مدونات

صور نمطية خاطئة عن ألمانيا

بقلم: رواء مصطفى

تتكون حياة كل منا من عدة خبرات مجتمعة ومنها تأتي قناعاته، وبناء عليها تكون في الغالب تصرفاته، ووراء كل خبرة من تلك الخبرات، تكمن رواية ما أدت إليها.

إلا أن تلك الخبرات لا تكون ضرورة نتاج تجارب خاضها المرء بنفسه، فقد تتكون كذلك من خبرات أخرى اكتسبها من غيره ممن عايشها وتعايش معها، وربما يكون قد قرأ عن البعض منها، أو استمع لها على لسان صاحبها بنفسه.

 

عندما سافرت إلى ألمانيا قبل 16 عاما، قرأت العديد مِن تجارب من سبق لهم السفر إليها لمحاولة أخذ فكرة عما سأعيشه فيها، وعن كيفية التعامل مع أهل البلاد. إلا أنني، ومع مرور الزمن، وجدت في العديد من الأفكار المسبقة التي تعاملت معها كأساس للحياة هناك أفكارا أخرى غير ما عرفت.

 

ربما تكون الصورة الغالبة أن رعاية الأبناء لا تهم النساء وأنهن يفضلن العمل على ذلك، وربما يكون البعض بالفعل كذلك، إلا أن هناك العديد منهن يتركن أعمالهن للتفرغ لرعاية أبنائهن.

 

برنامج Power-m

وهو برنامج موجه بصفة خاصة للنساء، ممن اضطرتهن رعاية الأبناء للجلوس في المنزل لمدة عام على الأقل، يقمن فيه بإعادة تأهيلهن ليتناسبن مع سوق العمل من جديد.

بدأ هذا البرنامج في مدينة ميونخ منذ عام 2009، واشتركت فيه حتى الآن أكثر من 4 آلاف امرأة متوسط أعمارهن 43 عاما، وتمثل الأجنبيات منهن نسبة 25% فقط.

نعم هناك نساء يتركن أعمالهن بكامل إرادتهن لرعاية الأبناء، وربما يمضين في ذلك عدة أعوام كزميلتي في البرنامج، حيث التحقت به بعد إتمامها الـ 50 عاما وإنجابها أربع أبناء، أمضت معهم في البيت ما يزيد عن الـ 16 سنة.

تبدأ النساء بعدها معاودة البحث عن عمل من جديد، وهذا ما تحاول مثل تلك البرامج مساعدتهن فيه، من حيث التأهيل ومحاولة اكتشاف القدرات الكامنة فيهن من جديد.

 

ربما تكون الصورة الغالبة أن رعاية الأبناء لا تهم النساء وأنهن يفضلن العمل على ذلك، وربما يكون البعض بالفعل كذلك، إلا أن هناك العديد منهن يتركن أعمالهن للتفرغ لرعاية أبنائهن.

لم تتغير تلك الفكرة المسبقة والشائعة عن المرأة في الغرب لديّ حتى التحقتُ بالبرنامج وشاهدت بنفسي عدد الأمهات اللاتي اشتركن معي فيه، ويعتبر هذا البرنامج واحدا من عدة برامج في ميونخ، وأخرى منتشرة في أغلب مدن ألمانيا.

 

جارنا والمدرسة

عند جيراننا الألمان ثلاث أبناء، أمضت والدتهن بسببهم ست أعوام منقطعة عن عملها لتستطيع رعايتهم.

عندما أنهى ابنهم الأكبر عامه الدراسي الرابع، وانتقل إلى مدرسة أخرى بنظام تعليم جديد، قرر جارنا البقاء مع ابنه عاما كاملا في المنزل حتى يستطيع أن يساعده على المضي بعد ذلك بشكل سلس في المدرسة. وكان قد اتخذ هذا القرار لسببين، الأول اضطرار زوجته للعودة لعملها وعدم تمكنها من أخذ عطلة أخرى. والثاني أنه أفضل منها في الرياضيات واللغة الانجليزية، فمساعدته لابنه ستكون فعاليتها أكبر. لذا قرر الأب أن يتخلى عن عمله وراتبه لمدة عام كامل فقط لرعاية ابنه.

أما زوجته، فقد كانت تعود يوميا من عملها لتأخذ ابنها الأصغر في جولة طويلة بالدراجات ليتعلم كيفية قيادتها ولما في ذلك من فوائد صحية.

 

من ناحية أخرى، هناك بعض الوظائف التي لا تستطيع النساء في ألمانيا حتى اليوم شغلها فقط لأنهن نساء

 

نعم صادفت أسرا لا تهتم بأبنائها، ولكن على الجانب الآخر صادفت أيضا الكثير ممن يتحمل كثيرا من أجل أبنائه ومن أجل أن يخلق لهم منزلا مستقرا يشعرون بالانتماء إليه.

 

المرأة .. المساواة

لا ينتهي الحديث في مجتمعاتنا العربية عن المساواة في أوروبا وحصول المرأة على كامل حقوقها وحريتها. وبالمقارنة، فإن وضع النساء في الغرب أفضل مما هو عليه في الشرق.

إلا أن هذا الكلام نسبي، فبعض النساء في ألمانيا يعملن كسائقات لسيارات الشحن، ويتطلب الأمر أحيانا سفرا طويلا خلال الليل على الطرق السريعة. وعند مرورك بإحدى الاستراحات المنتشرة على الطريق السريع، فستلاحظ أضواء مسلطة على بعض مواقف السيارات المخصصة فقط للنساء من الساعة العاشرة ليلا وحتى السادسة صباحا.

ورغم ذلك ما زالت المرأة تخشى على نفسها في الليل، خاصة إذا انقطع بها الطريق. ومازالت حقيقة الأمور تقول أن هناك مشاكل تتعرض لها النساء إذا لم تتوفر لهن الحماية الكاملة.

 

من ناحية أخرى، هناك بعض الوظائف التي لا تستطيع النساء في ألمانيا حتى اليوم شغلها فقط لأنهن نساء، منها على سبيل المثال وظيفة مدير البنك، كما أنهن لا يستطعن حتى اليوم الحصول على نفس الراتب الذي يحصل عليه الرجل في نفس العمل ونفس التربة.

 

وفي مدينة هامبورج، يوجد ناد عريق مخصص فقط للرجال، ولا يحق للمرأة أن تدخله أو تشترك فيه. ومن عراقة هذا النادي، يحصل رؤساء وزراء بريطانيا على عضوية فورية فيه بمجرد فوزهم بالمنصب، ومازال البعض يفتخر بأن النادي أرسل إلى تاتشر عندما أصبحت رئيسة وزراء بريطانيا بعضوية فيه، مع الطلب منها بعدم الحضور لأنه لن يسمح لها بالدخول، ولا أعلم ما الذي فعلوه اليوم مع تيريزا ماي..!

نعم حصلت المرأة على الكثير من حقوقها في أوروبا، إلا أن الصورة التي يتناولها العرب عنها لم تصل بعد إلى تلك الصورة المثالية التي تحلم بها المرأة العربية.

 

بافاريا وما أدراك ما بافاريا

عند قرار انتقالنا إلى مدينة ميونخ الواقعة في مقاطعة بافاريا، بعد 6 أعوام أمضيناها في مدينة ساربروكن، والتي تقع على الحدود مع فرنسا، تحدث الكثيرون من أصدقائنا العرب معنا عن العنصرية التي تنتظرنا هناك، وربما كان الحديث موجها لي بشكل أكبر خوفا عليّ بسبب ارتدائي للحجاب.

وكانت القصص عن عنصرية البافاريين، وعدم تقبلهم المطلق للأجانب وخاصة المسلمين، ما جعل انتقالي للمدينة صعبا للغاية على نفسي، وكنت في غاية الخوف قبل الانتقال.

ولم يتوقف الخوف بعد وصولنا إلى هناك، بل ربما كان يظهر في نظراتي وتوقعاتي من كل شخص يتعامل معي في الفترة الأولى من الانتقال.

 

لا يمكنني القول انه لا توجد عنصرية في بافاريا، وهذا باعتراف أهلها أنفسهم، فهم يعتبرون كل ألماني لا ينتمي بأصله إلى بافاريا غريبا عنهم.

إلا أنها لم تكن أيضا بالتوحش الذي صوره الناس لنا قبل العيش هناك، فقد وجدت من يساعدني في حمل عربة الأطفال أثناء صعودي إلى الباص أو نزولي منه، والكثيرين ممن كانوا يفتحون لي أبواب المحلات والعمارات وينتظرونني وأنا قادمة عن بعد حتى أستطيع العبور بسهولة مع عربة الأطفال الكبيرة التي أدفعها أمامي.

 

هنا في بافاريا، استقبلنا الكثير من جيراننا بترحاب كبير، وعرض البعض مساعدته عند حاجتنا لها. وهنا بدأت خطواتي الأولى في عالم السياسة وسط ترحيب كبير من أعضاء الحزب ذاته.

نعم تواجهك العنصرية أحيانا، إلا أنه لا يمكنك تعميم الأمر على الجميع، ومازال البعض يقولون انه كلما اتجهت جنوبا في بافاريا أو ابتعدت عن المدن الكبرى، فستجد الناس أكثر عنصرية وعدوانية تجاهك، إلا أنه ربما لهذه الصورة امتداد آخر لم نره بعد.

 

من الجميل، والمفيد أن نأخذ من خبرات الآخرين، لنضيفها إلى خبراتنا، ولنختصر مسافات كبيرة في طريق تجاربنا الخاصة، إلا أنه مع الاستفادة من تلك الخبرات علينا أن ندع لعقولنا جزءا مفتوحا لا يتأثر بها تأثرا كاملا. فوراء كل رواية منها، تكمن رواية أخرى..

رواء مصطفى 

عضو الهيئة الإدارية في حزب spd عن مدينة karlsfeld 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد