مدونات

عذرا أيها المشاهير

بقلم : بتول ياقتي

خرج على الناس يومًا ما من وراء جِداره، يتباهى أمامهم بجمال زيّه وبهرجته، بارتفاع قامته وفخامة ما في أنامله، بعُصبةٍ من الرجال تسير خلفه وهي تحمل مفاتحه التي ناءت به وبهم، وعن خزائن تشي بها تلك الصورة، وهو أمامهم يرتفع بزيادة زهوّه بعد تصفيقهم .. كيف لا؟ وهو يرى العيون تبرق ناظرةً إليه، وتقول: يا ليت لنا ما لديه!

يا لجمال ما حصل عليه! كيف لنا الوصول إلى ذاك المقام؟ وعلى النقيض من لم يغرّهم كل ذلك المشهد: تمهلوا! فالحياة لا تقف عند ذلك، إنّ ما لديه ليس له، وما يفتخر به لم يحصل عليه بجدّه وحسب! وترقبوا خاتمته، فليست هذه البداية كافية!

قصة قارون في القرآن الكريم ونظرة الناس المصفقة والمنغرة بالمظاهر بينما الحكيمة لم تغرها تلك المظاهر.. تشبه واقعنا اليوم كثيراً.. هل

صورة لتدافع المعجبات في مطار قرطاج بعد وصول المغني المصري تامر حسني لاحياء حفل السنة الماضية

يحتاج المرء منا ليرى السقوط المؤلم والمدوّي كي يُصدق هشاشة أمر ما وخداعه وكِبره؟ هل أصبح الناس يبنون خيباتهم على خيبات غيرهم ويصعدون معاً؟

يجب، وأقول يجب، أن يحذر من بقي من بعدهم من غرورِ أنفسهم، لأنّ نورهم سيسطع بسقوط هؤلاء، ورواج امرئ ما ليس بسقوط الرقم الاول فيكون هو مكانه.. وإنما بما يرفعه الناس الواعيين والعارفين.. فقانون الإزاحة الفيزيائي ليس مكانه هنا بالتأكيد، والساحة حين تمتلئ ليس القصد بامتلائها وإنما فيما امتلأت به!

صدق العربيّ القديم حين قال عن معرفة الناس ومخالطتهم وكيفية الحكم عليهم، وبعد ماذا وماذا يكون قرارك صائباً تجاه أحد ما..

عذراً لكم أيها المشاهير، لأننا ضعاف، خاطبنا ضعفكم فعززناه ورفعناه. لم نستطع بما لدينا أن نصل لما وصلتم له، فصفّقنا بكل أيدينا ليس فرحاً بكم، وإنما تعزيزاً لما في دواخلنا ونشوةً، وقد يكونُ حسداً من البعض، لما وصلتم له!

عذراً منكم أيها المشاهير، لأنكم لم تجدوا فينا تلك المرأة الصالحة التي استطاعت أن تقوّم رأياً من آراء عمر الخطاب رضى الله عنه.  وخجلنا أن نقف أمام تيّار معجبيكم “الشديد” وحزب التصفيق الذي لديكم، فآثرنا إما السكوت أو هزّ الرأس حينًا آخر.

عذراً لأننا صفقنا لكم، ومشينا خلف ناي أنغامكم، منبهرين تارة، مذبهلين تارة أخرى، وحتى إن لم يكن الأمر يستحق فقد كنا ننبهر أيضاً لأنكم تستحقون أن يُبهر بكم، ولم يكن غالبنا يعرف أنّ الذبح هو نهاية مطاف الطريق!

بعد أول صفقة، دخلنا معكم في دائرة لم تنقطع إلا بصفعة السقوط الحر، ولكن سرعان ما ذهب جزء من المشاة إلى سواكم، فقط لأنهم

اعتادوا ذلك، وتفادياً للصدمة انتقلوا لغيمة صيف أخرى يتفيؤون ظلالها. في دائرة التصفيق لم نستطع التوقف، ولم تستطيعوا التوقف حتى اقتربت البؤرة فكان العِراك. نحن لسنا تابعون لكم، ولا لغيركم، إنما فقط متنقلون، تسقطون فنذهب لسواكم، فلا يغرّنكم وجودنا معكم أو خلفكم أو حتى وراءَكم!

العمل الإعلامي كغيره من مجالات العمل الأخرى، يحتوي على مساحيق التجميل الكثيرة، ورؤية ما خفي خلفها من حقيقة الوجه، لا يحتاج سوى لإضاءة زائدة لتُظهر لك كم هو التشوه في حجم القشرة الظاهرة، وسُمك الطبقة الواصلة للحقيقة. وهذه العدسة لا يمتلكها إلّا قلّة، وبعض هذه القِلّة يرغب بإخفائها كي لا يرى!

نعوذ بك اللهم من الزلل بعد الثبات على طريقك، ومن الخيبة بعد الاطمئنان إليك، ومن السقوط بعد المسير في سبيلك، اللهم اجعل نوايانا خالصة إليك وحدك، وارزقنا الثبات يا رب الثبات.

بتول ياقتي

بذرة سوريّة نبتت في الغربة، تتطلع لشمس الوطن، التدوين عن الحياة، والاهتمام بالإنسان، والمسعى للإدارة”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد