ثقافةغير مصنف

الشيخة الريميتي: سفيرة الفقراء وأسطورة موسيقى الراي

ثقافة

 

الجزائر/حسام الدين ربيع/مجلة ميم

“..امرأة صنعت تاريخ جيل كامل من النساء الجزائريات، وحاكت تجربة موسيقية امتدت لأكثر من 50 سنة، ورسمت بطاقة هوية بلدها الجزائر وكانت تردد أن الشقاء والتعب علماها الاحترام والحشمة والغناء..” بهذه الكلمات يصف الكاتب والمترجم سعيد خطيبي في مؤلفه “أعراس النار..قصة الراي” الصادر عن “جمعية البيت للثقافية والفنون” الكاتب والمترجم سعيد المغنية الجزائرية الشيخة الريميتي واسمها الحقيقي سعيدة بضياف..أسطورة موسيقى الراي وسفيرة الفقراء.

حياة البؤس وقصة “الريميتي”

وعانت الريميتي (التي حملت هذا اللقب عندما قالت للنادلة عندما جاءت لتوزيع المشروبات “REMETTEZ” أي دورة أخرى، وقالتها بلكنة جزائرية) من الفقر والجوع والبؤس في طفولتها، كانت أمية، باتت في العراء، إلى أن انتشلها زوجها العازف محمد ولد النمس، بل وقدم لها المساعدة بحيث لحن لها أبرز أغنياتها التي اشتهرت بها طوال مسيرتها الفنية ومنها أغنية وصفت بالإيروتيكية “هاك السرّة هاك”.

وولدت الشيخة الريميتي إبّان فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830-1962)في الـ23 مايو/آيار 1923، بضاحية تسالة بمحافظة سيدي بلعباس، (غرب الجزائر)، لكن يرجع أصلها إلى مدينة غليزان منطقة “عمي موسى”، وكانت ولادتها في عائلة فقيرة، وذاقت اليتم في سنواتها الأولى، لكن تمكنت من شق طريقها في عالم الموسيقى بعد انضمامها لفرقة تعزف الموسيقى التقليدية بآلات القصبة والقلال والطبل، كما تعلمت في هذه الفترة الغناء والرقص.

 

“الريميتي” غنّت في الحفلات والأعراس كما باقي مطربي ومغني الراي، وبعد سنوات من النضال بالأغاني واللحن والكلمة وذلك ما تخلده أغانيها عن الثورة التحريرية ورفضها للاستعمار، تربعت على عرش الأغنية البدوية إلى جانب الشيخة الجنّية ونجمة وأخريات.

وقبل افتكاكها للقب الأسطورة أو الشيخة أو ملكة أغنية البدوي الرايوية، دفعتها ظروف الفقر والحرمان إلى امتهان الرقص في الأعراس والحفلات بغية كسب القوت اليومي تحت رحمة الاحتلال الفرنسي الذي عمل المستحيل من أجل تجويع الشعب الجزائري وكذا سعى لإيقاف صوت الفن وصوت الثقافة والعلم في المجتمع الجزائري.

 

“الراي الراي”.. “المنع” و”المحرّم”

وبانضمام الريميتي إلى الفرقة وتعلمها الرقص والغناء، وقّعت أول تسجيل لها في العام 1952 بعنوان “الراي الراي” أنتجها باتي ماركوني، ثم بعدها بعامين أصدرت تسجيلها المعروف “شرغ قطع” (مزق وقطع/قّدّ)، ولا تزال إلى غاية اليوم هذه الأغنية تؤدى في أعراس الجزائريين والمغاربة بصفة عامة، فضلا عن تأديتها من قبل فنانين شباب وكبار.

ويعرف أنّ أغاني الريميتي في بداياتها تألقها لم تكن تذاع على الراديو، لاحتوائها على كلمات يصفها البعض بالإيروتيكية التي تتحدث عن العلاقة بين الجنسين الذكر والأنثى بشيء من الإباحية أو تتحدث عن مجالس الخمر وغيرها، كما في أغنية “هاك السرّة هاك” أو “شرّغ/قّطع”، لذلك بقيت لفترة طويلة مهمشّة على مستوى الإعلام الرسمي الثقيل في الجزائر، باعتبار أنّه في تلك الفترة من الزمن لم يكن قطاع السمعي البصري منفحتا على الخواص، ولم يحدث هذا المنع الممارس من قبل السلطة على الريميتي بل طال فنانين كثر، لاسيما خريجو الملاهي.

وبسبب هذا المنع قامت الريميتي بـالتعديل والترقيع وإدخال تحسينات على مستوى الكلمات فبفضل هذه الطريقة استطاعت أن تلج الإذاعة، وتكسب قلوب العشاق ومحبي الراي والقصبة والقلال (آلة موسيقية جزائرية تقليدية).

الريميتي: الخمر والثورة

أن تذكر الريميتي يعني أنّك أمام قرابة 400 أغنية أنجزتها في نصف قرن، أن تذكر أو تسمع الريميتي التي اقتدى بها فنانون نجوم مثل خالد ومامي يعني أنّك تبرمج نفسك وذاكرتك على سماع أجمل ما قدمت في مشوارها سواء تلك الأغاني “المرقعة” النقية أو تلك التي تغنت بالحب والرغبات “المحرمة” على السواء بالرغم من أنّها ليست الوحيدة التي تستعمل هكذا كلمات أو وصف لكون مجموعة كبيرة من فنانين الراي وظفوا كلمات هابطة ولا ترقى إلى الذوق باستثناء الموسيقى الحماسية الخفيفة التي تسحرك وتسافر بك إلى بلاد سيدي الهواري (وهران) وعاصمة الفن والراي سيدي بلعباس أو ترحل بك إلى تيارت أو معسكر أو مستغانم.

 

 

وتقول الريميتي في إحدى أغانيها ” يا العالية قالك نباتو هنا، قالك نسكرو: يا العاليا فلننم هنا ونشرب خمرتنا هنا”، أو في قولها: “شرغ قطع باغي نسكر/مزق ومزق أريد أن اشرب الخمر..”، وتذكر في أخرى “هي بغات الصحراء وركوب الجمل…”، ” مالي أنا جاني العشق على جهتين”، “بنات اليوم كي الشوالة اطلبو السومة ويقول بشحال”….إلخ.

بالمقابل منتقدو الشيخة الريميتي توقفوا عن ملاحقتها بعدما ناضلت بالكلمة واللحن ضد الاستعمار الفرنسي وسردت بطولات المجاهدين في الجبال وانتقدت الحركى في روائع متعددة منها أغنية سجلتها سنة 1959 بعنوان “الرقبة ايروح يجاهد والهانة ابيع خوه” وتقصد أنّ الشجعان يصعدون إلى الجبل للجهاد والمقاومة بينما “الحركى” يقومون بالوشاية عنهم إلى الجيش الفرنسي.

وقد ذكر أحد المجاهدين ويدعى محمد عياشي في ندوة تاريخية العام الماضي (2016) بمناسبة عيد الاستقلال المصادف لـ5 يوليو من كل سنة أنّ الريميتي بأغانيها الثورية غيرّت مواقف الحركى وزلزلت المستعمر بأغانيها. وغنّت “أولاد الجزائر..الشعب المناضل..”..إلخ.

 

العالمية من بوابة باريس

عقب الاستقلال في العام 1978غادرت إلى فرنسا مع الشيخ الضب، هربت إلى الحرية بعد المنع الممارس عليها في بلادها، فلم تسجل ولا أغنية واحدة في التلفزيون الجزائري حتى وفاتها سنة 2006 ولم تكن توجه لها الدعوات للمشاركة في المهرجانات والتظاهرات الفنية.، فاشتغلت في حانات ومقاهي باريس العربية، إلى أن أوقدت شمعة الحياة بداية التسعينيات من القرن الماضي، فصعدت ركح مركز العالم العربي بباريس سنة 1994، وهي في هذه السنة أصدرت ألبوم “سيدي منصور” وشاكرها فيه عازف الغيتارة المعروف روبير فريب وفلّيا عازف فرقة “ريد هوت سيلي بيبرز”.

وبعد مرور ستة سنوات أطلقت الريميتي مع بداية الألفية الثالثة ألبوم “النوار”، لتبدأ التوغل في القارات الثلاث إفريقيا وأوروبا وأمريكا، فتوالت النجاحات الواحدة تلو الأخرى، إلى غاية أخر حفل وقّعته في المقبرة الإسلامية بمدينة بوبيني الفرنسية، وتصاب بعدها مباشرة بأزمة قلبية أدت إلى وفاتها في 2006، حيث ووريت الثرى بوهران.

وكما عرفت الريميت بالجرأة وكسر الطابوهات والخروج عن المألوف وتقاليد المجتمع، عرفت أيضا بالتجديد على مستوى الموسيقى والكلمات وبالمزج مع فرق وعازفين أجانب، فلم تبقى في طابع البدوي والراي بل أحدثت ثورة بالمزاوجة بين الراب والبوب والبدوي، بل وصنعت تناغم الآلات الموسيقى التقليدية مثل الربابة والقلال والقصبة مع الآلات الإلكترونية.

تركت الريميتي زهاء 400 أغنية وهي عناوين ألبوماتها “سيدي منصور”، “شرغ قطع” و”النوار”، “أنت قدامي” و”سلام مغرب”، “غير الباردو” و”الشيخة”..وغيرها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد