مجتمع

خريجات الجامعات يكتوين بنار البطالة

مجتمع

تزايد في السنوات الأخيرة  عدد المتحصلين على شهادات عليا من الجامعات العربية، ارتفاع ولئن استبشرت به الجامعات، باعتباره يعد مقياس نجاحها ، إلا أنه يمثل إشكالا أمام الحكومات التي عجزت عن توفير مواطن شغل للعاطلين عن العمل. وقد تفاقمت نسب البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا، لتصل نسبتها سنة 2017 حوالي 15.5 بالمائة ،كان للفتيات النصيب الأكبر من هذه النسبة.

“البطالة لا تعني الموت الفكري”

هنادي رجب  (30سنة) شابة أصيلة  ولاية قفصة ، خريجة كلية العلوم بقفصة اختصاص علوم الحياة، تقول هاندي في حوار لها مع مجلة “ميم”، “أنا عاطلة عن العمل منذ 8 سنوات، ناشطة في اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل بقفصة.

أمضيت وقتا طويلا وأنا أبحث عن عمل يفي بحاجياتي اليومية، إلا أن جهودي في البحث عن وظيفة ذهبت سدا أمام اعلان الحكومة  غلق باب الوظيفة العمومية في وجوه العاطلين عن العمل، عندها قررت الانخراط في العمل الجمعياتي كحل أولي حتى لا أموت قهرا وأكون ضحية البطالة والبقاء في المنزلK فالبطالة لا تعني الموت الفكري”.

تواصل هنادي حديثها ” قضيت ثماني سنوات من عمري أصارع شبح البطالة، حاولت أن أخوض تجربة في القطاع الخاص من خلال بعث مشروع  صغير، إلا أن الاجراءات الادارية البطيئة لحصول الشاب على قرض لم تشجعني على استكمال هذه التجربة التي فشلت مع الكثير من بني جلدتي في ولاية قفصة.”

“واقع الخريجات في ولاية قفصة، وفي الجنوب التونسي ككل مزري، وعددهن في تزايد مستمر أمام غياب سوق الشغل في القطاعين العام والخاص” وتضيف هنادي أن “الحكومة اتبعت حلول ترقيعية، ومسكنات زادت الوضع تعقيدا.. خذ مثلا برنامج “عقد الكرامة”  الذي قدمه المسؤولونا على أنه حل لمشكلة البطالة وهو في الحقيقة حل فاشل في المناطق الداخلية، لغياب المشاريع والأقطاب الصناعية عدا شركة فسفاط قفصة التي لا يمكن ان تستوعب الاعداد الكبيرة للعاطلين.”

وضع هنادي  لا يختلف عن وضع صباح نصري وهي شابة من مواليد 1990 وأصيلة ولاية سيدي بوزيد أكدت في تصريح لها لـ”ميم” ،” انهيت مرحلتي الجامعية في جامعة قابس، وتحصلت على الشهادة الوطنية في الفنون والحرف اختصاص هندسة داخلية منذ سنة 2012. ومنذ تخرجي انطلقت في البحث على وظيفة في القطاعين الخاص والعام إلا أنني لم أوفق في ذلك.”

بصوت مختنق ، وبألم تحدثنا صباح عن فتيات سيدي بوزيد وعن طريقهن الصعبة التي يسلكنها يوميا في البحث عن مورد رزق يحفظ كرامتهن، “أحلامنا لم تحقق، تحطمت آمالنا بعد التخرج، وأغلب الخريجات لم يوفقن في إيجاد عمل يعوض لهن سنوات الحرمان ومشقة الدراسة، وحاجة العائلة لأبسط مقومات الحياة، في سيدي بوزيد التي تمتاز بنشاط القطاع الفلاحي.”

احتجاجات وإضرابات وتشغيل هش 

شهدت البلاد التونسية ولاتزال، تحركات احتجاجية خاضها الشباب العاطل عن العمل للمطالبة بحقه في التشغيل، خاصة أن انتشار البطالة في صفوف الشباب كان من أهم أسباب اندلاع ثورة 14 جانفي.

صباح نصري ومثيلاتها خضن إضرابا مفتوحا في مقر معتمدية منزل بوزيان من ولاية (محافظة) سيدي بوزيد، استمر لأسابيع ، إضراب أطلقن عليه تسمية “اضراب الكرامة  من أجل الحق في التشغيل”،

“خضنا إضراب نسويا في ساحة معتمدية بوزيان استمر لأسابيع، تلقينا  إثره سلسلة من الوعود من السلطات المعنية، إلا أنها لم تف بوعدها المتمثلة أساسا في انتداب المحتجات صلب الوظيفة العمومية، ودار “لقمان على حالها” فلم يتغير الوضع إلى حد الآن، ونحن عاطلات عن العمل.”

وأضافت محدثتنا ” العديد من الخريجات يشتغلن الآن في الضيعات الفلاحية مقابل مبلغ زهيد من المليمات التي لا تسد رمق أفراد العائلة، خاصة وأن هناك عائلات جميع أفرادها يعانون من ورم البطالة.”

 

حسب الإحصائيات التي قدمها المعهد التونسي للإحصاء، فإن نسبة البطالة في صفوف حاملات الشهائد العليا بلغت  في الثلاثي الثاني من سنة  2017 40.3 بالمائة وهي ضعف نسبة حاملي الشهائد العليا المعطلين عن العمل من الشباب  والتي بلغت 18.7 بالمائة.

“البيروقراطية الإدارية دمرت احلامي”

رجاء شابة من مواليد 1976، أصيلة ولاية صفاقس، تقول لمجلة “ميم”

“حكايتي مع  البطالة  دامت 13 سنة. فمنذ أن تخرجت من كلية الحقوق بصفاقس سنة 2004 وأنا أبحث عن عمل لكن بلا جدوى. لم أبق مكتوفة الأيدي طوال هذه الفترة فقد اشتغلت في أماكن عدة، درست في معهد خاص، شاركت في مناظرات “الكاباس” منذ سنة 2005 الى الان لكني لا زلت دون عمل.”

تقول رجاء ” أقطن في منطقة فلاحية، حاولت أن استغل هذا الجانب والتحقت باحدى المؤسسات الحكومية حيث خضعت لتكوين في تربية الأبقار وتكوين آخر في الإعلامية، ثم انطلقت في إعداد ملف للحصول على قرض لتمويل مشروع في تربية الأبقار والعجول. إلا أن مشكل البيروقراطية والروتين الإداري كانا عقبة في طريقي، وتوقف حلمي عند انهاء التكوين وضم شهادتي الى رف الإجازات والنجاحات التي حققتها في مسيرتي الدراسية.”

تواصل رجاء حديثها بحرقة “تخليت عن حلمي الأول أن أكون محامية تنشر العدل وتساعد الناس، ثم تخليت عن حلم الوظيفة العمومية، إلا أن الاجراءات الادارية المعقدة وانعدام روح المبادرة لدى الموظف وضعت حدا لمشروعي الخاص ومات قبل أن يولد.”

ارتفاع نسب البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا

كشفت دراسة أجراها المعهد الوطني للإحصاء  مدى ارتفاع نسب البطالة في سنوات ما بعد الثورة،  حيث حيث بلغ عدد العاطلات عن العمل في الثلاث الاشهر الاخيرة من سنة 2016 حوالي 270000 عاطلة عن العمل، وفي سنة 2017 حوالي 266300 فتاة عاطلة في صفوف الإناث ،في حين بلغ عدد الذكور 359300 عاطلا.

 ودائما حسب الإحصائيات التي قدمها المعهد التونسي للإحصاء، فإن نسبة البطالة في صفوف حاملات الشهائد العليا بلغت  في الثلاثي الثاني من سنة  2017 40.3 بالمائة وهي ضعف نسبة حاملي الشهائد العليا المعطلين عن العمل من الشباب  والتي بلغت 18.7 بالمائة.الإحصائيات  التي أصدرها المعهد الوطني للإحصاء في تونس جاءت على جميع المسائل المتعلقة بمشكل انتشار آفة البطالة في صفوف الشباب وخاصة حاملي الشهائد العليا،  حيث اختلف عدد العاطلين عن العمل حسب نوع الشهادات  وبلغ عدد العاطلين عن العمل المتحصلين على شهادة تقني سامي أو ما يعادلها في الثلاثي الأول من سنة 2017 61400 عاطل، في حين كان نصيب الإجازة  في العلوم الصحية (رياضيات، فيزياء، كيمياء) 71700 عاطلا خلال نفس الفترة.

 

عربيات في مهب البطالة

الجزائر

شهد مستوى البطالة ارتفاعا هاما في الجزائر وصل إلى 12.3 بالمائة خلال شهر أفريل 2017، في حين بلغ في شهر سبتمبر 2016  حوالي 10.5 بالمائة.

وحسب تقرير نشره الديوان الجزائري للإحصائيات،وصلت البطالة بين الرجال 8.1 بالمائة في شهر سبتمبر/أيلول، مقابل 8.2 بالمائة في أفريل/ نيسان 2016، مقارنة بمستوى البطالة في صفوف النساء الذي بلغ 20 بالمائة، وهي نسبة  اعتبرها معهد الإحصاء الأعلى منذ عشر سنوات.

وأشارت الدراسة الى نسبة البطالة  بين خريجي التعليم العالي بلغت 13.2 بالمائة  في أفريل 2016.

مصر 

ارتفعت نسبة المعطلات بين خريجات التعليم العالي في مصر، فبلغت 55 بالمائة سنة 2015، وذلك حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وقد اختلفت النسب  التي أعلن عنها المركز، حسب سنوات البطالة، اذ بلغت نسبة الإناث العاطلات عن العمل لمدة ثلاث سنوات 58.8 بالمائة، في حين بلغت نسبة الإناث اللائي يعانين من البطالة طويلة الأمد  بين حملة الثانوية العامة والثانوية الأزهرية 67.8 بالمائة ونسبة 60.5 بالمائة  بين حملة شهادة التعليم الفني.

ليبيا 

في السنوات الفارطة، أصدر صندوق النقد العربي تقريرا تحت عنوان “بطالة الشباب في الدول العربية”، تصدرت فيه ليبيا قائمة الدول العربية بأعلى معدل بطالة في صفوف الشباب، حيث بلغت نسبتها 51 بالمائة من إجمالي الشباب الليبي.

كما كشف التقرير أن فئة الإناث هي المتضرر الأول من  البطالة حيث بلغت 77 بالمائة  من إجمالي الشابات.

هنادي وصباح ورجاء وغيرهن من الشابات في تونس وفي مختلف الدول العربية، خريجات اكتوين بنار البطالة، المعضلة الأكبر لشباب الدول العربيه، منهن من خيرن الانخراط في اشغال يومية بعيدة عن تخصصاتهن المهنية، ومنهن من سعين الى الهجرة عبر البحار الى الضفة المقابلة من المتوسط، بشكل مشروع أو سري.

ويبقى انعدام أفق التشغيل هذا أكبر هاجس يشغل ملايين الشباب والشابات العرب، وحكوماتهم التي كثيرا ما تلجأ الى حلول ترقيعية سريعة لمواجهة هذه الآفة،لا تزيد  الطين الا بلة، والأزمة الا تعمقا.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق