها لا عن مجرد التنظير لما يكون بينهما، بل يسرُد في ذلك قصصًا مشوقة جرت له هو أو لأحد أصدقائه، وقد كانت صداقاته متنوعة وثريَّة جدا -فرغم كونه فقيهًا زاهدًا، إلا أنه كان يصاحب جميع الطبقات المجتمعية من الشعراء والأدباء والمُغنِّين ويعرف عن كثب كثيرًا من المُجَّان دون تثريب !- ويروي قصصًا حتى عن الطبقات الراقية في المجتمع الأندلسي، ومن بينهم شيوخ الفقه والقضاء والفتوى الذين يبدو أنهم لم يشُذُّوا عن تقاليد ذلك المجتمع الفريد من نوعه.

 

“وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القيادة، ماضي العزيمة، حمي الأنف، أَبِيَّ الخسف، فما هو إلا أن يتنسم نسيم الحب، ويتورط غَمْرَه، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لِيانا، والصعوبة سهالة والمضاء كلالة، والحمية استسلاما”

 

وهنا يكشف ابن حزم سِرًّا عن بعض أصحاب المكانة الكبيرة، من الذين يأنفون من أن يعرف الناس خبايا نفوسهم وشهوات قلوبهم، فيقول: “وكم مَصونِ الستر مُسْبِل القِناع مَسدول الغطاء قد كشف الحُبُّ ستره مثلا، وأحبُّ شيء إليه الفضيحة فيما لو مُثِّل له قبل اليوم لاعتراه النافض عند ذكره، ولطالت استعاذته منه، فسَهُل ما كان وعرا، وهان ما كان عزيزا، ولان ما كان شديدا” (طوق الحمامة، باب الإذاعة).

ولا شكَّ أنه يقصد أن الحب إذا داهم القلب، فإن صاحبه مفضوحٌ غير مستور، ولو كان من كبار الناس وأصحاب الجاه فيهم والمكانة في الديانة والسلطة والمجتمع. وقد ذكر بعض القصص التي شهِدها أو أخبره بها أصحابه عن أبناء السروات (الطبقة -البورجوازية-) من الذين حين وقعوا في الحب انقلبوا من حال الترفُّع والاحتياط إلى المذلَّة التي رأوا فيها عِزَّةً لم يظفروا بها من قبل، أو كما يصف فقيهنا العاشِقُ “وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القيادة، ماضي العزيمة، حمي الأنف، أَبِيَّ الخسف، فما هو إلا أن يتنسم نسيم الحب، ويتورط غَمْرَه، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لِيانا، والصعوبة سهالة والمضاء كلالة، والحمية استسلاما” (الطوق، باب الطاعة).

 

وما يلفت الانتباه أكثر، هو اللغة البديعة التي يستعملها ابن حزم في كتابته لـ”طوق الحمامة”، فبينما نجده ثائرًا في كتاباته الدينية (في الفقه والعقيدة والأصول وغيرها) مجادلا بكل قوة خصومه من أصحاب المذاهب الأخرى والفِرَق الإسلامية وأصحاب الديانات الأخرى؛ نجده في طوق حمامته رقيق الكلام لطيف العبارة جميل اللفظ، كأنه شاعر رومانسي ينظِم قصائد الغزل والشوق للأحباب.

وفعلًا، قد زيَّن ابن حزم الأندلسي كتابه الجميل هذا بمقطوعات شعرية كثيرة بعضها لشعراء قدامى ومعاصرين له، وبعضها من نظمه هو. فقد كان ابن حزم شاعرًا أيضا وشعره من الجودة بمكان محترم جدا، حتى قال عنه الذهبي “وشِعْرُهُ فَحْلٌ كما ترى”، وهذا راجع إلى تكوينه اللغوي على طريقة المدرسة الأندلسية في التعليم.

فقد كان الأندلسيون يركِّزون في المراحل الأولى من التعليم على اللغة العربية التي يرون أنها الأساس الأول في اقتحام مختلِف العلوم والمعارف سواء الشرعية أو العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية، وهو المنهج الذي امتدحه المفكر ابن خلدون واعتبره أصوب المناهج التعليمية من خلال مقدمته الشهيرة.

والذي أقصده من ذلك، هو أن انتقاء اللغة في “طوق الحمامة” لم يكن مجرد تصادف عابر، بل كان منهجًا اختاره ابن حزم ليكون مناسبًا لموضوع كتابه وما سيتطرق إليه، وهنا نجد فارقًا كبيرا جدا من حيث اللغة بين “الطوق” وبين ما كتبه ابن القيم من فصول عن الحب في بعض كتبه كـ”الجواب الكافي” وغيره.

فابن القيم تغلب عليه النزعة الفقهية – الصوفية في تناوله لهذه الظاهرة الإنسانية، أما ابن حزم فقد كان يعالج علاقة الحب بمنظور إنساني طبيعي بحت، وهذا ما جعل كتابه يلقى رواجا باذخا عند الأوروبيين وفلاسفة الغرب.

فنحن بين يدي شاعر عاشق يحلل ظاهرة الحب وكأنه يكتب رواية عن قصة حقيقية حدثت له هو، وذلك ما يجعلنا نفهم فيما بعدُ مواقفه الفقهية من قضايا المرأة، وهو الموضوع الأساسي لهذه الحلقات التي أكتبها عن ابن حزم والمرأة.

وقد أحببتُ التوطئة لذلك بهذه الفقرات التي بينتُ فيها “الإنسان” في شخصية ابن حزم، حتى يفهم كثيرٌ من دارسي العلوم الشرعية أن ما يظنُّونه شذوذًا وتطرُّفًا في آراء ابن حزم مبنيّ فقط على نزعته الفكرية وذلك بانتمائه لمدرسة المذهب الظاهري الذي كان حاملا للوائه في القرن الخامس الهجري من خلال موسوعته الأصولية “الإحكام في أصول الأحكام”، والفقهية “المحلى بالآثار”.

فانطلاقا من كتابه الأخير هذا، سيتبين لنا أن اختيارات ابن حزم الفقهية في قضايا المرأة لم يغِبْ عنها ابن حزم “الإنسان” كما لم يغب ابن حزم “الشاعر العاشق” -أو كما يحسُنُ أن نُسمِّيَه- بالفقيه الثائر المدافع عن حقوق المرأة.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.