مجتمعالرئيسي

اغتصاب الحروب: اغتصاب للمقاومة والحياة

مجتمع

 

قبل أن يعيد العالم شرفه الذي فقده بعد الحرب العالمية الثانية، كانت جيوش القوى العالمية تمارس الاغتصاب في الحروب كنوع من التشفي والانتقام من الخصوم، وأيضا للمتعة والتسرّي عن الجنود الذين خاضوا حروبهم التي تناقضت مع كلّ الأعراف والمواثيق، فيسيطر اللون الأحمر و المنتصر هو من يسيل الدم أكثر من غيره.

 

بعد الحرب العالمية الثانية، مازال العالم يحاول ترقيع شرفه الملطخ بدماء ملايين الأبرياء بالتنصيص على أنّ عقوبة الاغتصاب جريمة حرب لا تسقط بالتقادم حسب اتفاق روما 1998. كما اعترف مجلس الأمن سنة 2000 أنّ كلّ ما يمتّ إلى جرائم العنف الجنسي سيعتبر جزءا من عمله، وفي سنة 2002، اتفقت 60 دولة على تشريع روما الذي انتهى بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي، والتي اعترفت في لوائحها بأنّ الاغتصاب يعتبر جريمة حرب وجريمة إنسانية وإبادة جماعية.

 

نساء المتعة في معسكرات جيوش اليابان، ومذبحة نانجينغ، تعتبر من أشهر جرائم الاغتصاب في التاريخ الحديث وأبشعها. إذ تعرّضت عشرات الآلاف من النساء إلى التنكيل والتعذيب والعنف الجنسي وصولا إلى القتل في معسكرات الجنود اليابانيين.

كان طموح اليابان الاستعمارية قبل أقلّ من قرن مدمّرا ومتناقضا كليّا مع أخلاق حسن الجيرة مع الصين، إذ وجهت القوّة الاستعمارية اليابانية مخالبها نحو جارتها لعلها تصل إلى حكم العالم بإحكام قبضتها على الصين الغارقة في الحروب الأهلية، وقد بدأت حلمها التوسعي باحتلال منشوريا سنة 1935.

سنة 1937، اقتحمت اليابان الصين، وقد سقطت في قبضتها مدينة نانجينغ التي أصبحت  شاهدا على بشاعة جرائم الاغتصاب، بل ومرجعا لها وملهما للمدافعين عن حقوق الإنسان وصون كرامته ضدّ الآلة العسكرية.

 

 

لم يترك جنود اليابان بيتا إلا واقتحموه من أجل الاغتصاب، لا يهمّ كم عمر المرأة، كانت رغبتهم في الاغتصاب مريعة وحادّة بعد أن قتلوا عشرات الآلاف من الأبرياء في الشوارع، وكانت الحصيلة الأولى عشرون ألف امرأة حسب ما نقلته المصادر التاريخية.

وإزاء المقاومة الشرسة التي مارسها الصينيون ضدّ اليابانيين بعد تنامي جرائم الاغتصاب، عمدت القيادة اليابانية إلى تشريع سياسة نساء المتعة من أجل منع الاغتصاب في المدن التي يدخلها الجيش.

تمّ  استخدام مئتي ألف امرأة مختطفة ومحتجزة من جنسيات مختلفة كورية وفلبينية وصينية وتايوانية في معسكرات الجنود اليابانيين للترفيه عنهم، وقد قدّمت اليابان سنة 1993 اعتذارا عما ارتكبته في حقّ هؤلاء النسوة.

 

 

وفي سنة 2014، تقدمت الصين بطلب إلى اليونسكو بإدراج الوثائق والصور اليابانية المتعلقة بهذه المسألة ضمن وثائقها حتى لا ينسى العالم ما مارسه الجيش الياباني في حقّ الصين ونسائه.

 

 

في أوّل التسعينات، وتحديدا في سنة 1992، شهد العالم حربا أخرى لم يتعامل معها بجديّة رغم عدد الضحايا الذي وصل إلى مئات الآلاف، عذابات وجراحات مازالت إلى اليوم تثير الحزن والغثيان أيضا، إنّها حرب البوسنة والهرسك.

كان الاغتصاب سلاح حرب مارسه الصرب ضدّ النساء البوسنيات وتحدثت بعض المصادر على أنّ عدد ضحايا الاغتصاب قد وصل إلى خمسين ألف مغتصبة في ثلاث سنوات.

 

 

كما نقلت كثير من المصادر الصحفية قصصا مفزعة عن مراكز الاغتصاب التي حشرت فيها البوسنيات  ومارس فيها جنود الصرب أبشع الأساليب في العنف الجنسي، وقد أحرز فيلم “جيربافيشا” على “الدبّ الذهبي” في مهرجان برلين سنة 2006، والذي تناول قضية اغتصاب البوسنيات المسلمات.

 

 

في فيفري 2007، أدانت محكة العدل الدولية جرائم الحرب المرتكبة واعتبرتها ضمن جرائم الإبادة الجماعية.

ومنذ اندلاع الثورة السورية سنة 2011،  تمّ توثيق مئات الحكايا عن اغتصاب النساء في سجون النظام السوري أو على أيدي تنظيم داعش. حيث كانت المرأة لاعبا أساسيا في لعبة الحرب، يقذفها الكلّ يمينا ويسارا، عاليا وأسفل.

 

 

اغتصاب المرأة في الحروب يحيلنا على  حكايا دامية كقلوب الضحايا المنكسرة، حكايا عن اضطهاد المرأة في الحروب، حروب تدفع فيها الأرض والمرأة الثمن غاليا، إذ لا شيء يوقف الجلاد عن التنكيل أو الاغتصاب، إنّه طريقه الأسهل للانتصار.

رغم أنّ القانون العالمي يعاقب على الاغتصاب وكلّ الجرائم المتصلة بالعنف الجنسي، إلا أنّه مازال السلاح الأقوى الذي يستخدمه الجلادّ ضدّ ضحيته لإخضاعها وكسر مقاومته.

لا شيء يوقف أن يكون الاغتصاب هو السلاح الأقوى في حرب غير متكافئة يمرّر فيها الذكر الجلاد إلى الذكر الضحية رسائل مشفرة مفادها : “لقد نلت من عرضك، من شرفك، من زوجتك التي وعدتها بصونها، من ابنتك التي ستكبر منكسرة، ومنك لأنّك لم تستطع فعل شيء، ينتصب قضيبي فيما يرتخي قضيبك، كما أحمل سلاحي فيما جردتك من كلّ أسلحتك وكلّ أسبابك للبقاء.”

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.