سياسة

“We need to talk” .. عن مصر التي لم تذهب إلى شرم الشيخ

أحمد خليل/ القاهرة/ مجلة ميم

المار بشوارع القاهرة هذه الأيام سيدرك أن بلاده تحتضن حدثا مهما غير مسبوق، فتحاصرك صور الشباب الغربي والآسيوي أعلى الكباري وتحت الأرض وعلى أرصفة مترو الأنفاق، يدعمه الإلحاح المستمر على المشاهد لمتابعة فيديوهات دعائية عن منتدى شباب العالم بين فواصل المباريات والبرامج والمسلسلات، بغرض تحويل قبلة الاهتمام إلى منتجع شرم الشيخ وضيوفه الجدد الذين يأتون من كل حدب وصوب.

­إلا أن المنتدى المرتقب الذي تستضيفه مدينة شرم الشيخ الساحلية برعاية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بدءا من اليوم ولمدة أسبوع، بمشاركة 3 آلاف شاب، بدا وكأنه يعكس صورتين متناقضتين لمصر؛ إحداهما تمد فيها ذراعها للعالم للحديث عن السلام والإنسانية، فيما تظهر الأخرى قابضة صامتة لا تؤمن بالحوار مع أبنائها.

 

إلا أن الشعارات التي ترفعها الحكومة المصرية لجذب شباب العالم إلى أرض الكنانة، كانت مادة خصبة لعودة الهاشتاغات العكسية وثقافة “قلب الطاولة”

 

فكما كانت الاستعدادات مختلفة للمنتدى الذي دعا إليه السيسي في إبريل الماضي، كانت رسالته الدعائية باللغة الإنجليزية أكثر تحفيزا للنقاش في مصر، فحملت عنوان  “We need to talk”.

عبارة مثالية أخذها المؤيدون إلى ملعبهم لتلميع إنجازات الرئيس في محاربة الإرهاب وملف التنمية، وتلقفها المعارضون بسخرية للحديث عن الوجه الآخر للحكومة مع ملف الشباب الذي لا تريد له أن يظهر الآن في حضور الوفود الأجنبية.

 

المنتدى، الذي يأتي بعد 4 مؤتمرات شبابية داخلية، يعرف نفسه بأنه منصة فعالة للحوار المباشر بين الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة والشباب المصري الواعد الذى يطمح إلى بناء مستقبل أفضل لوطنه، وجاءت الدعوة لشباب العالم هذه المرة لكي يكون صوته مسموعا أمام حكوماته، تحت شعارات “نحتاج إنسانية، نحتاج سلاما، نحتاج أن نتكلم”.

إلا أن الشعارات التي ترفعها الحكومة المصرية لجذب شباب العالم إلى أرض الكنانة، كانت مادة خصبة لعودة الهاشتاغات العكسية وثقافة “قلب الطاولة”، فاستغله النشطاء لنشر صور لانتهاكات الشرطة بحق المواطنين خلال السنوات الست التي تلت ثورة 25 يناير.

 

على صفحتها بموقعي الفيسبوك وتويتر، تحولت الناشطة منى سيف إلى أيقونة لنشر إدانات حقوقية لن يتحدث عنها منتدى شباب العالم، فتارة تنشر صورة لمشاهد فض التظاهرات وعمليات الفر والكر بين قوات الأمن والشباب، وأخرى لشباب يقضون عقوبة الحبس الاحتياطي خلف القضبان بتهم الحديث في السياسة.

وفي رسالة مطولة، برر الناشط رامي صبري أسباب هجوم الشباب على شعار المؤتمر، بلائحة طويلة من الانتقادات للحكومة أبرزها توقيف عشرات الشباب من المبدعين في مجالاتهم الوظيفية، وتصنيف القاهرة بأنها المدينة الأخطر على السيدات في العالم، وتسليط الضوء على التمييز الديني في مصر ضد الأقليات مثل المسيحيين والشيعة والبهائيين والملحدين.

 

“لاتسألوني عن حقوق الإنسان خلال الحرب على الإرهاب، فليس لدينا تعليم وإسكان وصحة وعمل جيد للمواطنين، فطبيعي ألا توجد حقوق أخرى”.

 

الأحزاب المدنية التي لم تتلق دعوات للمشاركة في المنتدى، كعادة المؤتمرات السابقة، دخلت أيضا على التريند، وطالبت في بيان حصلت “ميم” على نسخة منه، بإطلاق سراح العشرات من الشباب القابعين في السجون منذ سنوات، سواء بعد صدور أحكام بحقهم في قضايا سياسية تتصل بحرية الرأي والتعبير، أو بناء على تمديد لا ينتهي للحبس الاحتياطي، وذلك لأن هؤلاء أيضا من حقهم أن يتحدثوا ويعبروا عما يتعرضون له من ظلم ومعاناة، بحسب البيان.

البيان، الذي حمل توقيع المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي ورموز التيار المدني في مصر، شن هجوما حادا على النظام جاء فيه: “النظام الحالي اعتاد الاهتمام بالمظاهر فقط، وإن مجرد عقد مؤتمر في شرم الشيخ تحت شعار”نحتاج للتحدث” لن ينجح في مداراة الواقع المتدهور الذي يعانيه الشباب المصري الآن، سواء من ناحية حرمانه من أبسط حقوقه السياسية، أو من ناحية تحقيق طموحه في إيجاد وظيفة عمل مناسبة تحترم آدميته بدلا من السعي للهجرة في قوارب الموت”.

 

إلا أن الحكومة نفسها لا تبالي بالانتقادات التي تواجهها سواء من الخارج “القوي” أو الداخل “الضعيف”، وهو ما أظهرته صلابة السيسي في ردوده على أسئلة الصحافيين الفرنسيين عن انتهاك حقوق الإنسان في مؤتمر مشترك مع ماكرون في باريس، قائلا: “لاتسألوني عن حقوق الإنسان خلال الحرب على الإرهاب، فليس لدينا تعليم وإسكان وصحة وعمل جيد للمواطنين، فطبيعي ألا توجد حقوق أخرى”.

وينفي الرئيس المصري في جميع المناسبات وجود معتقلين سياسيين في سجونه، إلا أن تقارير حقوقية توثق اعتقال الأمن المصري نحو 60 ألف شخص منذ يوليو 2013، وفق تقرير “هناك متسع للجميع” الصادر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

ورغم إقدامه على خطوة الحوار مع الشباب من خلال مؤتمر شهري قبل عام من الآن، إلا أن محصلته لم ترق بطموحات الأحزاب السياسية الذين ضاقوا ذرعا من تجاهل مطالبهم بالإصلاح وفتح المجال العام.

“الدولة دايما متهمة أنها بتعتقل الشباب وبتتجاهل طلباتهم ومعندهاش فكرة عن معاناتهم، ومن أجل هذا ينظم الرئيس مؤتمرات لمواجهة الدعاية السلبية عن غلق باب الحوار” يقول أحمد بحراوي، محام يساري، في تصريحات لـ”ميم”.

بحراوي كان أحد المشاركين في تحضيرات ثورة 25 يناير مع تنظيم الاشتراكيين الثوريين، لكن الإخفاقات المتتالية للثورة دفعته للهجرة إلى الإمارات في السنوات الأخيرة، مكتفيا بالتغريد عن الشأن الداخلي، كأغلب رفاقه.

يدعم بحراوي التدوين المستمر عن انتهاكات حقوق الإنسان على شعار المنتدى “نحتاج إلى الحديث” للتأثير على إعلام السلطة، قائلا: “الدولة بتحاول دلوقتي بشتى الطرق تلاحق النشطاء وتحبسهم بسبب كتابتهم على مواقع التواصل، هذا معناه انها لها تأثير”.

ويشير بحراوي إلى أن النظام لم ينجح في تشكيل ظهير شبابي له من خلال المؤتمرات الأخيرة، معتبرا أنها لم تنجح إلا في تخويفهم من المشاركة في الحياة السياسية.

 

أحمد مصطفى، عضو فعال في تحالف التيار الديمقراطي، الذي يضم أحزاب المعارضة، كان قد شارك في المؤتمر الأول للشباب الذي عقد بمدينة شرم الشيخ أيضا، لكنه لم يدع للمؤتمرات التالية في الإسكندرية والصعيد.

يقول مصطفى، في تصريح لـ”ميم”،: “ظننا أن الدولة ستعيد حساباتها في ملف الشباب، لكن بعد انتهاء المؤتمر والوعود التي تلقيناها بتعديل قانون التظاهر والإفراج عن المعتقلين، ثم وجدنا نفسنا خارج دائرة اهتمام الحكومة ولم ندع لأي نقاش آخر”.

مصطفى ضمن كثيرين من شباب الأحزاب الذين استدعتهم الحكومة للمشاركة في مؤتمر الشباب الأول ثم أقصتهم بعد تحقيق الهدف من صناعة مؤتمر دعائي يقتصر حضوره على الشباب المؤيدين.

يضيف مصطفى: “المؤتمرات حاليا هدفها التلميع وبث رسائل للعالم أننا نمارس الديمقراطية، لكن قوامها من شباب البرنامج الرئاسي والوزارات والأحزاب التابعة للنظام”.

 

كان بإمكان الرئيس المصري أن يستغل المؤتمرات الشبابية في ترميم جدار الثقة بين الدولة والشباب، لكنه سار على درب أسلافه من تجاهل المعارضين وتدجينهم، إلى أن انضمت المؤتمرات إلى الهرم الدعائي الذي يتوارى خلفه فشل السلطة في احتواء شبابها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.