مجتمع

المحافظون الجدد في الجامعة المصرية: أوصياء على “ما تحت الركبة وما فوقها”

مجتمع

أحمد خليل/ القاهرة/ مجلة ميم

لم يكن محمود سعد، الطالب بالفرقة الرابعة بكلية الآداب، قد اجتاز بوابة جامعة حلوان، حتى استوقفه أمنها الخاص. للحظة فكر سعد في رغبة الأمن في تفتيش حقيبة الظهر، لكنه فوجئ بطلب غريب على مسامعه وهو عودته إلى المنزل لاستبدال بنطاله المثقوب من الأطراف الأمامية بآخر سليم.

استمر النقاش بين الطالب وأفراد أمن الجامعة بضع دقائق، حتى امتثل لقرار اعتبره غريبا من نوعه بعد إطلاعه على تعليمات رئيس الجامعة المتعلقة بملابس الطلاب.

يقول سعد بضيق: “لا نقبل الملابس والتصرفات الشاذة، لكن ذوقنا في البناطيل حسب الموضة وليس لهدم نظام الجامعة”.

كان هذا هو المشهد في جامعة حلوان، جنوب القاهرة، خلال الأيام الماضية في خضم حملة تصريحات جماعية من رؤساء الجامعات تتلخص في دخول الطلاب إلى الحرم ببناطيل ممزقة أو الظهور بحلاقات شاذة من شأنها أن تنال من صورة الطالب الجامعي، بهدف الحفاظ على النظام والسلوك.

حملة ليست جديدة على السلوك الشخصي والحريات في الجامعات، لكنها جاءت تباعا في شكل يوحي بأنها صحوة أخلاقية من الدولة هدفها فرض الانضباط على “الجيل الممزق”، خصوصا أنها تزامنت مع تصريحات لمكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، التي استنكر فيها ارتداء الصحافيين لبناطيل الجينز، ومطالبتهم بالعودة إلى القماش لاستدعاء الوقار الغائب عن أهل المهنة.

تصريح مكرم أثار الجدل في الأوساط الصحفية كونها خارجة من رجل تخطى عامه الثمانين، لكنها لم تتوقف عند محطة الصحافيين فقط.

 

الأزهر الشريف دخل على خط المحظورات أيضا، فأعلن عباس شومان وكيل الأزهر حظر ارتداء ملابس غير لائقة تحت مسمى الموضة بالمعاهد الأزهرية وكليات جامعة الأزهر.

 

عادة ما تستغل إدارات الجامعات الحكومية صلاحياتها المطلقة لإصدار قرارات انضباطية وتأديبية، وهو ما اعتاد عليه الطلاب والمتابعون لملف الجامعات، لكن مع بداية العام الدراسي الجديد كان “الجينز” هو قلب المعركة.

البداية كانت من كلية التربية النوعية بجامعة المنوفية بالتصدي للبنطلون المقطع داخل الكلية، فأصدرت عميدة الكلية الدكتورة حنان يشار قرارا بمنع الطلاب الذين يرتدون بناطيل مقطوعة ومخدوشة من دخول الحرم الجامعي، او حلاقة قصات بعينها تثير الاشمئزاز.

شرارة الجينز انتقلت من المنوفية إلى جامعات القاهرة وكفر الشيخ وحلوان على الترتيب، فقال رئيس الثانية عبد الرزاق الدسوقي، في تصريحات لصحيفة الوطن، إن أي طالب سيرتدي البناطيل المقطعة والشورت سيتم منعه من الدخول، فهو مكان لتلقي العلم والتحلي بالأخلاق.

فيما قال ماجد نجم، رئيس جامعة حلوان، إنه لم ولن يسمح بدخول أي طالب أو طالبة يرتدون ملابس خارجة عن التقاليد والأعراف، وذلك بدعوى أن الحرم الجامعي له قدسيته واحترامه.

الأزهر الشريف دخل على خط المحظورات أيضا، فأعلن عباس شومان وكيل الأزهر حظر ارتداء ملابس غير لائقة تحت مسمى الموضة بالمعاهد الأزهرية وكليات جامعة الأزهر.

لكن هذا القرارات تجد تبريرا عند المسؤولين، فعلق عادل عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بقوله إن هذا التوجه يعود إلى تشديد المجلس الأعلى للجامعات على ضرورة عودة الانضباط  للحرم الجامعي على مستوى كل الجامعات المصرية، مشيرا إلى أن الملابس التي يرتديها الطلبة بالجامعات ينبغي أن تكون لائقة بالمكان الذي يأتون إليه للتعلم.

 

فصَلت كلية التربية بجامعة أسيوط، طالبًا لمدة 15 يومًا لارتدائه شورت داخل الحرم الجامعي، وأرجعت الكلية قرار الفصل إلى الحفاظ على الحياء العام والقيم والتقاليد الجامعية.

 

رغم تكرارها في أكثر من جامعة حكومية في توقيت واحد تقريبا، فإن مهاب سعيد، محامي برنامج الحرية الأكاديمية والحقوق الطلابية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، يراها صحوة غير ممنهجة يتبناها أشخاص محافظون لديهم سلطة قرار إداري يمس بالحرية الشخصية.

يشرح سعيد في حديث هاتفي مع “ميم”، أن القرارات الإدارية يجب أن يكون لها ضرورة اجتماعية، فإذا كان هدفها هو الحفاظ على مظهر الجامعة ومنع التحرش مثلا، فهو موجود في كل مكان في الشارع والجامعات، والملبس ليس المسؤول الأول عنه.

وأشار إلى أن المسؤولين التنفيذيين يستندون إلى قانون تنظيم الجامعات الخاصة في اتخاذ الإجراءت حال مخالفة التقاليد والأعراف الجامعية كغطاء القانونى يسمح بالتنكيل بالطلاب سواء سياسيا أو اجتماعيا، بعكس مثلا الجامعة الأمريكية التي تحدد الأفعال والعقوبة بدلا من النصوص المطاطة.

في ورقته البحثية “حرية الملبس في الجامعات المصرية”، يشرح سعيد كيف بدأت الجامعات التحكم في الحرية الشخصية لهيئة تدريسها وطلابها على حد السواء، وهي ظاهرة حديثة العهد  بدأت قبل عامين مع قرار جابر نصار، الرئيس السابق لجامعة القاهرة، عندما حظر ارتداء النقاب على أعضاء هيئة التدريس وهن منتقبات، وذلك حرصًا على التواصل مع الطلاب وحُسن أداء العملية التعليمية وللمصلحة العامة.

جابر نصار

ثم انتقلت ظاهرة التحكم في الحريات الشخصية لتشمل الطلاب ممن يرتدون الشورت أو الفيزون أو الشبشب، ففي بداية العام الدراسي الماضي، منع أمن جامعة القاهرة دخول طالبة ترتدي الفيزون، التزامًا بتعليمات أصدرتها إدارة الجامعة منذ العام المنصرم، ويشمل القرار كذلك الشورت والشبشب.

بعدها أصدرت إدارتا جامعتي حلوان وبني سويف، قرارًا مماثلًا، بمنع ارتداء الفيزون والشورت والشبشب، على أن توقع عقوبات تأديبية على الطلاب المخالفين للقرار، وفصَلت كلية التربية بجامعة أسيوط، طالبًا لمدة 15 يومًا لارتدائه شورت داخل الحرم الجامعي، وأرجعت الكلية قرار الفصل إلى الحفاظ على الحياء العام والقيم والتقاليد الجامعية.

ويستعين الباحث بحرية الفكر والتعبير بمواد الدستور المصري المتعلقة بالحرية الشخصية، حيث تنص المادة (99) على أن “كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور جريمة لا تسقُط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم”.

لكن محمد سالم، الباحث السياسي بمؤسسة المرصد المصري للاستشارات والتدريب، الذي يتبنى قضايا الحريات السياسية، يختلف مع سعيد في تعريف “الصحوة غير الممنهجة”، بل يراه توجها من الدولة، بصفتها ترى أنها مسؤولة عن تربية المواطنين وزرع بعض القيم والمفاهيم بداخلهم.

ويشير سالم، الذي يدرس في السنة الختامية بإحدى الجامعات الخاصة، إلى أن السلطة في مصر تنظر للمدنيين عموما على أنهم اشخاص بحاجة لضبط سلوكي وأخلاقي وديني لأنهم منفلتون.

الحملة الأخيرة على البناطيل الجينز ومن قبلها قصات الشعر والتحكم في ملابس أعضاء هيئة التدريس وإن كانت غير ممنهجة، لكنها تعبر بشكل كبير عن التوجهات المحافظة والمنضبطة لمسؤولي القرار في الجامعات المصرية الذين يسيرون حسب المزاج العام للسلطة الحالية، كونها تميل دائما إلى فرض الانضباط وتضييق باب الحرية الشخصية أمام المواطنين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.