منوعات

إعداد “الكسرة”..مهنة النساء لم تعد كذلك في الجزائر

تراث

الجزائر/حسام الدين ربيع/مجلة ميم

تشهد سوق تحضير وبيع “الكسرة” (الرغيف) في المجتمع الجزائري خلال السنوات الأخيرة انتعاشا كبيرا وحركية واسعة، أدّت بعديد صناعها من الرجال إلى فتح محلات خاصة بها بعدما كانت لوقت قريب تحضر من قبل النساء داخل البيوت، ولكن مع مرور الزمن طلقتها النساء لأسباب مختلفة مرتبطة بالتحولات الثقافية والإقتصادية التي عرفتها الجزائر في العشرين سنة الماضية، ليحتضنها الرجال بشغف لما فيها من كسب وفير.

ويعتبر “الرغيف” أكلة شعبية تقليدية تعرف في قاموس الجزائريين بمسمى “الكسرة” وذلك في شرق البلاد و”الفطير” بولايات الوسط منها العاصمة والبليدة، أمّا عند سكان القبائل (الأمازيغ) فيطلق عليه “آغروم” وفي بعض الولايات تسمى “الرخساس”، أمّا في الجنوب تسمى “الملة” وطهيها يكون بدفنها داخل الرمل ويوضع فوقه جمر ساخن لتسريع عملية الطهي.

“الكسرة” موطنها الأرياف قبل عشرين سنة

وتنتشر “الكسرة” في بصورة كبيرة في الأرياف والمداشر سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب أو في شمال البلاد، فكانت موائد الغداء

أو العشاء لا تخلو منها على الإطلاق، خاصة قبل أكثر من عشرين سنة، ولكن مع تطور المجتمع انتشر هذا الخبز التقليدي في المدن وأصبح ينافس في السنوات العشر الأخيرة ما تصنع أفران الخبّازين العصريين.

ولوازم طهي “الكسرة” التقليدية غير كثيرة وغير مكلفة أيضا فتتكون بالدرجة الأولى من كمية من السميد سواء سميد القمح أو الشعير أو سميد التشيشية (خشن نوعا ما) وكمية من الزيت، وقليل من الملح، ليتم الخلط والعجن جيدا للحصول على عجينة متماسكة، ثم تُشكل إلى أقراص صغيرة وتوضع على النار لبضع دقائق على أن تقلب بين الفينة والأخرى لألا تحترق لبضع دقائق وتقدم في شكلها النهائي.
وتقدم الكسرة مع مختلف الأطباق، وبالأخص مع “الزيت” و”الزيتون” و”الشليطة” (فلفل ممزوج حلو وحار) واللبن والتمر.

تخلت عنها المرأة واحتضنها الرجل

وتحضير “الكسرة” مهنة ارتبطت بالنساء أساسا، لكن أضحى في الوقت الراهن يمتهنها الرجال خارج البيوت (العنصر الذكوري) بفتح محلات خاصة لتحضيرها وبيعها في ظل تفشي البطالة وانعدام فرص العمل في مجالات مختلفة، ومع الربح الوفير الذي تدرّه باتت رقما صعبا في المهن التجارية المتعددة.

وتعيد بعض الأفلام السينمائية التي أنتجتها الجزائر تخليدا لثورة التحرير (1954-1962) ضد الاستعمار الفرنسي، إلى الأذهان
مشاهد النسوة وهنّ تحضرن “الكسرة” على أفران تقليدية يطلق عليها “الكانون”، وكيف كانت تعدّ وجبة رئيسية عند المجاهدين الذين اتخذوا منها غذاءا ومصدر قوة، فيكفي أن يأخذ المجاهد معه إلى الجبل قطعة واحدة وبعد أن ينتهي منها يمكن أن لا يأكل ليومين أو ثلاث.

وتعدّ “الكسرة” بالنسبة للنساء الجزائريات اليوم مجرد عمل يحمل الكثير من العناء لما تتطلبه من بذل مجهود كعجن السميد وخلطه بكلتا
اليدين ثم طهيه على النار، أو تتجنب إعدادها بحكم العمل أو ضيق الوقت وغيرها من الأسباب التي تؤدي بصورة يومية إلى تخلي النساء عنها واختفائها من مطابخ المنازل.

وعقب هذا التحول الملفت للإنتباه أضحت النساء زبونات عند محلات بيع الكسرة التي يحضرها الرجال، فتجد أغلبية الجزائريات يحرصن على وجودها على مائدة القهوة الصباحية أو في العشاء بغض النظر عن المناسبات الدينية كالشهر الفضيل أين يصبح حضورها إجباري وضروري.

وبالنسبة لفئات أخرى من النساء لاسيما العاملات أو طالبات الجامعة والثانوية، تجدهن يشترين “الكسرة” من الباعة الرجال ويأخذنها إلى مقرات عملهن أو حيث يدرسن، وتتكرر هذه المشاهد بشكل يكاد يومي بدءا من المحلات الخاصة بـ”الكسرة”.
“الكسرة” قطعة من التقاليد الجزائرية

ومقابل هذه الصورة ترى الرجال يبدعون ويتفنون في تحضير الكسرة وكأنّ هذه المهنة من اختصاصهم ولكن في الحقيقة اختطفنها من النساء بعدما تخلت المرأة الجزائرية المعاصرة عن حرف الأمهات والجدات وتقاليد عريقة ارتبطت بالثورة وبالنضال والتحرير واقترنت بالكرامة والشهامة، على حدّ تعبير المثل الجزائري القائل: “الكسرة والماء والرأس في السماء”.

وأمام هذا التحول والتطور الحاصل في المجتمع الجزائري على أصعدة كثيرة يبدو أنّ مهنة تحضير “الكسرة” تسير نحو الاندثار داخل
منازل العائلات الجزائرية في ظل لا مبالاة النساء بها، ولو أنّ الرجال أعادوا لها الإعتبار ليس لأنّها حرفة نسائية أو سهلة أو شيء من هذا، ولكنّها تدرّ ربحا وفيرا عليهم باعتبار أنّ سعر القطعة الواحدة ذات الشكل دائري يبلغ 0.5 دولار ما يعادل تقريبا (40/50 دينار جزائري).

وتظل صناعة “الكسرة” مهنة تقليدية لم تندثر رغم عديد العوامل المساعدة على ذلك، وتبقى صناعة محلية وجزء لا يتجزأ من تراث وعادات المجتمع الجزائري فكانت لوقت قريب غذاء المجاهدين، ترافقه في الحياة اليومية وفي الأعياد والمناسبات الدينية، كما ترمز إلى المواطن البسيط والفقير الذي يتخذها شعارا يعمل به خلال الأزمات “الكسرة والماء والراس في السماء”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق