سياسة

الاغتصاب لقهر الرجال

شهادات صادمة عن اغتصاب الرجال في السجون الليبية

“اقهروا الرجال!”

هذا هو التعبير الذي كانت تستخدمه الفصائل المتناحرة في ليبيا لتحقيق الهيمنة السياسية والعسكرية، وكل شيء مشروع غي نظرها لتحقيق هذه الغاية، حتى الاغتصاب. 

فمن خلال شهادات موثقة قدمها تقرير لمنظمة غير حكومية مقرها تونس بالتعاون مع صحفي من جريدة لوموند الفرنسية، نشرت صحيفة ” ذي غارديان ” البريطانية تحقيقا عن اغتصاب الرجال المنهجي في مراكز الاعتقال والسجون التابعة لجماعات مسلحة في ليبيا، حالات اغتصاب جرت باعتماد آلات مختلفة كالمكانس و مقابض الصواريخ أو عن طريق الاشخاص.

فبعد سنوات من التحقيقات والبحث، توصلت المنظمة إلى شهادات مروعة لرجال عانوا من تبعات هذه الجرائم سواء كانوا ضحايا أو شهودا.

ويروي أحمد، أحد الشهود، للمحققين كيف اُحتجز لمدة أربع سنوات، مع 450 رجلا، في سجن بمصراتة ويقول “كانوا يفصلون فيما بيننا لإخضاعنا”. ويصورون كل شيء بهواتفهم.

كما يقول”كانوا يثبتون عصا مكنسة على الحائط، ومن يرغب في تناول الطعام عليه خلع سرواله أولا، ثم عليه أن يعود إلى العصا ولا يتحرك إلى أن يرى السجان دمه يتدفق”.

وفي حادثة أخرى، يتذكر أحمد كيف استغل السجانون رجلا أسود، كان مهاجرا، لاغتصاب آخرين، وتهديده بالموت في حال الرفض. “كانوا يقولون له اغتصب ذلك الرجل و الا فانك ستموت”.

عملية البحث استمرت لأكثر من ثلاث سنوات انطلاقتها كانت من مكتب صغير في تونس من قبل أحد الليبيين المنفيين الذي اختار اسم ” رمضان ” خوفا على سلامته ومساعده عماد.

تحول عماد إلى العاصمة الليبية طرابلس أين التقى بزميلة له قامت بالبحث في نفس الموضوع بالإضافة إلى أشخاص آخرين جمعوا أدلة حول عمليات الاغتصاب.  وفي المجمل، تمكن عماد من جمع 650 ملفا لحالات اغتصاب .

وتضمنت هذه الملفات ادعاءات بالاغتصاب قام بها أشخاص من قبيلة “تاورغا” في الجنوب الليبي، والتي اُتهمت باغتصاب عدد من الثوار قبيل سقوط نظام معمر القذافي الذي كانت موالية له، حسب هذه الملفات. وقد تعرضت القبيلة لاحقا للانتقام  إذ دمرت هذه المدينة  وتوزّع سكانها الـ 35 ألفا على عدة مخيمات للنازحين في بنغازي وطرابلس.

تقول الصحيفة إن أحد الشهود في هذه المخيمات و يدعى علي وهو جندي سابق من قوات القذافي قد قال “تم احتجاز بعضنا، عراة، مع مجموعة من المهاجرين طوال الليل”.

ويضيف علي الذي يبلغ من العمر 39 عاما لكنه يبدو في الـستينات من العمر، يتعكز على عصا: “رفض السجانون إطلاق سراحهم إلى أن اغتصبوا بعضهم البعض وكانوا يرمون بعضنا عراة في غرف مقفلة مع مجموعة من المهاجرين”.

واختتم كلامه بالقول: “لحسن حظي، لم أتعرض لذلك. تعرضت فقط للاغتصاب بالعصا والعجلة، ولا أزال أعاني من مشاكل جسدية و نفسية جراء ذلك ”.

وتوضح الصحيفة، أن آلية “الاغتصاب بالعجلة” تقوم على وضع الضحية داخل إطار معلق وهو عار، ما يسهل أمر اختراق جسده من قبل سجانيه”.

الاغتصاب كان يطول الجميع، رجالا و نساء، إذ تروي فتحية من مخيم جنوب طرابلس حسب ما ورد بالصحيفة ” لم تكن النساء في مأمن من الاغتصاب، فقد اغتصبوا كل أفراد عائلتي، ولكن أشد ما يؤلمني أنهم اغتصبوا ابني أمام عيني. ومنذ ذلك الوقت يرفض التحدث معي.”

وتضيف “لقد جروني في الشارع أمام الجميع وهم يصرخون أنتم اغتصبتم بناتنا، سنقوم بما قمتم به. وكنت أسمع صراخ الرجال ليلا نهارا.”

وتشير الصحيفة إلى أن نظام معمر القذافي قد استخدم الاغتصاب كأداة للانتقام من معارضيه خلال ثورة 2011 لكن لا توجد أدلة قاطعة على ذلك إلى حد الآن باستثناء بعض الشهادات. من ذلك شهادة لأحد  جنود الكتائب الذي قال “إن جنود القذافي اقترفوا جرائم اغتصاب و بعد سقوط النظام أصبحوا هم ضحايا لهذه الجرائم.”

ويظهر أحد الفيديوهات شابا يجلس على الرمال ورأسه موجه إلى الأسفل، فيما تظهر يد رجل بزي عسكري يجرده من بنطاله وسرواله الداخلي، قبل أن يضع قاذفة صواريخ بين فخذيه.  وأوضحت الصحيفة أنه لا يمكن التحقق من الفيديو، أو تحديد هوية المليشيات، ولا مكان وقوع الحادثة.

ليبيا ليست الوحيدة

لا شك في أن ما ورد في تقرير صحيفة   “ذي غارديان ” البريطانية صادم و مروع عن شهادات للاغتصاب من قبل مجموعات مختلفة و من قبل النظام الليبي السابق. لكن نشرت منظمات حقوقية تقارير أخرى عن  عمليات الاغتصاب والتعذيب تعرض لها السجناء في دول عربية أخرى على غرار مصر وسوريا.

ففي مصر، نشرت هيومن رايتس ووتش تقريرا بعنوان “هنا نفعل أشياء لا تصدّق” عن جرائم التعذيب و الاغتصاب للسجناء وتحديدا المعتقلين بعد 30 جوان / يونيو 2013.

من ذلك شهادة  لأحد المعتقلين السابقين الذي قال “إن العناصر في مركز شرطة في القاهرة اغتصبوه مرارا بإدخال عصا في فتحة الشرج” 

وفي سوريا، نقلت هيومن رايتس عن رجل قال إنه احتجز في فرع للأمن السياسي في اللاذقية في زنزانة مع أكثر من 70 آخرين، قال إن “الصبية الصغار كانوا يتعرضون للاغتصاب و التعذيب  بخلع أظافرهم”. ويضيف  “جاء أحدهم إلى الزنزانة وهو ينزف من الخلف لم يكن يستطيع السير كانوا يفعلون ذلك بالصبية فقط، كنا نبكي من أجلهم”.

كما تشير تقارير إعلامية أن 20 في المائة من حالات الاغتصاب في السجون السورية وقعت على الرجال.

الاغتصاب سلاح الأنظمة الدكتاتورية و الجماعات المتطرفة، بهدف إذلال المعارضين وكسرهم. أنظمة مارست كل أشكال التعذيب ضد من خالفها الرأي.  فمن خلال الشهادات التي عرضتها هيئة الحقيقة والكرامة في تونس في جلساتها العلنية التي بُثت على التلفزيون التونسي الرسمي مثلا، تحدث الكثير من الضحايا عن اعتداءات جنسية طالت الرجال و النساء زمن حكم بن علي.  

من ذلك شهادة الباحث سامي براهم الذي قال “وضعونا عراة لأسبوع كامل، أرادوا تدميرنا، راهنوا على إخصائي. الحمد لله لدي بنت جميلة تؤكد أنني انتصرت عليهم”.

عديد الشهادات لمعارضين سياسيين زمن بن علي وبورقيبة كشفت عن سجل أسود من الانتهاكات الجنسية ضد السجناء والموقوفين، والتهديد بالاغتصاب والاعتداء الجنسي عليهم وعلى أهاليهم، قصد انتزاع الاعترافات بالقوة.

إن ما خرج للعلن من تقارير واعترفات حول اغتصاب الرجال في السجون والمعتقلات  التابعة للأنظمة أو الجماعات المسلحة المتناحرة في دول ما يسمى “بالربيع العربي” ليس الا جزء بسيطا من حالات كثيرة اختار ضحاياها الصمت،  أو أنهم لم يجدوا الفرصة للادلاء بشهاداتهم في ظل القمع والتضييق والنزاعات والحروب، أو بسبب الشعور العميق بالعار لدى الضحايا في ثقافة تتمحور حول قيم الرجولة والفحولة.

تضاف هذه الشهادات المرعبة والصادمة التي وردت في تحقيق الصحيفة البريطانية إلى الآلاف من الصور وأشرطة الفيديو المنتشرة على الانترنت لانتهاكات جسدية خطيرة يتعرض لها المئات يوميا،  في خضم صراعات طاحنة، تستباح فيها كل الحرمات ويغدو الجسد في أتونها أداة للاخضاع والكسر وسلاحا ناجعا لإذلال وقهر الخصوم.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد