منوعاتبيت وأسرة

معاقبة الأطفال لكونهم بشرا

ترجمة لمقال لريبيكا اينس، صاحبة الكتاب الشهير "دليل المبتدئ لتربية ايجابية"

This post has already been read 15 times!

يحتوي كتابي، تحت عنوان “دليل المبتدئ لتربية إيجابية للأطفال”، على مقتطف جال العالم بأكمله، والذي يمثل الاقتباس الأكثر انتشارا على نطاق واسع إلى غاية اليوم والأكثر إثارة للجدل أيضا. في الواقع، أساء الناس فهم هذا الاقتباس ذلك أنهم لم يلقوا بالا للسياق المحيط به.

ووفقا لما جاء في هذا المقتطف، فإنه “غالبا ما تتم معاقبة الأطفال لا لشيء إلا لكونهم بشرا، حيث يُمنع عليهم الشعور بالغضب، أو المرور بأيام سيئة، أو أن تنم نبرتهم عن قلة احترام، أو أن يتبنّوا مواقف سلبية. في المقابل، نقوم نحن البالغون بجميع هذه الأمور، بينما في الواقع لا أحد منا يُعتبر إنسانا كاملا. من هذا المنطلق، علينا أن نتوقف عن حمل أطفالنا على الارتقاء إلى مستوى أعلى من الكمال الذي نعجز نحن عن بلوغه”.

والجدير بالذكر أن العديد من الآباء يعون مغزى هذا الاقتباس، الذي يشير إلى أن الأطفال ليسوا مثاليين وأننا كبالغين غالبا ما نتوقع أن يبدوا سلوكا أفضل بكثير، ويظهروا مزيدا من ضبط النفس، وهو الأمر الذي لا يستطيع حتى الكبار النجاح في تحقيقه. علاوة على ذلك، وافق هؤلاء الآباء على ما جاء في هذا الاقتباس، كما أقرّوا بأنهم هم أيضا مذنبون لمحاولتهم الدفع بأبنائهم إلى بلوغ مستوى أعلى من المستوى الذي بلغوه هم.

ومع ذلك، أساء العديد من الآباء الآخرين فهم هذا الاقتباس الذي عنى بالنسبة لهم عدم تحميل الأطفال مسؤولية سلوكهم

ريبيكا اينس

وأنه يجب علينا تجاهل قلة الاحترام الذي يبدونه، والمواقف السيئة التي يتبنّونها، وهو ما يتعارض بوضوح مع ما أشرته له.

وبغية وضع هذا الاقتباس في سياقه، فيما يلي بقية الحديث الذي تطرقت إليه في كتابي مباشرة بعد ذلك: “بطبيعة الحال، أنا لا أشير إلى ‘تركهم يفعلون ما يريدون’ دائما، فقط لأنهم بشر. لكن، علّموهم ليصبحوا أفضل ! علّموهم بأنه من غير المناسب إظهار المزاج السيئ لمن حولهم. فضلا عن ذلك، علّموهم كيفية التعامل مع الإحباط، والغضب، والخوف، والحزن، وخيبة الأمل. وعلّموهم أيضا أنه من غير المقبول معاملة الناس بوقاحة.

اجعلهم يرتقون إلى مستوى عال، ولكن لطفا لا تنسوا القيام بالأمر ذاته

نحتاج جميعا إلى معايير عالية، حيث “لا يجب أن نقوم بإسقاط مزاجنا السيئ على الآخرين”، ولا بد لنا من “تعلم كيفية التعامل مع الإحباط، والغضب، والخوف، والحزن، أو خيبة الأمل”، بالإضافة إلى “عدم التعامل مع الآخرين بوقاحة”. خلافا لذلك، نحن جميعا في حاجة إلى أمر إضافي ألا وهو إظهار القليل من الرحمة، ذلك أننا أحيانا نمر بيوم سيء ما يدفعنا إلى قول كلام جارح، أو إغلاق الباب بعنف، أو الصراخ في وجه أطفالنا.

من هذا المنطلق، نحن لسنا روبوتات ذلك أن الحياة في بعض الأحيان تكون صعبة وحينها نكون في حاجة إلى فترة استراحة عوضا عن الاستماع إلى محاضرة، كما أننا نحتاج إلى عناق بدلا من نظرة ازدراء. في الحقيقة، نحن على يقين بارتكابنا لخطأ ما إلا أننا نواجه أوقاتا عصيبة. وبالتالي، لسنا في حاجة سوى للقليل من الرحمة وعلينا معاملة أطفالنا بالمثل”.

في هذا الصدد، إليك تمرينا جيدا:

أنصت إلى نفسك وإلى البالغين الآخرين في المنزل اليوم، ولاحظ ما إذا كان أي شيء تقوله أو تفعله قد يوقعك في ورطة في حال كنت أنت الطفل.

هل تجاهلت طفلك عندما كان يتحدث إليك؟

هل قمت بالصراخ في وجه أحدهم؟

هل تحدثت بنبرة تنمّ عن عدم الاحترام؟

هل قام بذلك شريك حياتك؟

هل قمت بإغلاق الباب بعنف، أو عبّرت عن معارضتك، أو غضبت بسبب طلب إضافي؟

في واقع الأمر، يساعد هذا التمرين على رفع الوعي وبذلك ندرك أن معظمنا يفعل شيئا واحدا على الأقل من بين هذه الأمور، التي سنوبّخ أطفالنا عليها. ومما لا شك فيه، لكل واحد منا أسبابه الخاصة، إذ أننا نشعر بالإجهاد جراء العمل، أو أننا محرومون من النوم بسبب الاهتمام بالرضيع، أو نشعر بالمرض أو الألم. إننا عبارة عن أشخاص طيبين يبذلون ما بوسعهم، إلا أنهم يخفقون في بعض الأحيان.

وعلى الرغم من أننا نميل إلى النظر إلى الأسباب الكامنة وراء سلوكنا ونظهر لأنفسنا القليل من الرحمة عند ارتكابنا الأخطاء، إلا أننا لا نعامل أطفالنا بالمثل حين يقومون بذلك، ولا نبحث عن الأسباب المتخفية وراءه. وعلى العكس تماما، نعتبر أطفالنا غير مطيعين ونتجه مباشرة نحو اتخاذ تدابير إصلاحية. وبعبارة أخرى، لا مانع لنا في أن نكون بشرا ولكننا نتوقع من أطفالنا أن يكونوا أفضل وهو ما لا يُعدّ أمرا منصفا.

وفي حال عجزت عن السيطرة على مزاجي طوال الوقت، فلا يجب أن أتوقع من طفلي السيطرة المثالية على عواطفه. وإذا لم أتمكن من مراقبة نبرة صوتي والتحدث بصوت ناعم دائما، فكيف لي أن أتوقع من صغاري القيام بذلك؟ ونتيجة لذلك، نحن نتوقع من هؤلاء الأطفال الصغار، الذين لم يكتمل نمو أدمغتهم بعد، ولا زالت تجاربهم الحياتية محدودة، من التصرف بشكل أفضل من الرجال والنساء البالغين، وإذا كنت لا تصدقني، فاستمع إلى المناظرة الرئاسية المقبلة أو أمضي بعض الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن جهتي، أدعم كليا وضع أحدنا للمعايير العالية نصب عينيه، حيث يجب أن نتوقع أن يكون أطفالنا طيبين ورصينين ومؤديين. في المقابل، أعتقد أنه لا بد لنا من بلوغ توقعاتنا الخاصة أيضا. ومن المهم للغاية أن نُعلّم أطفالنا أنه ليس من الجيد أبدا أن يكونوا وقحين، أو أن يظهروا عدم الاحترام، كما ينبغي أن يتحملوا، تماما مثل جميع البشر، مسؤولية أفعالهم.

إنّ فشلنا في تقويم سلوك أطفالنا حين يكونون في حاجة إلى ذلك، يعدّ من باب التساهل، وهو ما لا يمثل تربية إيجابية للأطفال، بل لا يندرج ضمن الأبوة والأمومة على الإطلاق. علاوة على ذلك، لا بد من تعليمهم القيام بما هو أفضل كما أننا يجب أن نقوم بذلك أيضا بشكل جماعي. ينبغي علينا نحن الكبار أن نحدد المعايير العالية ونقود الطريق نحو بلوغها، كما يجب علينا أن نتذكر أن التعاطف أحيانا هو أفضل معلم، فيما يمثل الصفح أحيانا الحل.

أنا أؤمن بأنني شخص جيد ولكنني أعلم أن هناك عيوبا تشوبني، فضلا عن ذلك، أعلم أنني إنسان غير كامل ويخفق أحيانا على الرغم من الجهود التي أبذلها. كما أنني على يقين من أن أطفالي غير الكاملين سيرتكبون الأخطاء بدورهم. في المقابل، لا يجعل ذلك من خياراتهم السيئة “جيدة”، بيد أنه يجعلهم قابلين للفهم ويعطينا جميعا فرصة للنمو والتحسّن. وفي بعض الأحيان، يعتبر التقويم ضروريا للغاية، فيما نحتاج لقليل من الرحمة أحيانا أخرى.

 

المجلة: كريياتف تشايلد

المصدر:

http://www.creativechild.com/articles/view/punishing-children-for-being-human/1#page_title

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.