منوعاتمجتمع

برامج الواقع العربية: تشريع التلصص وتجارة المآسي

مجتمع

“جاك المرسول”، “عندي ما نقلك” ، سرك في بير” ، “المسامح كريم” ، أسماء متعددة لبرامج اجتماعية اكتسحت وسائل الإعلام السمعية والبصرية في الدول العربية، برامج تسلط الضوء على مشاكل الناس الشخصية، وتطرح معاناة الأفراد في القنوات التلفزية والإذاعات وحتى الصحف المكتوبة لتجعل منها مواد استهلاكية متاحة لكافة الناس. مواد إعلامية يراها البعض  حلا لمشاكل صاحبها وعبرة للمتلقي، في حين يعتبرها آخرون استغلالا لمآسي الناس للكسب وسبيلا لتحقيق أهداف تجارية وحصد أكبر نسب مشاهدة ممكنة.

برامج تلفزيون الواقع: الإثارة والتجارة

الخيانة الزوجية، الاغتصاب، القتل، العلاقات  خارج إطار الزواج، أبناء مجهولو النسب وخارج إطار الزواج..  هذه أهم القضايا التي تقدم اليوم في المؤسسات الإعلامية العربية بمختلف أشكالها ضمن برامج اجتماعية هدفها الإثارة  والشهرة.

مجلة ميم سلطت الضوء على هذا النوع من البرامج التي انتشرت كالنار في الهشيم واكتسحت الشاشات والإذاعات والصحف العربية وحصدت أعلى نسب من المشاهدين والمستمعين.

وفي هذا الإطار، أكد هشام السنوسي، عضو مجلس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، الجهة المكلفة بمراقبة المشهد الإعلامي التونسي وتنظيمه بعد الثورة، في حوار له مع مجلة ميم أن هذه البرامج لا تندرج ضمن الأجناس الصحفية، بل يمكن أن تصنف كبرامج تلفزيون الواقع، وهي قائمة على إثارة  غريزة التلصص عند الناس، وعادة ما تهتم بالحياة الخاصة للآخرين لا بالشأن العام.

وقد تحولت هذه البرامج إلى  مورد رزق للمؤسسات الإعلامية وساهمت في ديمومتها وتواصل تجربتها، في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يعاني منها الإعلام العربي.

“مع الأسف هذه البرامج تحولت إلى نموذج يعتمد لتحقيق الربح المالي للمؤسسات الإعلامية من خلال الإشهار.”

ويواصل السنوسي  “ما يثير الريبة أن هذا النوع من المواد الإعلامية آخذ في التفشي، حتى حلت محل العمل الصحفي الجاد”.

 

هشام السنوسي عن الهايكا:

“مع الأسف هذه البرامج تحولت إلى نموذج يعتمد تحقيق الربح المالي للمؤسسات الإعلامية من خلال الإشهار.. وما يثير الريبة أن هذا النوع من المواد الإعلامية اخذ في التفشي ويحل تدريجيا محل العمل الصحفي الجاد”.

 

نفس التحليل ذهب إليه الدكتور أحمد الأبيض الاخصائي الاجتماعي والنفسي، الذي يرى أن هذه البرامج تتمعش من  التحويل المرضي للاهتمامات من خلال جعل الناس يستجيبون، إما  بدافع الفضول الأصلي أو بدافع الفضول المرضي الكامن  لدى الآخرين، بما يضمن نسب  مشاهدة مرتفعة، تترجم في جلب  الشركات الإشهارية  وتحقيق الأرباح المالية.

برامج تُربي الناس على التلصص والفضول

“نحن ازاء برامج اجتماعية في ظاهرها معالجة لمشاكل الناس ومساعدة لأصحابها على إيجاد حلول عجزوا عنها في منازلهم فلجأوا إلى هذه القنوات، وفي باطنها أمراض إجتماعية تتفشى في المجتمع، كالتلصص على خصوصيات الغير، وتفاقم مظاهر الانحراف والانحلال الأخلاقي”.

 

ويضيف محدثنا “الناس يتلصصون ويريدون النظر من خلال ثقب الأبواب ليروا ما خلفها، والكاميرا تتيح لهم ذلك”

ومن جهته، يؤكد هشام السنوسي عضو مجلس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري “الهايكا” أن أكثر ضحايا هذه البرامج من النساء، حيث تقدم المرأة في صور تنميطية تبرزها في صورة الخائنة والمضرة بوالدة الزوج والغادرة والمهملة  لبيتها وأبنائها” .

“أغلب برامج تلفزيون الواقع شوهت صورة المرأة العربية  في نظر الرجل والمجتمع، من خلال تناول حالات تدين المرأة وتحط من قيمتها في المجتمع.”

ويعتبر الدكتور الابيض أن دوافع الجهات التي تقوم على البرامج الاجتماعية ليست جلب الاشهارات فقط  بل ان فيها جانبا ايديولوجيا يطبِّع المجتمع مع السلوكات المنحرفة التي تترسخ في الوعي الجمعي، بتكرار سرد الحالات الشاذة واستعراضها علنا في شاشات التلفزات وعبر أثير الإذاعات.”  

هذا يدفعنا الى الاستنتاج بان هناك سياسة ممنهجة تقوم على دمغجة المجتمع وبلورة وعيه عبر هذه البرامج التي تمس ما درجت المجتمعات العربية على اعتبارها من ثوابتها”. 

 

الدكتور أحمد الابيض  أخصائي نفسي واجتماعي:

الهدف ليس جلب الاشهارات فقط بل ان فيها جانبا ايديولوجيا يطبِّع المجتمع مع السلوكات المنحرفة التي تترسخ في الوعي الجمعي، بتكرار سرد الحالات الشاذة واستعراضها علنا في شاشات التلفزات وعبر أثير الإذاعات.

معالجة خاطئة غاب عنها التحليل العلمي

أجمع العديد من المحللين والمختصين أن تناول البرامج الاجتماعية لمشاكل الناس خاطئ، حيث تكتفي بتقديم الحالات المرضية دون عرضها على المختصين والباحثين “عوض أن تعالج برامج الإثارة هذه المآسي من المنظور العلمي وتضعها تحت مجهر المختصين والباحثين، تعرضها على كافة الناس” بشكل شعبوي فج.

ويشير الدكتور الابيض الى أنه بالإمكان تناول بعض القضايا دون شخصنتها، لتحليل الظواهر الاجتماعية.  فما يحدث مع هذا يمكن أن يحدث مع ذاك، والأفضل استدعاء متخصصين يفسرون الأسباب ويقترحون الحلول للأشخاص المعنيين وأمثالهم.

إلا أن جميع هذه الجوانب تغيب ويتم اللجوء الى صيغ تقوم على العبث والعزف على آلام الناس.

ويشاطر السيد هشام السنوسي هذا الرأي، منتقدا تناول الإشكاليات الاجتماعية والنفسية الشائكة دون حضور مختصين ودون معالجة حقيقية وفعلية.

كما يشير الى أن الحالات التي تعرض على الناس لا يتم التدقيق فيها والتأكد من مدى جديتها وصحتها، للتحقق من أنها تعبر عن حالات واقعية لا مفبركة.

ويقول السنوسي “كما أسلفت القول، جميعها دلائل تحيلنا إلى اعتبار أن هذه ليست برامج اجتماعية بالمعنى الحقيقي والفعلي للكلمة، بقدر ما تستغل جوانب اجتماعية وتحاول تضخيمها وتسعى  من خلالها الى الاثارة بهدف تحسين  نسب المشاهدة والاستماع للحصول على ايرادات الإشهارات”.

ويضيف السنوسي  أن “القضايا الحقيقية للمجتمعات العربية لا تنحصر في مثل هذا المشاكل، وأنها تؤسس  لذوق رديء ولخطاب شعبوي في وسائل الإعلام.  هناك قضايا حقيقية تتعلق بالأزمة الاقتصادية والسياسة نحن بلد مازال مهددا بالارهاب، و مازلنا في منطقة رمادية نخشى فيها الرجوع إلى الدكتاتورية ونواجه صعوبات جمة في الانتقال إلى الديمقراطية مع تفاقم البطالة بشكل فاحش.”  

برامج ممنهجة وسياسة فاشلة

من ناحية اخرى يذهب الصحفي الجزائري حمزة بدوي إلى أن رواج برامج الحقيقة الرائجة في الدول العربية، ومنها الجزائر من مظاهر فشل سياسات الدول العربية الاجتماعية، ويقول  

“لما نرى مثلا  عائلة طفل  مريض تفتقر الى إمكانيات علاجه، فلا إحاطة ولا رعاية صحية، ولا متابعة كافية ولا مستشفيات، تجد تلجأ هذه إلى البرامج التلفزية والاذاعية بحثا عن المخرج وقشة نجاة تتشبث بها.  كل هذا يعكس فشل الحكومة في تمكين المواطن  من حقه في العلاج أو السكن حقه في العيش بكرامة، عوض أن يشهّر بنفسه ويظهر  أمام الكاميرات ويقول أمام الملأ: “أنا محتاج، ساعدوني! ، أنا فقير مسكين!” هذا فشل حكومي بالأساس، فشل اقتصادي واجتماعي.  سياستنا الاقتصادية والاجتماعية أخفقت، ويتمعن منها اصحاب البرامج الذين تتجه اليهم هذه الحالات اليائسة”.

ويواصل محدثنا  ” أنا مثلا قدمت برنامج في التلفزيون  كان يحتوي على فقرة اجتماعية مهتمة بمساعدة الناس. كان يصلني كم هائل من الرسائل يطلب فيها المواطن الجزائري تقديم المساعدة  ولَم يكن بإمكاني أن اغطيها كلها لكثرتها أو أن استدعي اصحابها الى الاستديو لطرح مشاكلهم ومطالبهم. هذا تجسيد لفشل السياسة العربية.”    

الصحفي الجزائري حمزة البدوي:

لما نرى مثلا  عائلة طفل  مريض ولا تجد أموال ولا تجد مستشفى وتلجأ إلى هذه البرامج كل هذا يعكس فشل الحكومة في تمكين المواطن  من حقه في العلاج أو السكن حقه في العيش بكرامة

برامج اجتماعية، سلاح ذو حدين

 

يواصل الصحفي حمزة بدوي حديثه مشيرا الى ان هناك نوعين من البرامج الاجتماعية،  الأولى تقدم خدمات للعائلات الفقيرة وتحل مشاكل عدد من الأفراد، كأن تساهم في بناء منزل لهم أو أن تقدم  لهم مساعدات اجتماعية ومعونات مالية،  “أنا أحيي هذه النوعية من البرامج وحقيقة هناك حالات تدمى لها القلوب تستحق المساعدة ، شيء جميل وايجابي ما يقدمه هذا النوع من البرامج.”

ويضيف البدوي ان النوع الثاني يتمثل في البرامج التي تبحث عن الاثارة وتتطرق إلى خصوصيات الناس، “أتساءل ما الهدف من التشهير بمشاكل العائلات؟ أتمنى  من ستار المشاكل العائلية أن يزول إلى الأبد وتحل المشاكل وتناقش داخل الأسر العربية  لا أمام الكاميرا”.

ويعتبر محدثنا أن البرامج الاجتماعية برامج عائلية، إلا أنها فقدت هذه الخصوصية  بالتطرق الى مواضيع وقضايا لا يمكن أن تشاهد في إطار العائلة بحضور الكبير والصغير، حيث أصبحت تبحث عن الشهرة والإثارة على حساب مبادئ المجتمع وخصوصياته ومكاسبه.

بين الخطايا المالية والتوجيه، برامج  الاثارة تنتشر

يقول عضو مجلس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري  في تونس هشام السنوسي “حقيقة لو لا الهايكا لتحولت كل التلفزات إلى برامج تلفزيون الواقع .. نحن خرجنا من نظام ديكتاتوري قائم على الرقابة، حاولنا ان نحول دون الانزلاق الى الفوضى، بالقيام بنوع من التوجيه لهذه البرامج”.

ويضيف “لجأت الهايكا في أغلب الحالات التي تناولتها إلى تسليط خطايا مالية ضخمة في سبيل ردع هؤلاء عن المس بحياة الناس الخاصة. كما  أن الهايكا انحازت في أغلب الأحيان إلى المواطنين الذين تقدموا بشكاوى”، ووصلت بعض الخطايا الى 100 ألف دولار. وأشار السنوسي إلى أن عدد الخطايا تراجع كثيرا، لأن أصحاب هذه البرامج  أخذوا احتياطاتهم في تناول الحياة الخاصة للناس.

في الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات العربية من عدة إشكاليات كالبطالة وانتشار الفقر والإرهاب وغياب الأمن والغذاء، تنشغل وسائل الإعلام العربية بالبحث عن الإثارة والخوض في خصوصيات الناس واسرارهم وهتك ما كان مستورا، متاجرة بالام البسطاء ومآسيهم  لغايات ربحية صرفة.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد