دين وحياة

الصحابية خولة بنت الأزوَر … بين الحقيقة والأسطورة

تراث

 

في تاريخنا العربي صورة المرأة المثالية البطلة وهي صورة خولة بنت الأزور.

صورة تلك المرأة ، بما فيه من بطولة وشجاعة وتضحية وبذل وفروسية تفوق فروسية خالد بن الوليد ودهاء يفوق دهاء عمرو بن العاص ، وإقدام يفوق إقدام ، البراء بن عازب ، وشجاعة تفوق شجاعة علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه-.

والشيء العجيب والجديد أن شخصية خولة بنت الأزور شخصية وهمية خيالية، لا وجود لها في التاريخ ، إلا في مخيلة واضع كتاب ‘فتوح الشام’ ، المنسوب زوراً للإمام محمد بن عمر الواقدي ،المتوفى سنة 206هـ ، ولقد ثبت عند المؤرخين والنقاد ، أن هذا الكتاب ، يعتبر المصدر الأول والأوحد ، في استلهام بطولات خولة بنت الأزور. وقد ألف هذا الكتاب سنة 907هـ ، على يد مؤلف مجهول ، نسبه زوراً وبهتاناً ، للواقدي ، الذي لا يحتاج إلى مزيد طعن منا ، بسبب هذا الكتاب ، حيث أجمع العلماء على ضعفه ، ورماه الكثير بالكذب والوضع.

وبين أيدينا المصادر والمراجع التي تتحدث عن الصحابة مثل الإصابة لابن حجر وأسد الغابة لابن الأثير والاستيعاب لابن عبد البر وغير ذلك من التراجم والسير وحتى التواريخ الشهيرة مثل تاريخ ابن عساكر عن دمشق لم يرد فيها ذكر صحابية باسم خولة بن الأزور نهائياً ولقد ذكر ابن حجر 28 صحابية باسم خولة في اختلاف في بعضهن ولكنه لم يذكر مطلقاً اسم بنت الأزور.

من هي خولة بنت الازور؟ 

يرتبط تاريخ حياة بنت الأزور بضروب البطولة التي أبدتها في واقعة أجنادين. وفيها التحم المسلمون بقيادة خالد بن الوليد بالروم بقيادة هرقل، فقد فاقت ببسالتها وشهامتها ما قام به الرجال، وحاربت مستخفية لإطلاق سراح أخيها ضرار من الأسر، وحضت النساء على خوض غمار الحرب دفاعا عن الأسرى وذودا عن الإسلام.

 

هذه بنت الأزور، التي أسرت مرة هي وبعض النساء أثناء حرب المسلمين مع الروم، فحرضت النساء على التخلص من الأسر، ولما لم يكن معهن سلاح اقتلعن أعمدة الخيام وأوتادها وحاربن بها ضد الروم تحت قيادة خولة بنت الأزور إلى أن نجين من الأسر.

 

ويقال إن هذه البطلة المحاربة أسر أخوها ضرار بن الأزور في الحرب، فتنكرت في زي فارس، وامتطت جوادها مدججة بالسلاح واخترقت الصفوف وقتلت منهم عددا كبيرا، معرضة نفسها للموت. وكان المسلمون ومعهم سيف الله المسلول خالد بن الوليد- رضي الله عنه -. يترقبون بإعجاب، معتقدين أنها رجل، حتى خرجت من المعركة ورمحها يقطر دما، فالتفوا حولها، ولما عرفوا أنها فتاة اشتعلت حماستهم وتقدموا في شجاعة حتى فكوا أسر أخيها .

 

وعادت الحرب سجالا بين العرب والروم في مرج دابق، وفيها أسر ضرار للمرة الثانية فحزنت أخته، وصممت على الانتقام من الروم وفك أسره. واقتحمت بنت الأزور صفوف الأعداء باحثة عن أخيها، فلم توفق إلى العثور عليه، وصاحت: (يا أخي ! أختك لك فداء) واشتد حماس المسلمون، وحاصروا أنطاكية، وقد تحصن فيها الروم ومعهم الأسرى وانتصر المسلمون وأطلق سراح الأسرى. بعد جهاد مرير فعاد ضرار إلى أخته فرحين بنصر الله ومنته.

 

توفيت خولة بنت الأزور في عهد خلافة عثمان بن عفان- رضي الله عنه- بعد أن شهدت كثيرا من المشاهد والأحداث التاريخية.

وقصتها مشهورة في إنقاذ أخيها ضرار من الأسر عندما ركبت جوادها ووضعت لثاما لتخفي وجهها .. الخ

ونستطيع أن نثبت أن خولة بنت الأزور وقضية إنقاذ أخيها من الأسر كله من الأخبار الواهية التي لا تستند على برهان قوي،   فكتب السيرة بجميع أشكالها وألوانها وأحجامها ، لا تشير من قريب أو بعيد إلى ترجمة خولة. وكذلك كتب التراجم ، التي تترجم لضرار ، لا تشير إلى خولة ، لا في أخبار أخيها ، ولا في تراجم النساء الصحابيات.

فمثلا عز الدين ، أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري الشهير بابن الأثير ، المتوفى سنة 630هـ ، في كتابه :”أسد الغابة في معرفة الصحابة” : والذي اعتمد فيه على الكتب التي سبقته من المؤلفين الأوائل ، الذين ترجموا للصحابة والصحابيات – رضي الله عنهم ، وأرضاهم-

وهو يقول في مقدمته ، ذاكرا الكتب اعتمد عليها :”وقد جمع الناس في أسمائهم كتباً كثيرة، ومنهم من ذكر كثيراً من أسمائهم في كتب الأنساب والمغازي وغير ذلك، واختلفت مقاصدهم فيها، إلا أن الذي انتهى إليه جمع أسمائهم الحافظان أبو عبد الله بن منده وأبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني إن، والإمام أبو عمر بن عبد البر القرطبي -رضي الله عنهم، وأجزل ثوابهم، وحمد سعيهم، وعظم أجرهم وأكرم مآبهم- فلقد أحسنوا فيما جمعوا، وبذلوا جهدهم وأبقوا بعدهم ذكراً جميلاً؛ فالله تعالى يثيبهم أجراً جزيلاً؛ فإنهم جمعوا ما تفرق منه‏.”

فلما نظرت فيها رأيت كلاً منهم قد سلك في جمعه طريقاً غير طريق الآخر، وقد ذكر بعضهم أسماء لم يذكرها صاحبه، وقد أتى بعدهم الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني، فاستدرك على ابن منده ما فاته في كتابه، فجاء تصنيفه كبيراً نحو ثلثي كتاب ابن منده‏.‏

وقد ذكر سبع عشرة امرأة صحابية ، اسمهن خولة ، ولم ترد خولة بنت الأزور بينهن. وتابعه على ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني ، المتوفى سنة 852هـ ، في كتابه الموسوعي ، الذي أحاط بأسماء الصحابة والصحابيات ، والمطبوع في ثلاثة عشر مجلدا الإصابة ، ولم يذكرها إطلاقا ، ضمن من أحصى من النسوة ، حتى أولئك اللاتي لم ينلن لقب صحابية .

وقد ذكر في كتابه هذا تسعا وعشرين صحابية ، تسمين باسم خولة ، ولم ترد خولة بنت الأزور بينهن .

وأما السابق للجميع ، في كتابه الرائع الشائق الماتع، محمد بن سعد ، صاحب الطبقات الكبرى ، المتوفى سنة 230هـ ، فقد ذكر خمس عشرة خولة ليس بينهن خولة بنت الأزور .

أما المصادر الأدبية فلم يذكرها أي كتاب من أمهات الكتب الأدبية. فصاحب الأغاني أبو الفرج الأصبهاني ، المتوفى سنة 362هـ بالتأكيد ، (خلافاً لما ورد في كتب التراجم) ، قد ذكر ست خولات ، وليست بينهن خولة بنت الأزور ، وكذلك صاحب كتاب الشعر والشعراء ، ابن قتيبة الدينوري ، وطبقات فحول الشعراء ، لابن سلام الجمحي . ومثله كتب الحماسات ، والاختيارات الشعرية ، وغير ذلك.

وقد رجعت إلى موسوعة الوراق الشهيرة ، وبحثت فيها ، فلم يرد لها ذكر إلا في موضعين اثنين:

فتوح الشام للواقدي ، وقد ورد فيه اسمها في خمسة عشر موضعاً . وفتوح الشام فيه شك بالنسبة لنسبته للواقدي ، ونذكر من الأدلة ما يثبت ذلك: إن أسلوب الكتاب يخالف أسلوب الواقدي المعروف ، فهذا الكتاب أشبه بكتاب لسرد الأساطير والحكايات ،وفيه تناقض وتباين في المعلومات ، وإن كان الكتاب للواقدي ، فقد حصل فيه زيادات وتشويه ، وعلى الرغم من أنه لم يثبت عند النقد التاريخي ، بأن مؤلفه الواقدي .فكتاب فتوح الشام هذا مكذوب على الواقدي ، وليس له ..

والكتاب الثاني ، هو كتاب الأعلام ، لخير الدين الزركلي.

وكذلك الشأن في الكتب التي اهتمت قديما بأخبار النساء بصفة خاصة مثل كتاب بلاغات النساء لابن طيفور ، المتوفى سنة 280هـ ، وأخبار النساء ، لابن الجوزي ، وأشعار النساء ، للمرزباني ، وغير ذلك كثير.

وأما كتب التاريخ ، فلم يرد أي ذكر لها ، مثلا : في الكتاب الموسوعي الشامل ، تاريخ دمشق الكبير ، لابن عساكر الدمشقي ، المتوفى سنة 597هـ . وقد أصدرت الأخت الباحثة الأستاذة سكينة الشهابي الجزء الخاص بالنساء ، ولم يرد أي ذكر فيه ، لخولة هذه.

وكذلك كتب اللغة ، المطول منها والمختصر : فصاحب القاموس المحيط ، أحصى الخولات من الصحابيات ، فلم يذكرها ، واستدرك عليه صاحب تاج العروس ، وهو الكتاب الموسوعي في اللغة والتاريخ ، فلم يذكرها أيضاً .

وهكذا أغفلت ذكرها كتب التاريخ والأدب واللغة جميعا.

ونحن نجد لها ترجمة في كتاب : “الأعلام” ،” للزركلي 2/325″ ، حيث يقول :” خِوْلَة بنت الأزوَر (- نحو 35هـ – نحو 635م) ، خولة بنت الأزور الأسدي، شاعرة. كانت من اشجع النساء في عصرها، وتشبَّه بخالد بن الوليد في حملاتها. وهي أخت ضرار بن الأزور. لها اخبار كثيرة في فتوح الشام. وفي شعرها جزالة وفخر. توفيت في أواخر عهد عثمان .”

 

وقد رجع إلى مرجع وحيد ، وهو كتاب الدر المنثور ، ص 184 ، وهذا الكتاب لزينب فوّاز ، وقد ترجم لها في كتاب الأعلام 3/67 ، حيث يقول :

“زَينَب فوَّاز (1267 – 1332هـ، 1860 – 1914م): زَينَب بنت علي بن حسين بن عبيد الله ابن حسن بن إبراهيم بن محمد بن يوسف فواز العاملي: أديبة، مؤرخة، من شهيرات الكاتبات. ولدت في “تبنين” من قرى جبل عامل ببلاد الشام. وتعلمت بالاسكندرية وتتلمذت فيها للشاعر حسن حسني الطويراني (كان يصدر جريدة النيل) وكتبت واشتهرت وانتقلت إلى القاهرة. وزارت دمشق، فتزوجت بأديب نظمي الدمشقي. وافترقا بعد قليل، فعادت إلى القاهرة. وتوفيت بها.

من كتبها :الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ، وهو مطبوع مشهور ، في مجلد كبير .

وزينب هذه لا يحتج بقولها ، لأنها معاصرة ، وقد أخطأت صاحبة الكتاب هذا ، فنسبت خولة إلى كندة ، مع أنها من أسد.

ولها ترجمة في كتاب (أعلام النساء في عالمي العرب والمسلمين ) ، للأستاذ عمر رضا كحالة ، ج 1، مؤسسة الرسالة، بيروت ، 1959م.

وكل هذه الكتب المتأخرة، تعتمد على كتاب”الدر المنثور”،  لزينب بنت فواز العاملية، وكتاب “فتوح الشام” للواقدي، وكتاب “شرح ديوان الخنساء”.

وأما كتاب”شرح ديوان الخنساء”، فليس يعرف اسم مؤلفه ، أو جامع مادته، وهو يعتمد على ما ساقه الواقدي، في كتاب “فتوح الشام”، وعلى هذا فيكون المرجع الوحيد ، هو كتاب فتوح الشام للواقدي.

أما عن أخيها ضرار، فقد ثبت وجوده فعلاً ، خاصة أثناء مشاركته في إخماد فتنة الردة – فتنة مالك بن نويرة – مع خالد بن الوليد رضي الله عنه ( انظر ترجمته في الإصابة و أسد الغابة و غيرها من كتب التراجم.

وبالنسبة لشخصية خولة بنت الأزور، وقصصها البطولية مع أخيها ضرار، وقيام أخته خولة بإنقاذه من الأسر، فلا وجود لها في الواقع، بل إن خولة هذه لا ذكر لها في كتب التراجم والسير، بل ولا في كتب اللغة والأدب؛ فهي على الراجح شخصية وهمية، و كل من يثبت عنها شيئاً؛ إنما يعتمد على كتاب فتوح الشام المكذوب على الواقدي، وكتاب شرح ديوان الخنساء ، و شارح هذا الديوان ، مجهول غير معروف ، و قد اعتمد في سرد بعض الأحداث في شرحه هذا على كتاب فتوح الشام ، و كتابان هذه حالهما – أخي القارئ – لا يعتمد عليهما.

 

المصدر
شبكة فلسطين للحوار
الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.